أضيف في 28 أكتوبر 2017 الساعة 10:14

إشكال القدوة في الدين


رشيد اليملولي

إشكال القدوة في التدين .

إن ما بين لحظة إنتاج خطاب و تمريره تكمن قيمة كبرى ، تجد مظهرها في القدرة على المواءمة بين بناء رسالة و تنزيلها إلى أثر و سلوك ، مما قد يعني تقديم معنى القيمة التي تبدر قيما ، و تخاطب سلما قيميا إنسانيا ، فيما بين صياغة الخطاب و تمريره ، تتعثر العديد من الرسائل ، و تنفلت من عقالها ، لتصبح حجرة عثرة تعرقل نموذجا معينا بل و حضارة برمتها ، من خلال تبسيط جدواها و تحقير نموذجا في البناء .

إن الامتدادات المترتبة عن سوء تقدير المزاوجة بين الخطاب و الممارسة ، تنطوي على جملة من المخاطر ، التي تستقي مرجعيتها من الرافد القيمي ، الذي يصبح محط اتهام و سخرية و انتقاد ، و يتحول النظام مصدر شك و ريبة ، تتعالى كلما لاحت في الأفق صور التعدي على هذا النموذج .

الدال في هذا العوز ليس في مصادرة الحقوق و إغماط حق الذوات في الاختلاف ، و أقصى الأحوال السلبية و العدمية ، بل في الأثر و الامتدادات الناتجة عن سوء تدبير و تقدير الموقف ، و من ثم التجني و الإعدام لمنظومة الانتماء ، لأن الأمر يخص بناء الذوات و الصور المرتبطة بها في تناغم و ليس نشاز ، أو استثناء مرضي ، يفضي إلى تشكيل الأنساق الاجتماعية و النفسية و التربوية ، وفق مقاس يتماشى مع المفارقة الحدية ، أي بين صورة سلبية تامة و أخرى إيجابية بالمعنى المطلق .

أما القول بمحاكمة الذات و صياغة مقدماتها على نمط محدد سلفا ، يعني رفعها إلى منزلة صوفية ، و مثالية أفلاطونية ، قد تفيد أن مستوى و درجة الخطأ بالنظر إلى طبيعة الصورة المقدمة اجتماعيا و المصاحبة بنص ورسالة قيمية ، أن إشكال الانتماء يخص فقط الارتباط بالمرجعية دون روحها ، و تراثها دون اجتهادها .

إن تناسل الفضائح الأخلاقية و القيمية لبعض الدعاة في المغرب ، يشي بأن الوضع و الصورة و إن كانت ضعيفة في حالاتها و صورها ، أن فلسفة و ثقافة بناء الذات دينيا في حاجة ماسة و ملحة لإعادة التقييم و التقويم و النظر في الفهم و التأويل ، و الانتماء لمنطق العصر بنية و عمل الفكر و العلم ، و لا حاجة في هذا المقام للاحتجاج بأن المؤشرات و الحالات المقدمة اجتماعيا و إعلاميا ، لا ترقى إلى مستوى الإشكال و الظاهرة ، لا لشيء سوى أن المنظومة المرجعية ـ الدينية تحديدا ـ في خطر التصنيف و الازدراء ، و لا يعني البتة القول بأن أجهزة ما تحيك الخيوط ، و تدبر أمرها بليل بغرض الإطاحة بنمط معين في الفهم و الوجود مهما كانت طبيعته .

إن الأثر الذي أحدثه حادث الداعية الفيزازي " بزوجته " ، لا ينتمي مطلقا لذات و إشكال تعاطيها مع أشكال فهمها ووعيها ، و من ثم وجودها " القيمي " ، و لكن يهم فكرة و قيمة و صورة تتداول بشأن الإطار المرجعي ، الذي فشل في تدبير أموره الخاصة و الحساسة ، و انتقلت إلى توجيه الأفهام و التأويلات انطلاقا من سخونة و حيوية المتاع المفاهيمي و الاستدلالي للمجتمع ، أكان فاضلا أم مستنقعا ، و كل الدعاوى القائمة على تبخيس هذه التأويلات الجانبية للإطار المشار إليه ، تنقلب إلى حجة دامغة ، قياسا على مؤشرات أخرى أبطالها إلى وقت قريب صور العشق الممنوع على المستوى السياسي و الدعوي ، لتيارات تحسب على المرجعية الدينية ، الذي يتخذه المغاربة نبراسا لانتماءهم الجماعي .

لعل سياق إنتاج الرموز الدينية ، أو التي تستمد روحها و أفقها من الدين ، في حاجة إلى إعادة التقدير و التقويم ارتباطا بالحاجة الملحة التي تفرضها الضرورة المعرفية و المنهجية للعلوم الإنسانية ، التي أضحت حاجة حضارية وجب الانتباه إليها و النهل من معينها ، بغية إغناء الرصيد الديني و تقوية مناعته ، و تصويب نظرته " الفقيرة " إلى الدلالات التي يصر على تغييبها ، و الصادرة من المجتمع ، و من ثم الأفهام الجانبية التي يتم تصنيفها ازدراء و تعاليا ، بإيعاز من التطور الذي قدمته العلوم الاجتماعية و النفسية و الانتربولوجية ، لغاية إسقاط التعالية و حصر المعرفة في أطر جاهزة لا تستطيع التغير و في أقصى الحالات الارتباط القدسي بمقولة الحقيقة ، نقول الذي تعتد به الرؤية الفقهية " الجامدة " منذ عصور خلت ، و التي لا تدخر جهدا في إلحاق الصيرورة الاجتماعية و غناها الدلالي بمركزية النص و قدرته " الخارقة " على المسايرة ـ طبعا من تأويلات قد لا تخدم في أحيان كثيرة النص الديني ـ و الضبط و التقنين و التأطير ، و في هذا تجاوز خاص لرحابة الواقع و ثراءه ، و تطوره حتى في القوانين المستمدة من الأعراف ، و من التطور الاجتماعي و العلمي و التكنولوجي .

إن أزمة القدوة لا تخص صورة الشخص ، قوتها ، ضعفها ، و إنما تعني تهاوي إطار مرجعي و اصطفافه إلى جانب المرجعيات غير القادرة على المناطحة و المنافحة عن ذاتها ، و عن إفراز قيم الصراع المادي منه و الرمزي في إثبات القدرة على الأحقية الحضارية ، وما حالات العشق الممنوع دعويا و سياسيا ، وصولا إلى الأمور العائلية والخاصة لداعية انتقل فجائيا من "سلفية مفرطة " إلى الاحتفال غير المبرر بكل ما يصدر عن السلطة ، و الدفاع عن مؤسسات لا تكتسي مشروعية اجتماعية ، من خلال تغييبها السافر لقيمة الفرد و دوره و إنسانيته خاصة ، و ما الحالة الإعلامية عبر الوسائط التكنولوجية التي برع فيها التدين في الدفاع عن الشبقية و " الكبث " بالمعنى النفسي و الاجتماعي ، إلا دلالة موحية و معبرة عن إشكال بناء الذوات التي تلح على الأحادية في البناء و التأويل ، و المصادرة في تعدد المقاربات و الآليات المنهجية و المعرفية في تربية و بناء الذوات ، من خلال حصر و تضييق الحقل الدلالي للتدين في المنع و الزجر و الواجب ، دون الالتفات إلى كل الصيغ التي يقدمها المجتمع من قبيل المستحب و المندوب و المرغوب فيه و المصالح المرسلة ، أما إغراق التدين بهواجس دعوية أو سياسية ، و تبرير ذلك بالمسوغات الدينية ، فلا يخدم إلا الأفهام المعرقلة بالمعنى الابستمولوجي ، التي توغل في إقصاء الدين برمته باعتباره إطارا مرجعيا ، ما دامت الذوات المعبرة عنه ترفل في مستنقع الأمراض بالمعنى الفكري و العلمي و الفلسفي .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق