أضيف في 23 أكتوبر 2017 الساعة 21:40

حزب العدالة والتنمية واسئلة المؤتمر السابع؟؟


الحبيب عكي

رشيد العدوني 23 / أكتوبر/ 2017.

       يستعد حزب العدالة والتنمية المغربي لعقد مؤتمره العام السابع وذلك في العاشر من دجنبر المقبل وفق ما أقرته مؤسسات الحزب وقوانينه، وهو المؤتمر الذي كان يفترض عقده سنة 2016 وتقرر تأجيله نظرا لتزامنه مع الانتخابات التشريعية لـ 07 أكتوبر 2016، ورغم كونه دورة عادية لأعلى هيأة تقريرية للحزب إلا أنَّ السياق المحيط بها والمعطيات السياسية تجعل منه مؤتمرا فوق العادة، ويحظى بمتابعة واسعة من مختلف الفاعلين السياسيين ومن عموم المواطنين، كما أن رهاناته وتداعياته ستؤثر لا محالة _ ليس فقط على مستقبل الحزب_ على مستقبل الحياة السياسية المغربية بمجملها، وذلك لكونه يمثِّل استحقاقا تنظيميا لأكبر قوة حزبية بالمغرب، تقود الحكومة للولاية الثانية، وهي التجربة الوحيدة في العالم العربي التي لا يزال فيها حزب سليل الحركة الإسلامية يشارك في الحكومة من موقع قيادتها، ومن جهة ثالثة ما تعرّض له الحزب من اختبار غير معتاد إثر إعفاء أمينه العام ، ذ. عبد الإله بنكيران، من مهمة تشكيل الحكومة بتاريخ 15 مارس2017 وتعيين الدكتور سعد الدين العثماني لخلافته بعدما تصدّر الحزب نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وتحاول هذه المقالة المساهمة في إغناء دينامية النقاش السياسي المفترضة أن يخوضها الحزب وذلك من خلال رصد وتحليل أهم الفرص والتهديدات التي تواجه الحزب، وكذا علاقاته ومدى تأثرها بهذه التحولات، ومساءلة مهامه وحصيلته من خلال الأدوار المنوطة بالحزب دستوريا.

 الحزب السياسي والمهام الدستورية؛ أية حصيلة للبيجيدي؟

         ينص الدستور المغربي في الفصل 7 على أنّه "تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية". وبناء عليه يمكن تقسيم أدوار الحزب السياسي إلى ثلاثة: التكوين السياسي، تأطير المواطنين وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، المشاركة في ممارسة السلطة، فإلى أيّ حَدٍّ نهض حزب العدالة والتنمية بهذه المهام؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من التأكيد على أنه تقييم مبني على الملاحظة الخارجية وليس على تقارير أدبية داخلية. وهو نابع من الشعور بضرورة تقييم أداء الحزب وفقا للصلاحيات المتاحة أمامه دستوريا والتي يمكن إسقاطها على أحزاب أخرى.

-على مستوى التكوين السياسي :

         ونقصد به "التنشئة السياسية" وتكوين الأطر والكفاءات السياسية وتأهيلهم للقيام بمهام تدبير الشأن العام؛ فإنّ الملاحظة الأولى بهذا الصدد هي أن الحزب يقوم بأنشطة تكوينية هنا وهناك لكنها مفتقدة لرؤية ناظمة، ولا تقوم على فلسفة واضحة وتعاني من مفارقات وأحيانا تناقضات تَبَعًا لطبيعة المسؤولين عن الملف في الجهات والأقاليم، مع ملاحظة أنَّ كثيرا من اللقاءات التكوينية الداخلية كان يغلب عليها الطابع التعبوي وتَحكمها إكراهات العمل الحكومي والأداء الانتخابي للحزب. في حين يغيب سؤال أي نخبة سياسية يريد حزب العدالة والتنمية على مختلف مستوياته؟. كما أن ضعف هذه الوظيفة مركزيا يؤثر على الأداء العام للحزب ويعطل وظيفة التفكير السياسي والتأطير المنهجي لأعضاء الحزب ومنتسبيه خاصة في ظل تحديين رئيسيين؛ الأول: مرتبط بارتفاع حجم الإقبال والطلب المتزايد على العضوية في الحزب بسبب موقعه الحكومي وتسييره لمجموعة من الجماعات الترابية، والثاني: حجم التطورات والإشكالات النظرية والعملية التي تستجدُّ أمام الممارسة السياسية والتي تتطلب مواكبة في التكوين، دون الحديث عن الحاجة الماسة لمشروع تكويني مبني على أسُس علمية ومرتبط بمشروع الإصلاح السياسي الذي يتبناه الحزب ويعمل من أجله، ذلك المشروع الذي مكنه أن يقي الحزب من كثير من التسربات والانحرافات، وأنْ يشكِّل سندا عمليا ونظريا لمنتخبي الحزب أثناء توليهم المسؤوليات العمومية.

على مستوى التأطير العام:

       لا يخفى على أصدقاء الحزب وخصومه مستوى التواصل السياسي العالي الذي تميز به الحزب في علاقته بالمواطنين، مما جعله يحقق زخما كبيرا وإقبالا متزايدا في مدن وقرى مختلفة بالمغرب، وهو ما انعكس على نتائج الحزب الانتخابية في محطات 2011و 2015 و2016م، لكن نقطة قوة الحزب في التأطير والتواصل السياسي هي نقطة ضعفه، والمتعلقة بشخص الأستاذ (عبد الإله بنكيران) سواء من خلال الإقبال الجماهيري الكثيف على المهرجانات الخطابية واللقاءات العامة التي نظمها الحزب، أو على مستوى المتابعة التلفزيونية المرتفعة للجلسة الشهرية بمجلسي البرلمان طيلة فترة ترأُّسه للحكومة، إلا أن تحقيق التواصل مع المواطنات والمواطنين بهذه الطريقة رغم قوته فقد افتقد لشروط الاستمرارية ومن أهمها المؤسساتية وبناء جهاز حزبي خاص بالعمل الجماهيري والتواصلي تكون له بنيته التنظيمية مركزيا ومحليا.

على مستوى تدبير الشأن العام:

       يمكن القول أن العدالة والتنمية حقق نتائج إيجابية جدا سواء على المستوى الحكومي إذ استطاعت حكومة الأستاذ بنكيران مباشرة إصلاحات هامة رغم تكلفتها السياسية والاجتماعية والانتخابية، وأيضا على المستوى المحلي والجهوي، إذ سَجَّلَت جل المجالِس الجماعية التي يسيرها البيجيدي نتائج محمودة في عمومها رغم إثارة عدد من التحديات المرتبطة بتنظيم الانتخابات وأدوار وزارة الداخلية والإرث الثقيل لعقود من التدبير السابق. وعموما يمكن القول أنّ الحزب نجح في امتحان تدبير الشأن العام، وهذا النجاح عَبَّرت عنه نتائج الانتخابات التشريعية الماضية والتي منحت للحزب فرصة مواصلة قيادة العمل الحكومي رغم بعض الإصلاحات المؤلمة. و إذا كان الحزب - في العموم - قد حقّق ما حققه باعتماده على مبادئ النزاهة والشفافية ونظافة اليد؛ إلاَّ أنّه يسجل عليهِ ضعف كبير على مستوى الإبداع والاقتراح في تدبير الشأن العام المحلي والوطني. أي أنّ الحزب يتصرف وكأن المشكل يُختزل على مستوى الحكامة في التدبير فقط، ويتم تغييب أو تأجيل أي نقاش على مستوى النموذج التنموي والإصلاحي المعتمد سواء على المستوى العام أو على المستوى القطاعي. فرغم كون الحزب يدّعي أنه ليبرالي في خلق الثروة واشتراكي في توزيعها، أي أنه بقدر ما يدعِّم المقاولة وتحرير المنافسة بقدر ما يركز على تكريس العدالة الاجتماعية والاهتمام بالفئات الهشة، لكن هذه المقولة غير محررة بما يكفي وغير مؤسَّسة على رؤية إصلاحية ناظمة، وتظل ترقيعية تنهل من هنا وهناك، مما يجعل حاجة الحزب إلى اجتراح نموذج تنموي وإصلاحي فيه من الإبداع والواقعية ما يجعل للحزب في موقع تدبير الشأن العام قيمة مضافة.

 المشروعية والإصلاحية: آليات التصفية السياسية للأحزاب

        يخبرنا الزمن السياسي المغربي الراهن أن القوة الثالثة أو الدولة السفلى سعت _ منذ ظهورها قبيل الإعلان عن الاستقلال _ إلى إحداث الخصومة بين الأحزاب وحاضنتها الشعبية من جهة وبينها وبين المؤسسة الملكية من جهة ثانيا. مستغِلَّة في ذلك موقعها الوسيط لمنع أيّ تقارب بين القوى الشعبية الإصلاحية والمؤسَّسة ذات المشروعية التاريخية.- هذه الفكرة مستوحاة من مداخلة للأستاذ عبد العزيز أفتاتي ضمن أكاديمية أطر الغد- منظمة التجديد الطلابي، الرباط غشت 2017-. وتعتمد هذه القوة الثالثة في إحداث الخصومة مع المؤسسة الملكية من خلال اتهام الأحزاب والقوى المنبثقة شعبيا بمعاداتها لموقع ومصالح المؤسسة الملكية وتشكيكها في قناعاتها بالمشروعية التي تحوزها المؤسسة الملكية، وربط هذه الأحزاب بقوى خارجية. ومن هذا المنطلق تم التشكيك في نوايا (المهدي بن بركة) رحمه الله وقناعته الوطنية ومن ثَمَّ التمهيد لاغتياله المعنوي وتصفيته سياسيا (بحيث عُزِلَ من رئاسة المجلس الاستشاري الوطني سنة 1959م، ورُفِضَ اقتِراح تسنُّمه وزارة التربية الوطنية قبل ذلك..)، قبل اختطافه وتصفيته جسديا يوم 29 أكتوبر 1965م، وغيره من القادة الوطنيين والزعماء السياسيين الذين تخوّفت القوة الثالثة من تنامي مكانتهم ومشروعيتهم لدى القصر والشعب.

        في حين يتم استهداف العلاقة بين الأحزاب السياسية والحاضنة الشعبية من خلال تبديد مفعولها الإصلاحي. فحينما تعجز القوة الثالثة عن التشكيك في إيمان القوى السياسية بالمشروعية؛ تَمُرُّ إلى مرحلة اتهام فاعليتها الإصلاحية، وأهَمّ نموذج في الزمن السياسي المغربي يتمثل في الزعيم (علال الفاسي) رحمه الله، الذي لم تستطع القوة الثالثة التشكيك في قناعته بالثوابت الوطنية لكنها اشتغلت على رسم صورة سلبية عنه (كسعيه للتمكين لحزب الاستقلال ولأهل فاس بالإدارة العمومية..) وغيرها من الاتهامات التي لا يقوم الدليل والتاريخ والوقائع شاهدا على صحّتها.

إنَّ استعمال هاتين الآليتين "الاتهام في مشروعية الأحزاب" و"الاتهام في إصلاحية الأحزاب" لم تَكن مبنيةً على فراغ، بل إن هذه الأحزاب ارتكبت عدد من الأخطاء التي كرست هذه الصورة وساهمت في نجاح إستراتيجيات القوة الثالثة، الأمر الذي جعل رجلاً مثل (عبد الله بها) رحمه الله يردد خلاصة مهمة حينما كان يقول: "منذ الاستقلال كان لدينا تيار يريد الإصلاح لكن يصادم الملكية، وتيار مقابل يدافع عن الملكية لكنه متورط في الفساد".

من خلال هذا التوضيح وبالعودة لتجربة حزب العدالة والتنمية نجد اليوم استخداماً ظاهراً لِكلتا الآليتين في نفس الوقت. ففي وقت حكومة الأستاذ عبد الإله بنكيران تم الترويج على لسان وكلاء القوة الثالثة لتهمة المساس بالمشروعية من خلال ازدواجية الخطاب والصدام مع المؤسسة الملكية والارتباط بتنظيمات دولية، والعمل لصالح الموساد..؛ وتم الترويج أيضا للتشكيك في القدرات الإصلاحية للحزب أثناء قيادته للحكومة عبر الاتهام بتوظيف الأقارب حزبيا وعائليا، ومعارضة إصلاح صندوق المقاصة وصندوق التقاعد، وتوظيف النقابات لعرقلة الإصلاحات بداعي أنَّ ما يتم إنجازه هو عبارة عن تراجعات وليس إصلاحات على ما غير ذلك. لكن الأستاذ بن كيران رفقة فريقه الحكومي استطاع التغلب على تهمتي المشروعية والإصلاحية وهو ما أكدته الثقة الشعبية التي حصل عليها الحزب في تزكية 7 أكتوبر ثم التعيين الملكي وتكليفه بتشكيل الحكومة ابتداءً من يوم 10 أكتوبر 2017.

غير أنَّ ما حدث بعد ذلك من تطورات عقب تقنية "البلوكاج" (تعطيل تشكيل الحكومة) بعد فشل آلية الاتهام في المشروعية والاتهام في الإصلاحية التي اجتازها الحزب، وبعد تشكيل حكومة الدكتور سعد الدين العثماني في ظل سياق سياسي موسوم بنبرة التراجع والارتداد وإفراغ الانتخابات من مضمونها ومدلولها السياسي والديمقراطي؛ عادت نفس الأسطوانة القديمة للاشتغال مع فارق بسيط هو توزيع التهمتين على أكثر من طرف داخل الحزب.

وهكذا تم تقسيم الحزب في الإعلام ودواليب الجهات المعنية إلى تيارين مع توزيع تهمة مُعَيَّنة على كل تيار، فعادت تهمة اتهام الأستاذ بنكيران في إيمانه بالمشروعية والترويج لسعيه نحو الصدام مع المؤسسة الملكية والتنافس معها والاشتغال على تأويل بعض التصريحات والخطابات قصد تشكيل القناعة لدى من يهمهم الأمر بأن بنكيران مشكوك في إيمانه بالمشروعية، وهو ما يُعتبر تمهيدا للتصفية السياسية للرجل وإبعاده عن الحياة السياسية برمتها.

في حين تم ربط تهمة الإصلاحية بالدكتور سعد الدين العثماني وحكومته من خلال وسم هذه التجربة الوليدة بتهمة التعايش مع الفساد والتراجع عن الإصلاحات، وأنه يقود تيار يسعى للاستوزار والاستفادة من المغانم، وهو ما يشكل مخططا لتبديد المفعول الإصلاحي للحكومة. والغريب أن كثيراً من أبناء الحزب وقادته منخرطون في تفعيل هاتين الآليتين؛ فمنهم من انخرط في التشكيك في قناعة الأستاذ بنكيران بالثوابت والمؤسسات الحائزة للمشروعية ومنهم من انخرط في مهاجمة الدكتور سعد الدين ونفي قناعته الإصلاحية. علما أنَّ ما يُعَبِّر عنه كلا الرجلين يعبر عن التوجه العام للحزب، وعلما كذلك بأنَّ المشاركة في الحكومة وفق معطياتها كان بقرار من مؤسسات الحزب وبتفويض منها، غير أن الخطورة القصوى لاعتمال هذه الآليتين السلطويتين تتمثَّل في ضياع هوية الحزب وانحرافه عن منهجه العام وقناعاته الثابتة ومسيرته الإصلاحية.

وما لم ينتبه الحزب إلى كونه صار موضوعا للاشتغال ولإعمال آليات الإعدام السياسي للتجارب الإصلاحية، وما لَم يحدِّد موقعه تجاه هذه الآليات بما يرسخ قناعته بالثوابت الأساسية مع الحفاظ على الهوية الإصلاحية؛ فإنَّ سنن التاريخ لن تحابي حزبا ولا زعيما مهما علا شأنه.

 حزب العدالة والتنمية؛ ثلاث فرص متاحة وثلاث تهديدات قائمة:

أمام حزب العدالة والتنمية جملة من المعطيات التي تحتاج إلى المدارسة الجماعية في أفق إعداد الجواب السياسي الكفيل باحتفاظ الحزب بهويته ونهجه ومواصلة مسيرته السياسية والإصلاحية المستمرة رغم العقبات والإكراهات والهزات التي _ وإن لم تنهِك الحزب _ فهي درس وعبرة من عبر المسير التي وجب استثمارها خاصة في أفق عقد المؤتمر العام المقبل.

وبشكل مختصَر يمكن القول أنّ الحزب يحوز في ظل المعطيات الحالية على ثلاث فرص متاحة لاستعادة المبادرة واستئناف المسير، ولعل أهمها:

- توفر سند شعبي كبير للحزب بعد الصورة الإيجابية التي أعطاها الحزب في التجربة الحكومية السابقة واختراق الحزب لقلاع انتخابية كانت عصية عليه منذ زمن يسير (القرى و بعض المدن الكبرى والمتوسطة)، وهذا السند الشعبي يُعتبر فرصة هامة للحزب لمواصلة الكسب الإصلاحي، ورغم ما قد يثار من تضرر صورة الحزب عقب تشكيل الحكومة الجديدة ومعطيات الانتخابات الجزئية الأخيرة؛ إلا أنَّ العامل الأساسي في هذا الضرر يرتبط بالسلوكات الناتجة عن قيادة الحزب وأعضاءه، بحيث أدَّت هزة إعفاء الأستاذ بنكيران إلى رجة قوية دخل معها الحزب مرحلة الشك، وتوارى التواصل والتوضيح المسؤول للرأي العام، واشتغلت الصحافة على الحزب وقيادته من خلال إثارة الخصومات والإتهامات وغيرها. أي أنَّ صورة الحزب تضررت بفعل سوء التدبير من طرف أعضاءها، وذلك هو ناتج عن عوامل ذاتية بالأساس يمكن التغلب عليها من خلال مغادرة منطقة الشك وتقديم إجابة تتضمن عرضا سياسيا جديدا يمكنه أنْ يستثمر في الإقبال الشعبي المساند للإصلاح.

- إشعاع النموذج المغربي القائم على الإصلاح في ظل الاستقرار، فرغم تعرض صورة هذا النموذج للخدش بعد إعفاء الأستاذ بنكيران وما تم تسجيله من تجاوزات حقوقية والفشل في معالجة حراك الريف؛ إلا أنَّ الدولة المغربية بحاجة لإغلاق قوس هذه التجاوزات خاصة في ظل الرهانات الكبرى التي فتحها الدولة وعلاقاتها الخارجية وآثار ذلك على قضية الوحدة الوطنية. كما أنَّ الدولة ورغم الانتكاسة التي حدثت في منتصف شهر مارس 2017 فهي لم تصل إلى درجة الانقلاب النهائي على مكتسبات الربيع الديمقراطي، مما يجعل الفرصة قائمة لاستعادة المبادرة ومواصلة الإصلاح وتحقيق التحول نحو الديمقراطية.

- غياب أيّ بديل قادر على تعويض حزب العدالة والتنمية، فمن جهة تم إعمال متتالية ماكِرة لإضعاف أحزاب الحركة الوطنية في أفق الإجهاز عليها، ومن جهة أخرى فشلت الأحزاب المنبثقة عن السلطة في تقديم عرض سياسي بديل، ولعل الحالة المزرية التي وصل إليها حزب الأصالة والمعاصرة خير دليل على هذا الفشل، ومن جهة ثالثة لا زالت التيارات الراديكالية غير قادرة على تقديم أوراق اعتمادها نظراً للجمود على الموقف الجذري بمقاطعة الحياة السياسية لدى البعض وللانحسار الجماهيري لدى البعض الآخر، مما يجعل حزب العدالة والتنمية في صدارة المشهد السياسي من أجل استئناف مسيرة الإصلاح، ويظل هو الأمل الموجود أمام فئات عريضة من المجتمع بما فيها عدد من الرموز اليسارية والوطنية التي دعمت برنامج الحزب .

وإذا كانت هذه أهم الفرص المتاحة أمام البيجيدي من أجل استعادة المبادرة، فلا بد مِن الإشارة إلى ثلاث تهديدات قائمة أمام الحزب، وتقف وراءها جهات معينة تسعى لضمان نفاذ هذه التهديدات بما يؤدي إلى ترويض الحزب وتهذيب سلوكه السياسي بما يتوافق مع هواها وتبديد مفاعيل الإصلاح والدمقرطة.

أُولى التهديدات تتمثِّل في:

       - تهديد تقسيم الحزب، وذلك نتيجة سوء تدبير الأزمة السياسية العاصفة والتي لا تزال مستمرة بفعل اختلاف وجهات النظر حول تفاصيل المشاركة الحكومية على مستوى قيادة الحزب، ونظرا لتعطيل انعقاد الأمانة العامة خرج أكثر من قيادي بالحزب إلى ساحة التراشق الإعلامي والاتهام والاتهام المضاد، هذا الاختلاف في الرأي انخرطت فيه أيادي من خارج الحزب فتم تقسيم الحزب في الإعلام بين تيار محسوب على الأمين العام الأستاذ عبد الإله بنكيران وتيار يضم الوزراء وأطلق عليه إعلاميا باسم "تيار الاستوزار"، وبدأ الاشتغال المنسَّق على الحزب من أجل المضي بالانقسام بعيدا، خاصة وأنَّ آلية تقسيم الأحزاب السياسية تم استخدامها على كل التجارب الحزبية بالمغرب وأدت مفعولها، مما يجعله لتهديد قائما وجديا، يتطلَّبُ الوعي به وتأطير الاختلاف واستيعاب وجهات النظر المختلفة والاحتياط من الأيادي الخارجية، للوصول إلى المؤتمر بصفٍّ موَحّد وحزب قوي.

- تهديد إفساد الحزب؛ وذلك أساسا من خلال الإغراء والتدليس الذي تقوم به بعض الأجهزة تجاه المنتخبين، وكذا من خلال التساهل مع بعض مظاهر الريع وسيطرة مغانم السلطة وحب الكراسي وبروز المحسوبية وسوء تدبير المال العام والمسؤوليات العمومية وغياب الحزم والصرامة المطلوبة من طرف لجنة النزاهة والشفافية داخل الحزب، وانتشار مظاهر مخلة أثناء المحطات الانتدابية. وإذا كان الحزب من الناحية الشكلية يمكنه التعايش مع تسرب مظاهر الفساد فإن هذا التهديد من حيث المضمون يعني فناء شخصية الحزب وروحه الإصلاحية وتَحَوُّلَهُ بالتدريج إلى رقم عادي ضمن الخريطة الحزبية المغربية، ما لم يتصدى الحزب لمختلف هذه المظاهر وفق مقاربة تربوية تكوينية وأيضا زجرية.

- تهديد التهميش داخل الساحة السياسية؛ وذلك من خلال متتالية التضييق ثم العزل ثم التهميش. فهذا التهديد يأتي نتاجا لتفاعل إرادتين: إرادة السلطة التي تتحرش بالحزب وتحاصره بالاتهامات، وإرادة الحزب حينما يتفاعل مع هذه الاستفزازات بمنطق ردود الأفعال وبالتبرم نحو تجذير الخطاب والخروج عن النص، فتجد السلطة المبرر لعزل الحزب ومن ثم تهميش دوره السياسي. لذلك وجب الانتباه للخط السياسي للحزب في تفاعله مع الاستفزازات الواردة من أعلى بِغرض الوقاية من هذا التهديد وتفويت الفرصة على من يسعى لتهميش الحزب وعزله في الحياة السياسية الوطنية.

 الحزب ونقاط القوة ونقاط الضعف : أسئلة الأداة الحزبية

عَرَف الحزب تقدُّما متواصلا على المستوى السياسي والانتخابي وذلك بسبب ارتكازه على نقط قوة مميزة، أعطت له وهجا وحقق بموجبها كسبا مهما في الحياة السياسية، ويمكن إجمالها في الآتي:

- أولها: وضوح المشروع السياسي المنبثق من المرجعية الإسلامية باعتبارها مرجعية المجتمع والدولة، وإيمانه بالثوابت الأساسية الوطنية، ونهجه الإصلاحي باعتباره خطا ثالثا بين التيارات اليمينية المحافظة والتيارات الراديكالية والثورية.

- ثانيها: مصداقية الخطاب السياسي للحزب والمتميز بالواقعية والمعقولية والتوازن والاعتدال.

- ثالثها: العمل الجماعي والمؤسّساتي من خلال هيكلة متماسكة للحزب على المستوى المركزي وعلى المستوى المجالي وعلى مستوى الهيئات الموازية ومن خلال تكريس مبادئ الديمقراطية الداخلية في الانتخاب واتخاذ القرار.

- رابعها: ارتباطُ الحزب إستراتيجيا بحاضنة مجتمعية متمثلة في حركة التوحيد والإصلاح والتيار المجتمعي المرتبط بها.

إنَّ نقاط القوة بحاجة إلى تعزيز وتثمين، وتضييعها لن يؤدي فقط إلى تحولها عَواملَ ضُعْفٍ في الحزب؛ بل إنها ستتحول إلى عوامل فناء للحزب، كلما أضاع هذا الأخير وضوحه المنهجي وخطابه الصادق وثقافته المؤسساتية وارتباطه بالمجتمع.

غير أنَّ توفُّرَ الحزب على نقاط قوة لا يعني حصوله على درجة السلامة الحزبية، بل إنه يعاني من جهة أخرى من نقط ضعف مقلقة، نكتفي بالتوقف عند اثنتين منها :

- الأولى: ترتبط بضعف استيعاب الحزب لموجة الأعضاء الجدد الذين التحقوا بالحزب خاصة بعد سنة 2011، فقد شهد الحزب إقبالا كثيفا ومُطَّرِداً، لكن تعطيل وظيفة التكوين والتنشئة السياسية داخل الحزب جَعل البنية العضوية للحزب مهترئة ومفتقِدة للتأطير السياسي وغير متشبِّعة بالمشروع الإصلاحي للحزب.

- الثانية: التداخل الموجود بين المهام الانتدابية والحزبية لقيادات الحزب على المستوى المركزي الجهوي والمحلي، هل يعود هذا المشكل إلى قلة الكفاءات والأطر السياسية للحزب؟ إذا كان الوضع هكذا، فماذا أعَدَّ الحزب لتجاوز هذا الوضع؟ أم أنّ حجم الانتصار الانتخابي الذي حققه الحزب وما جَلَبَه مِن مواقع عمومية جديدة كانت أكبر من قدرة الحزب؟ أم أنّ هناك مشكلاً آخر مرتبط بقصور الأنظمة القانونية والمساطر التنظيمية عن تنظيم هذا التداخل الذي يؤثرا سلبا على المهام الانتدابية وعلى المهام الحزبية، ويجعل من الحزب مُلْحَقة لتدبير الشأن العام، وخاضعة لإكراهاته.

إنَّ استعراض هذه القضايا المقلقة هو محاولة للمساهمة الإيجابية في النقاش العمومي المثار حول الحزب، محاولة لا تدعي الإطلاقية بل هي وجهة نظر متواضعة تجاه حزب لا زال كثير من المغاربة يرون فيه أملا لتحقيق الإصلاح المنشود والانتقال نحول الديمقراطية، لكن الأزمة الأخيرة والتي يتوجه بها الحزب إلى مؤتمره الوطني السابع تستدعي منه فتح نقاش سياسي واسع، إنْ على المستوى الداخلي أو العمومي بغرض تحضير إجابة وافية وعرض سياسي في مستوى التطلعات والرهانات، ويؤهل الحزب لاستعادة المبادرة المنفلتة منه، لما لذلك من آثار وتداعيات يمكنها أن تعيد المغرب لموقع النموذج المشرق، في ظل محيط إقليمي ودولي موسوم بالتوتر والتردي والاستبداد. فهل سينجح المؤتمر في استعادة الحزب لعافيته ولياقته السياسية والتنظيمية؟ أم أنَّ التهديدات القائمة ستعتمل في النسق الحزبي لتجعل منه ذكرى من ذكريات السياسة المغربية ؟

… فلننتظر العاشر من دجنبر 2017م.

رشيد العدوني: عن موقع لكم في  23 / أكتوبر/ 2017.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق