أضيف في 20 أكتوبر 2017 الساعة 22:13

محنة مدرس


المصطفى سالمي

البشاشة والبسمة طبعه، والنكتة في غير استهتار مسلكه.. كان هذا ديدنه وحاله طوال مراحل حياته الدراسية إلى أن وصل إلى السلك الجامعي، وقد انعكس ذلك على ملامح صاحبنا (سليمان) الذي كان قصير القامة، معتدل الجسم، منبسط الأسارير، محبا للطبيعة والجمال في الوجود. وقد اختار له القدر أن يصبح مدرسا، هكذا استهل (سليمان) تجربته ـ في عالم شديد التعقيد ـ على وقع نصائح زملائه ومرشديه التربويين بالتزام الصرامة والجدية، وخصوصا وهم يعرفون قهقهاته الرنانة وضحكاته الصاخبة التي لا تتوقف، فالأجيال الصاعدة ـ بالنسبة لهؤلاء الناصحين ـ إذا رأت مجرد الابتسامة من المعلم فذاك عنوان التراخي ومؤشر على أن العام الدراسي وما سيتلوه من أعوام سيكون حارقا تتكسر فيه جدران الهيبة والاحترام بين المدرس والمتعلم، وسيكون شعاره استعلاء المتعلمين وطغيانهم...

كان هذا التوجه الجاد يتعارض مع طبع (سليمان) الضاحك اللاهي، ولكن لا بأس، إن هو إلا قناع مؤقت سيرتديه بين جدران الفصل الدراسي، وسينزعه خارج أسوار المؤسسة، فيعود إلى طبعه الأصلي، والطبع يغلب التطبع كما يقال..

تمر الأشهر طويلة متمددة وصاحبنا يغالب أصوله، ولكن الطبع غلاب كما يقولون، إذ ها هي التجربة تكشف له عن مفاجآت ومستجدات لم تكن في الحسبان، لقد بدأت العصبية تهاجم صاحبنا من حيث لم يدر ومن حيث لم يحسب لها حسابا، فهذه أجوبة أو استفسارات بليدة، وهذا تلميذ يستفز ذاك، وتلك تشتكي الأخرى، واكتظاظ وأخطاء تزداد فداحة، وزملاء متجهمون، وإداريون من مستحتات الأزمنة السحيقة، ومشرفون متسلطون استعلائيون، ومجتمع يترصد أقل هفوة من المعلم، وإعلام متحفز لتلقف هذه الزلة لتضخيمها وزيادة الضغوط على فئة المدرسين كأنهم رأس البلاء، في مهنة تتطلب صبر الأنبياء، وتقوى الأتقياء، وعون رب السماء، وإلا كان صاحبها أشقى الأشقياء، خاصة إذا كان ينتمي لبلد يهزأ ناسه بالعلم والعلماء..

هكذا بدأت الابتسامة الصافية والضحكة المجلجلة عند (سليمان) تتوارى خلف زوايا النسيان، وما عاد صاحبنا يعتقد في مقولته القديمة: (الطبع يغلب التطبع)، بل أصبح يؤمن بشعار: (التطبع طبيعة ثانية للإنسان)، أجل إنها طبيعة جديدة شبه أصلية (لسليمان)، لقد أصبح الأخير متجهم الوجه، كالح الملامح، مستعدا لخوض معركة مع المجهول، مع الجدران ومع حذائه إن لزم الأمر.. غابت النكتة تماما، بل لقد أصبح (سليمان) أكبر نكتة بالنسبة لمعارفه، خاصة ومجتمعه لا ينفك يؤلف قصصا وحكايات عن المدرسين، المضمون المزيف فيها أكثر من الحقيقي. هكذا إذن ذابت البهجة البريئة في حياة (سليمان) بين أوراق التلاميذ ودفاترهم وأخطائهم واستفزازاتهم، تبدد رصيده البسّام الضاحك على عتبات مهنته. كان الرجل يستغرب حاله كيف أنه بكل رصيده من السخرية والضحك يصبح متبرما كئيبا..! ترى كيف سيكون المآل لو كان عبوسا بطبيعته قبل أن يقبل على هذه المهنة؟ هل تراه تحول إلى جِدّي وهذه خطيئته؟ إن الجدية في عالم التدريس احتراق، إنها تضحية لا تجد من يبكي عليها، فهل كان ضحك الماضي المجلجل مجرد بكاء على المآل والمصير من حيث لم يدر ولم يشعر؟ أم أنه المقصود بقول الشاعر:

لا تحسبن أن ضحكي كان من طرب # فالطير يرقص مذبوحا من الألم

الاختلاف أن ضحكه وسخريته متقدمان على ترنحه المأساوي الآني على مسلخ مهنة المتاعب، هذه هي مشاعر (سليمان) الداخلية، لكن الذي لم ينتبه له صاحبنا هو حجم الانقباض الخارجي وفداحته، لقد أصبح ما ظنه صاحبنا قناعا للصرامة جزءا من وجهه لن يكون بمقدوره أن يتخلص منه ويعود لوجهه الحقيقي الأصيل الضاحك المنبسط الأسارير، وها هو الوجه الجديد "المسخ" يصبح أشد تركيزا من أي وقت سابق: عينان جاحظتان، حاجبان كقوسين مستعدين لرمي النبال، وجنتان ذابلتان مرتخيتان، ذقن متجعد، جبهة عريضة لتساقط ما تبقى من شعر الناصية، أذنان حادتان كأنهما جهاز لاسلكي لاقط، أنف محدودب كالمفك.. ترى هل يعرف صاحبنا شكله، أم أن خياله يزيف ما يراه أمام المرآة؟ هذا إن كان للرجل المدعو (سليمان) قوة تبصر لإدراك فداحة المآل.

تمر السنون ويصبح (سليمان) لا يتكلم إلا نصحا تافها، حاشرا أنفه في كل موضوع، فهو الفهيم الناصح الخبير بشؤون الدين والدنيا، إنه يبدو أضحوكة الزمان وكل زمان، وما عاد (سليمان) يحتاج أن يستعمل نكاته وقفشاته لإضحاك الآخرين كما كان يفعل في زمنه الموغل في القدم، إنه يضحكهم الآن دونما حاجة لكي ينبس ببنت الشفة.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق