أضيف في 27 أكتوبر 2017 الساعة 23:03

الناقدة التشكيلية خيرة جليل :التشكيلي محمد بلقاس تعبيرية تجريدية تؤرخ تصالح مع الذات


خيرة جليل

 

كما سبق وان ذكرت في تقديمي سابقا لبعض الأعمال التشكيلية بالوطن إن الحركة التشكيلية المغربية تتميز بطابع الجديد المنضبط الذي يخول لها اعتلاء مكانة مرموقة، فهي تجارب وإن اختلفت في مضامينها وتصوراتها والرؤى،إلا أن التقنيات الجيدة والأساليب التعبيرية تلفت الانتباه لتعبر عن وعي هؤلاء الفنانين ونضجهم فكيف تعامل الفنان التشكيلي محمد بلقاس مع منشئه التشكيلي ؟ وما هي الخلفية الفكرية التي وجهته ؟

التشكيلي محمد بلقاس تعبيرية تجريدية تؤرخ تصالح مع الذات

كما سبق وان ذكرت في تقديمي سابقا لبعض الأعمال التشكيلية بالوطن إن الحركة التشكيلية المغربية تتميز بطابع الجديد المنضبط الذي يخول لها اعتلاء مكانة مرموقة، فهي تجارب وإن اختلفت في مضامينها وتصوراتها والرؤى،إلا أن التقنيات الجيدة والأساليب التعبيرية تلفت الانتباه لتعبر عن وعي هؤلاء الفنانين ونضجهم فكيف تعامل الفنان التشكيلي محمد بلقاس مع منشئه التشكيلي ؟ وما هي الخلفية الفكرية التي وجهته ؟

إن قانون القراءة يفرض حسب الكاتب موليم العروسي :" تحمل اللوحة خطابا معينا وللوصول إلى ذلك فإنها تستعمل وسائل وطرائق نسميها التقنية أو اللغة التشكيلية، علينا إذن أن نميط اللثام عن هذه اللغة " . ولغة التشكيلي محمد بلقاس لغة عميقة وغنية تترجم عشق تشكيلي وهوس إبداعي توج إحساسه هذا اتجاه ألوانه ، لقد اعتبر التشكيل زورق النجاة الذي ركبه في قمة العاصفة والانفعالات النفسية. تحسس بدفء أنفاسه وهي تعانق ألوان لوحته الزرقاء المميزة البسيطة المعقدة في نفس الوقت، فيركز بأسلوبه هذا على تصوير العواطف، بدلاً من الكائنات، و هو بذلك يفضل في مذهب التعبيرية التجريدية الرسم على مساحات كبيرة، وبألوان مثيرة وفضفاضة، مع العناية الفائقة بقيم السطح والملمس.

.... في اطار الحوار معه حول التشكيل تحسس ببريق عينه يشع كالماس تحت ضوء القمر وهو يطرد غبش الحزن الدفين في أعماقه ...أشياء هناك مبهمة وعاجز عن التعبير عنها، لكنها تخرج بدون استئذان منه يعبر بهدوء عن تجربة فريدة من نوعها في عالم التشكيل ...أي هوس هذا يسكنه ويترجمه لألوان تمثل حركة ودينامكية نفسية وفكرية؟ .......يسكنه هوس الإبداع حتى النخاع . يرى في كل لوحة تجربة تؤرخ لحدث ما...كل لوحة هي فراشة خرجت من شرنقة ذهنه لتداعب أشعة الشمس الربيعية...تشكيل لغوي يرافقه تشكيل لوني بعيدا عن التصنع أو التكلف..... ، مما ساعده على صنع حيز إبداعي مغربي صرف ، يمتح من الثقافة المغربية الأصيلة التي تزخر بها مدينته خصوصا في صناعة الفخار والغنى اللوني الممتع و مقوماتها الأساسية وألوانها التي تعبر على بيئتها ومناخها ، خصوصا انه تربى بين دروبها وتغذى من الموروث الحضاري بأسسه المعرفية والقيمية ليطفو على الساحة التشكيلية الوطنية خاصة بشكل يستوعب المورث الفني والحضاري المغربي في شموليته بل انه يستحضر القيم الفنية والجمالية الصرفة .

إذا نظرنا إلى أية لوحة من لوحات الفنان نجد أعماله تدخل في اطار الحركة التجريدية الحديثة بمنجزها ببعض التمويهات الواقعية ، سنجد أن التكوين في اللوحة جيد، والتباين اللوني أيضا جيد، وعناصر اللوحة الفنية جميعها مكتملة، لكن الإنسان البسيط يجد نفسه غير قادرين على فهم هذا العمل الفني، ويجد صعوبة بعض الشيء في قراءته بالطريقة المعتادة التي نشاهد بها الأعمال الفنية التمثيلية التي تصور أشياء واضحة ومعروفة. لكن فنيا هذا يعبر عن عمق التجربة التشكيلية وارتباطها بانفعالات نفسية للفنان و لكي نفهم العمل التجريدي علينا أن فهم حياة الفنان نفسه، تطوره ودراسته وخلفيته، والعناصر الذي استخدمها وكيف وصل إليها، و ليس من السهل أن نفهم عمل تجريدي بمعزل عن الفنان الذي رسمه وعن الفترة الزمنية التي ظهر فيها.أعماله تبدو مريحة للعين بشكل أو بآخر عندما نراها، وعناصرها الفنية مكتملة، و متجانسة .... إذا طبقنا هذا الرأي على لوحاته فهي من درجة لوحات كاندنسكي، سنجد أن له رؤية خاصة جدا عن العمل الفني، لقد قامت فلسفة كاندسكي على نظرة شوبنهاور في علم الجمال، والتي تجعل الموسيقى أعلى أنواع الفنون قيمة نظراً لأصالتها، فالمقطوعات الموسيقية مبتكرة ولا تحاكي شيئاً موجوداً في الواقع. حيث يقول كاندنسكي: "إن موسيقى فاغنر اجتاحتْني اجتياحًا عفويًّا، كان من العمق بحيث استطعت من خلالها أن أرى كلَّ الألوان المحبَّبة إلى قلبي بعيون روحي الهائمة في أرجاء المكان، وأن أبصر خطوطها المتوحشة التي أوصلتْني إلى حافة الجنون، من خلال حركتها وقدرتها على رسم عدد من اللوحات أمام ناظريَّ"

من هنا نستخلص أن التشكيلي محمد بلقاس لا يركز على التخطيط المسبق، حيث يشعر الفنان برغبة في التعبير عن مشاعره أكثر من رغبته أن يرسم هذه المشاعر، وعندما يبدأ في الرسم تتكون لديه انطباعات عما يمكن أن يفعل، وهكذا يستطيع أن يسيطر على تدفق اللوحة، فليس هناك مصادفات، وإنما يبدو الأمر كما لو أنه ليس هناك بداية أو نهاية. لأن وظيفة الفن التجريدي هي مساعدتنا في إيجاد طريقة للتواصل مع ذواتنا الداخلية، ومشاعرنا غير الواعية، واكتشاف المساحات المجهولة منا، والتي تعمل الحياة اليومية الرتيبة على قتلها ببطء، والفن العظيم يتيح لنا سبيلا إلى التماس مع الجانب غير الواعي من وجودنا حتى لو لم ندرك ذلك تماما، وهكذا، فإن دور الفنان هو أن يبدع شيئا قادرا عندما يراه المشاهد أن يثير فيه تلك العواطف والمشاعر المخبوءة تحت طبقات كثيفة من التصورات المسبقة.........الناقدة خيرة جليل

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق