أضيف في 31 أكتوبر 2017 الساعة 16:03

رؤى تشكيلية


ناصر سالم المقرحي

رؤى تشكيلية . . معاني خارج المعاني

لتجربة الفنان التشكيلي الليبي معتوق ابوراوي عدة مرتكزات ووجوه وملامح في تصوري , سوى ان أبرز الملامح الذي لا يحتاج إلى كثير تأمل لاستكشافه وتتبع حيثياته هو الإفادة من الأدب عند الشروع في التأسيس للمٌنجز الفني , إذ تعد أعمال الفنان خير مثال على تلاقح والتقاء الفنون وتقاطعها وانمحاء الحدود الفاصلة ما بينها بحسب منطق العصر وشيوع فلسفة النظرة الشمولية للأشياء , فالفنان يقرأ النص الأدبي بطريقته الخاصة ويسبغ عليه من تأويله الشخصي ويفكك عناصره ويحيله من حالته ككلام وأحرف إلى ألوان وأشكال على الأسطح ويترجمه من اللغة إلى الرسم , فهنا يندمج الأدبي مع التشكيلي , المقروء مع المرئي , وفي الوقت الذي يكون فيه للنص الأدبي حياة خاصة يتموقع النص البصري التشكيلي كنص موازي ومستقل يمكن قراءته بالأستناد إلى النص الأدبي أو بمعزل عنه , وهذا إن دل على أمر فإنه يدل على أن الفنان قارئ شغوف ونهم وعاشق للأدب ويمتلك إلى جانب ملكة الرسم والتعامل مع الريشة ذائقة قادرة على تدبر المقروء ومجادلته واستنطاقه أو إعادة تكريره لإثراء معانيه أو للأنطلاق منه نحو تأسيس نص بصري موازي وله خصوصيته .

لا أفهم الطريقة التي يحيل بها الفنان النصوص الأدبية إلى أشكال وألوان وخطوط إلا أنني غالباً ما أجد رابط ما بين النصين , رغم ان الفنان وعلى غير عادة الكثير من الفنانين برسوماته التجريدية التي نحس انها وليدة اللحظة , لحظة قراءة النص الأدبي والتأثر به لأنها في الأعم تستثمر خامة الألوان المائية التي تتسم بالخفة وسرعة التحضير وسهولة الأستخدام – وهذا ما يفسر استعمالها من قِبل بعض الفنانين لا سيما ببدايات عصر لنهضة لوضع اسكتشات أو تخطيطات أولية للواحات زيتية فيما بعد - على غير العادة تأتي الرسومات غير تشخيصية لا واقعية توحي أكثر مما تُشخص وتُلمح أكثر مما تُفصح كما لو أن الفنان المسئول عن تربية المتلقي جماليا يحثه على الأجتهاد أو يقوم بتوريطه في العملية الإبداعية التي لا تنتهي إلا بوجود الطرفين ويُشرِكهُ في نصه المبتكر بطريقة أو بأخرى ويدعوه للدخول في سجال مع ما يراه أمامه من ترجمات لونية لكلمات بليغة قد تكون شعرا أو نثر في هيئة حكمة أو قصيدة أو قصيدة هايكو أو قول لأحد الأدباء .

ومع انها أعمالاً فنية متكاملة هاتِهِ التي يرفقها الفنان بالنصوص الأدبية سواء كانت نثرا أو شعرا أو مقولة أدبية على سبيل المثال إلا أن إحساسا بأنها مجرد اسكتشات يظل يراود المتلقي حالما تقع عيناه على هذه الرسومات وليدة اللحظة المشحونة بطاقة هائلة من التأثر والتفاعل الخلاق , كما لو ان الفنان مطالب باقتناص اللحظة وتوثيقها قبل انفراطها المحتوم واختفائها , كما لو أن اللحظة الإبداعية لا تتكرر كثيرا وعلى الفنان أن يستنفر كل حواسه للتعامل معها قبل تبددها ولهذا تأتي اللوحة بهيئة رسومات أولية مؤقتة أو كعمل تحضيري لعمل آخر أكبر وأوسع , وعند التأمل في تفاصيل اللوحات وربطها بالنصوص المرافقة لها يزول الإحساس المبدئي بأنها اسكتشات , ليرتسم أنطباع آخر يقول بأنها أعمال فنية مكتملة الأركان وأصيلة تنافس في معانيها وفنيتها النصوص الموازية أو تتفوق عليها , إذ أن النص اللغوي قد يكون فقط مدخلاً للعمل الفني وتهيئة للولوج إليه لأن المعنى كله كامنا فيه وما ينقص النص الأدبي يمكن أن يكمله النص البصري بإمكانياته المختلفة .

كما تُظهر رسومات الفنان إيمانه العميق بجدوى الفن في تحسين وجه لحياة والتخفيف من قبحها وبشاعتها , فإلى جانب الجمالية التي لا يوليها الفنان كثير عناية تبرز الفكرة ويقفز المعنى إلى المقدمة ويهيمن على الشكل , وهذا هو مربط الفرس وما يهم الفنان , أي أن تصل فكرته للآخر ويفتح معه قنوات للحوار بغاية الوصول إلى صيغة إنسانية مشتركة قوامها التعايش السلمي والتعاون و الأتفاق على محاربة الفقر والجوع والجهل والتطرف ونبذ العنف ونشر المحبة في هذا العالم البائس .

وحتى لا يبقى الكلام دون برهنة ونماذج نستدل بها , نرفق هذا المقال ببعض الرسومات التي وضعها الفنان لجمل وعبارات أدبية على أن نرفق الجملة أو العبارة أو النص الشعري باللوحة في المساحة المخصصة للتعليقات حتى تكتمل الصورة ويترسخ القصد , ولمن يريد الأستزادة والتدقيق في هذا الملمح الفني لدى الفنان يستطيع العودة إلى حسابه على الفيس بوك والذي سيجد فيه ما يروي غليله ويسد رمقه .

ولأن الفنان عاشق للفن وعلى شغف كبير بعوالمه ومؤمن به تماما , ولأن الفن أداته الوحيدة التي يجيدها للتعاطي مع الحياة والتعبير عن أفكاره وأراءه والإفصاح عن رؤاه , صار الفن بالنسبة له ممارسة يومية آنية وأسلوب حياة معتاد , ومثل القلم والكتابة بالنسبة للأديب أتخذ الفنان من الريشة والألوان أداة لتسجيل ذكرياته وكتابة يومياته , وكما الأديب بمقدور الفنان العودة إلى ذكرياته وقراءتها وحتى نشرها وعرضها على المتلقي , وتوثيق الذكريات واليوميات بالرسم طريقة أخرى من طرق التعبير دعت إليها الحاجة كبديل لمن لا يجيد التعامل مع القلم أو لا يستسيغ ذلك وهي وسيلة لا تقل أهمية عن كتابة اليوميات وتسجيلها أدبياً , وقد يفعل الفنان ذلك الأمر - أي تدوين اليوميات بالرسم - من باب التجريب والتنويع وكسر النمطية والتأريخ لمشروعه , وقام في السابق بعض الفنانين العالميين مثل بيكاسو إن لم تخونني الذاكرة – لأنني قرأت هذا من وقت طويل – قامَ بتبني هذه التقنية واعتمدها ضمن منهجه في الرسم سيما وأنه مجرب كبير تنقل من أسلوب إلى آخر ومن مرحلة إلى التي تليها ولم يستقر طيلة حياته الفنية على أتجاه معين وكان دائم البحث عن صيغ فنية جديدة وأشكال تعبيرية غير مطروقة وهذا تحديدا هو سر تفوقه وعالميته وبقاءه كرمز من رموز الفن في العالم ليس حديثا فقط بل منذ أن خط الإنسان أول شكل ووضع أول رسوماته البدائية , والفنان معتوق أبوراوي غزير الإنتاج والمجتهد المتفرغ للفن والمشغول به حد الهوس والعشق – هذا ما تشي به اشتغالاته وزخمه الفني - لم يفوته هذا الأمر ووثق الكثير من أشياءه اليومية الراسخة والعابرة بالرسم , وهو الفنان الليبي الوحيد بحسب اطلاعي المتواضع الذي تبنى هذه الفكرة الخلاقة , ولعل للأحتكاك بالثقافات الأخرى التي أتاحتها له الدراسة في الخارج والسفر والتطواف الطويل وعرض الأعمال في بيئات فنية متباينة , لعل لذلك علاقة بتبني هذا التوجه إلى جانب اتصاف التجربة ككل بالتوسع والرسوخ والخروج عن السائد وارتيادها لآفاق أبعد ,كل ذلك دون أن تتخلى عن بُعدها الإنساني ورسالتها في الحياة .

فللفنان معتوق أبوراوي لوحات عديدة وتخطيطات أسماها اليوميات أو جنّسها كيوميات وفيها دوّنَ الكثير مما مر به من افكار وأحداث وذكريات وهموم , وكونها رسومات تعبيرية رمزية في الاساس فإنها تحتاج إلى جهد إضافي من قبل المتلقي لفض مغاليقها وتفكيك رمزيتها , وسيجد المتلقي الكثير من المفاتيح التي ستعينه عل فهم اللوحة وقراءتها بالشكل الأمثل فالفنان لا يرسم بأعتقادي لمجرد الرسم وإلا لكان أختصر الطريق ورسم كغيره لوحات فرجوية تزيينية تدغدغ ذائقة المتلقي ولا ترجها رجاً , بل يرسم ليحقق إنسانيته ويمنحها شروط تأسسها يرسم ليطبع أثرا طيبا على أديم الحياة يظل شاخصا ما ظلت الشمس تطلع وتغيب ما ظلت الأرض تدور , يرسم لكي لا يكون مجرد عابر مثل الملايين من المنسيين الذين عبروا دون أن يتركوا أثرا ولم يسهموا في تعمير الأرض , يرسم لأن الحياة بلا فن لا تطاق . . . وهذا يكفي .

*********

ناصر سالم المقرحي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق