أضيف في 24 أكتوبر 2017 الساعة 16:10

المسلمون وغياب الدولة الحامية


أحمد حسيسو

لست أطيق صبرا على مقدمات طويلة ألج بها موضوعا من الخطورة بمكان، يحرق الأكباد الطاهرة، ويستفز العقول الأبية، ويزلزل القلوب الآدمية، ويخنق أنفاس النفوس الزكية.

ويحك أيتها البشرية التائهة، عارٌ عليكِ جمعاء بدون استثناء وأنتِ في مطلع الألفية الثالثة على قانون أفظع وأشرس من قانون الغاب!

فتَحْتَ ظلال الأمم المتحدة "العتيدة" بمختلف مؤسساتها، ومجلس الأمن الدولي بكبرائه وكبريائه، وفي كنف الجمعيات الحقوقية المحلية والأممية، ومحاكم العدل الوطنية والدولية، وسيادة الحضارة الديمقراطية الغربية، وفي أجواء العولمة الإعلامية التي أضحى معها العالم قرية صغيرة، كل شيء غدا فيها باديا، وكل حدث فيها يمر على مرأى ومسمع الجميع في حينه ناصعا، في خضم هذا كله تجري الإبادة العرقية الجماعية لمسلمي الروهينغا، ناهيك عن مأساة الشعب الفلسطيني الذي يئن منذ قرابة سبعة عقود ولايزال تحت وطأة آلة القمع الصهيونية الهمجية الغاصبة، وعن المأساة الحالية للشعب اليمني الذي يقتل ويحاصر ويجوع بالسلاح الأمريكي الفتاك الذي يتدرب على استعماله جنود آل سعود. ما بلغت مجازر الصهاينة معشار جرم عربان الخليج هناك، وغير ذلك مما يصطلي بناره المسلمون كثير.

الروهينغا إخواننا في الإسلام، وهم إخوانكم يا معشر غير المسلمين في الإنسانية وفي البشرية، فكيف تنتهك أعراضهم وحرماتهم وتغتصب نساؤهم، وتصادر ممتلكاتهم، وتحرق بيوتهم، بل يحرقون هم أنفسهم بلحومهم وعظامهم، ثم لا مغيث ولا مجير ؟ !!!

يتعرض مسلمو الروهينغا لظلم شنيع فظيع، ولبؤس مظلم يحزن القلوب ويدمع العيون، ويتعذبون عذابا تقشعر لمجرد تصوره الأبدان، لا لجرم ارتكبوه ولا لإثم اقترفوه، سوى أنهم أقلية مسلمون مستضعفون بين مخالب قوم بوذيين يسومونهم سوء العذاب.

ماذا يجدي هذا الوصف لمشهد فاضح لجبين الإنسانية، ماذا يغني البكاء على الأطلال إذا انهار البنيان. هل كان بالإمكان ان يحدث هذا لسكان أراكان لو كانوا مسيحيين مثلا أو يهود، هل تظل الصين واليابان مكتوفتي الأيدي لو حدث نظير هذا لشعب بوذي في مكان ما؟ بالطبع لا.

لو قتل سائح أمريكي في براري إفريقيا لأقامت و.م.أ.الدنيا ولم تقعدها حتى يتم التحقيق والثأر من الجناة المحتملين، أما أن يقتل المسلمون، ليس بالعشرات ولا المئات فحسب، بل بمئات الآلاف، فهذا من الأمور المستخف بها في هذا العالم الديمقراطي التكنولوجي الحضاري !!! وفي مثل ذلك يقول الشاعر الحكيم:

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر --- وقتل شعب كامل قضية فيها نظر !

أين يكمن السر في هذا العقاب الجماعي للمسلمين على ظهر الكرة الأرضية؟

إن الجواب على هذه الإشكالية سوف يتشعب ويختلف باختلاف تخصصات المفكرين والباحثين، وباختلاف مشاربهم الفكرية ومرجعياتهم الإيديولوجية والثقافية، غير أن من الأسباب التي لا تخطئها العين، ولا يمكن إلا الجزم بها، غيابُ أية دولة إسلامية عظمى، تستطيع مجاراة دول الفيتو عسكريا وصناعيا واقتصاديا، أو يكون لها من التأثير في موازين القوى العالمية ما يمكنها من الحيلولة دون استباحة حرمات المسلمين.

أزيد من مليار ونصف المليار من المسلمين الآن موزعون في دول، بل في دويلات متصارعة متنازعة يضرب بعضها رقاب بعض، ويتواطؤ بعضها مع الأعداء ضد بعض، فلم تفلح في إيجاد وحدة سياسية ولا تحالفات عسكرية ولا تكتلات اقتصادية، أذهبت الخصومات ريحها وفشلت في إيجاد موطئ قدم في ساحة الكبار.

العجب كل العجب ممن يدعي الإسلام وإخلاص المودة لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يعتبر الدين مسألة شخصية، لا دخل لها في الإدارة والسياسة والاقتصاد والجيش، وإرساء الوحدة وإعداد القوة.

من يريد أن يجعل من الإسلام قضية شخصية ويحصره في زاوية الخلاص الفردي، فلا لوعة له على الإسلام ولا المسلمين، فيوشك أن يحق فيه قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: "... ومن أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم"

اللهم نصرك الذي وعدت عبادك المستضعفين المظلومين، يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق