أضيف في 25 أكتوبر 2017 الساعة 12:01

كشف في الجسد


نورالدين البودلالي

دخن سيجارة آخر اليوم، وكان الوقت ليلا متأخرا. استلقى على الجانب الأيسر من السرير. في ظلمة الغرفة، انقشع أمامه شريط الأحداث.. كل الأحد. تؤرقه، وكأنه يتصفحها للمرة الأخيرة. تذكر.. فكر.. تخيل، وامتد به الحال بعض الوقت، ثم غطّ في نوم عميق...

نام كما لم ينم من قبل. الآن وجهه المتجعد يغزوه عرق كثيف، أنفاسه تتجدد بصعوبة، دقات قلبه تترادف بسرعة. ورغم ذلك فقد كان نومه الليلة عميقا، ولم يكن ليفيقَ لولا فطنته إلى اللحاف يشد عليه بقوة كأنه قماط، وإلى برودة مجمدة تسري بظهره. الآن حين استكمل استفاقته لم تستطيع عيناه أن تر شيئا: ظلمة عمياء تلف المكان. اللحاف يغطيه كاملا، من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، لكنه لم يفكر في تغيير وضعه، ظل مستلقيا على ظهره وقد التصقت يداه بجانبيه وانشد الرأس مستقيما. رأسا، توجه نحو تنفسه يحاول ضبطه، يعطيه وقعا متوازنا مع تردد الأنفاس التي يصله صداها، وإلى قلبه ينسق دقاته المكتومة والسريعة. تكّ.. تكّ.. تكّ.. تكّ... فكر أن يتمطط عله يتنفس بعمق، فتزيد كمية الهواء بصدره. قبض على اللحاف الذي وجده تحته رقيقا كالإزار. ارتبك. اللحاف يطوقه من كل الجهات، وتتحاذى قمة رأسه بشيء كقبضة اليد المكومة، كعقدة بفوهة كيس تعوقه عن الحراك. نبش بأصبعه الإزار، فصادفت شيئا شبيها بصلب.. تربة، أو لربما كان حجارة. زاد الاختناق، لم يعد يقدر ابتلاع ريقه. جهد نفسه كي يتخلص في حركات قليلة من وضعه، غير أن كتفاه تؤلمانه. حينها خطر له أن حالته غير عادية، وأن عليه أن يضبط نفسه أكثر. داهمه الخوف وركز فكره على الحياة. حرك يده داخل الإزار، وصلت بصعوبة بالغة إلى أقرب نقطة منها: عانته. عارية. صعب عليه أن يصدق أنه بات عاريا، هو الذي يخاف نزلات البرد. حرك يده أكثر نحو الأعلى، كان صدره عارٍ كذلك. حدس أنه منبطح أرضا وقد عري من كل ملابسه. اندهش... الاختناق.. البرد.. الظلمة.. الرغبة في البكاء تتسرب بسرعة، تشل جسده العاري. توسل إليه أن لا يفعل وهو الرجل الكبير السن. الاختناق يضغط على صدره.. رئتيه يحسهما سينفجران.. تند عنه صرخة مكتومة حادة كطفل تنفس لأول مرة في عالمه الأرضي.

- آه ه ه ه ...

- شووشْ.. لا تبك!

كان الصوت رخيما وعميقا، كأنه يصدر عن شيخ داخل غرفة فارغة، بل إنه أقرب لأصوات الأرواح السابحة في الهواء التي تعرضها أفلام الرعب. ولأن للصوت نبرة آمرة فقد ارتجف، كتم في السر أنفاسه. في نفس اللحظة خيل إليه أنه سمع الصوت قبلا.. أنه يعرف معرفة أكيدة صاحبه. اندهش لسرعة فطنته، لطراوة ذاكرته هي التي خانته مرارا. زادت دهشته حين زاد تيقنا أن صاحب الصوت جده.. ذلك غير ممكن...

-من المتكلم؟ سأل بعينين مترقبتين.

-أنا.. أنا جدك.. ألا تذكرني؟!

خاف أن ينفجر في ضحكة هستيرية، فيتأزم وضعه فقد يكون الأمر مجرد لعبة خسيسة تحبك له. من يدري؟! ليساير، إذن، في حذر اللعبةَ.

-أعلم أن جدي مات منذ كنت في سن الخامسة..

-هو كذلك بالضبط

ثم وصلته في سكون المكان أنفاس هائمة، ثقيلة رتيبة، ف..

«وأنت كذلك من ليلة الأمس»

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق