أضيف في 28 أكتوبر 2017 الساعة 10:03

بأيّة حالة عُدتَ يا كتابُ ؟!


يونس بلخام

 

تم إفتتاح معرض الكتاب الدولي لطبعته المتجددة كل عام هنا بالجزائر العاصمة و تسابقت عشرات إن لم نقل مئات من دور النشر الجزائرية و العربية و حتى الغربية في طرح كتبها المختلفة أمام أعين و عقول الجزائريين مما سيجعل الفرد الجزائري يلتفت أخيرا إلى شيىء يدعى بالكتاب بعد أن هجره هجرانا قاسيا طيلة أيام العام و بتعبير أدق طيلة ساعات العام بل و دقائقه ، فالكتاب و بكل تأكيدٍ ليس مزارا سنويا و لا حتى أسبوعيا بل هو مزار يومي دائم و لن نتزيد إن شبّهناه بوظيفة و أهمية الدم في جسم الإنسان ، لا يتوقف دورانه إلا بعد ممات الإنسان نفسه ، يحذوني فضول غامر و كبير لطرح مجموعة من الأسئلة بمناسبة قدوم معرض الكتاب و إليكم عددا منها : هل العودة إلى حضن الكتاب هي عودة صادقة أم أنها رياءٌ ثقافي عابر مراده تحقيق نشوة عابرة تتمثل في لفت الإنتباه فقط و هل الإنسان المثقف تقاس سعة الثقافة لديه بحجم المال الذي أنفقه على عدد الكبير من الكتب دون أن يكون له برنامجُ إقتناء موجّه و مضبوط حسب الحاجة المعرفية و التخصصية و كذا حسب ذوقٍ أدبي أو علمي معين؟ ، هل المثقف الحقيقي هو الذي يهرول لمعرض الكتاب كل سنة لغاية وحيدة تتمثل حصرا في ملىء رفوف مكتبة منزله بكتبٍ يتناسب لون دفتيها مع طلاء جدران منزله؟! ، و هل الكتاب أضحى أداةً للمفاخرة و المزايدة الثقافية و إبرازٍ لعضلاتٍ ثقافيةٍ وهمية يشتدّ بأسها أيام المعرض و تترهل سائر أيام السنة؟! ، أوليس من الوفاء الحقيقي للمعرض أن يعود و قد أنِفنا مُمحضين له كاملَ الوفاء و أن يجدنا كذلك قد اِستفدنا من العناوين التي طرحها لنا في سنته الماضية ؟ .

 

كمحاولة لتشخيص باثولوجيا المطالعة لدى الفرد الجزائري نجد بأن الذوق المطالعي لهذا الأخير هو ذوق رديىء جدا ، و الدليل على ما أقوله هو الإحصائيات الرسمية للمعارض السابقة بدليل أن أكبر نسبة من الكتب المباعة في سالف المعارض كانت من نصيب عناوينَ مختلفة و متنوعة لكتب في فن الطبخ و تفسير الأحلام ، بالمقابل فإن الإقبال على الكتب العلمية و الأدبية القيّمة كان قليلا و مخجلا بحق ، مئاتُ الكتب الفكرية القيّمة طُرحت في رفوف المعرض و لم يحركها من مكانها أحد إلا ذلك الذي و ضعها أول أيام المعرض و سيضعها بنفسه في آخر يوم منه داخل علب كرتونية كبيرة تمهيدا لإرجاعها إلى دور النشر التي طبعتها للمشاركة الشرفية فقط ، هذا إن دلّ على أمر فإنما يدل صراحةً على حالة مستعصية من باثولوجيا مطالعوية أصابت بلدا كان بالأمس القريب محجّا يحتضن جحافل المثقفين العرب الوافدين لأجل النهل من غزير علم علمائه و أدب أدبائه و شعر شعرائه ، لا يمكننا أن نلقي باللوم و العتب كاملين على الفرد الجزائري وحده و أن نحمله مسؤولية العجز في الميزان الثقافي إن صح توظيفنا لهذا المصطلح الإقتصادي هاهنا ، فهناك مجموعة من الإفرازات التثبيطية موجهة إلى عقل الفرد الجزائري تراكمت مع السنين لتجثو على عقله فتلجمه عن كل ما هو مفيد و ذو قيمة معرفية تساهم جليا في تطوير فكره و جعله مرنا أكثر ممّا يضمن له كإنسان و لمجتمعه الذي يحتضنه فرصا حقيقية للعدو و الركض في مضمار الحضارة و الرقي ، لعل من أبرز هذه العوامل كُومة المشاكل الإجتماعية و الأوضاع المعيشية المتأزمة التي عاشها العقل الجزائري طيلة عدة سنوات مضت ما جعله يصرف كل تفكيره نحو كيفية أن يتمكن من أن يوفر لنفسه مستقبلا معيشيا آمنا مستقرا متجاهلا بذلك مستقبله المعرفي جاعلا منه آخر إهتماماته ، و من العوامل التي أصابت الذوق المطالعي للعقل الجزائري الإنتاجات الأدبية و العلمية الفارغة و المفرغة من كل ما يحمل قيمة مضافة تدفع بالعقل إلى أن يتطور و ينفتح على مكامن أخرى للعلم و المعرفة ، فانحصرت كل هذه الإنتاجات على روايات لا تسمن و لا تغني من جوع تدور جلّ أحداثها على أمور فارغة لا تخدم المعنى و المفهوم الحقيقي للرواية بما هي رسائل إنسانية و معرفية يتلقاها القارىء على لسان شخصيات تلك الرواية فكأنّه يقرأ كتابا علميا أو أدبيا بطريقة أخرى تكسر الروتين الواحد للكتب من ذلك النوع و لنأخذ روايات الكاتب الروسي "فيودور دويستويفسكي" نموذجا و هي التي أسست و حسب شهادة دكاترة نفسانيين معاصرين لما يسمى اليوم بالسايكولوجيا أو علم النفس.

 

إن معرض الكتاب هو فرصة حقيقية لعقد جلسة صلح مع أمرين إثنين للأولّ أولوية على الثاني و لا غنى عن كليهما ، أما الأول فالعقل و أما الثاني فالكتاب ، الأولوية للعقل فبمصالحتنا لعقولنا نحن بذلك نجعلها تعيش للغاية التي خُلقت و أوجدت لها ألا و هي التفكير السليم و السديد و النهم الشديد للعلم و المعرفة و التطلع لكل ما هو جديد و مفيد ، و أما الكتاب فلأنه هواء العقول تتنفسه كي لا تضمر و تضمحل و تتلاشى ، و كلاهما لا يستغنيان عن بعضهما أبدا و في افتراقهما جهل و ظلام و بلادة فكرية تجعل الإنسان جمادا يأكل و يشرب و يتنفس فقط .

 

لا نريد لمعرض الكتاب لهذه السنة أن يذهب كما جاء دون أن نحقق الغاية الحقيقية من إقامته و هي أن نرتقي بعقولنا و أن نمنحها غذاءها الصحي الذي يمكّنها من أن تفكر تفكيرا سويا فتبدع و تنتج زادا معرفيا عظيما يرتقي بالإنسان نفسه و ببلده و شعب بلده ثانيا و بالعلم أولا و آخرا.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : يونس بلخام

طالب جامعي مالية و محاسبة   / سطيف , الجزائر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق