أضيف في 17 أكتوبر 2017 الساعة 09:17

رسالة الكولونيل


نورالدين البودلالي

أفتح صفحة.. أشرع بعيني محدقا أماما.. أتركها تنكص كالمكبوت إلى زمن القهقرة.

تحضرني الأيام التي كنا فيها نتبادل الرسائل المنسوخة على الورق بخط أيادينا. كنا نهيئ قلما وورقة. يعلق البعض: الزمن الجميل.. البعض الآخر: يعقل على زمن الفيل !!!

1- في البدء كان الوالد(ة) يحضرنا، يلتصق بنا، يفتي علينا، ونحن صغارا، الرسالة بكل ما يستطيع للتعبير سبيلا. ويعقب: "هذي ما عرفت تكتبها"؛ لكنك كنت تجده متحمسا أكثر من اللازم، فتجعل يدك مستعدة لصد كل صفعة تهز جسدك الصغير أمام نفيره غير المبرر. "لو قراني أبي ما انتظرتك"، يصرخ في ثقب أذنك. رجة داخلك تصّعَد بك إلى السماء، فأنت القاري وأنت الكاتب. كل أهلك وأقاربك بالمناسبات أو بدونها يبادلنكم التهاني والأخبار كلها بكتابة كلمة مهما طالت فهي غير موفية حق مشاعرهم. وأنت القاري وأنت الكاتب. ولم تدر كيف بدأت تكره الرد، وأصلا وصول الرسائل، لتراجيديا فتْيِ الأب للجواب: "وقل له...".

2- زمن آخر. تتلهف انتظارا لرسالة من عناوين محدودة. الظرف الذي باسمك هو لك، وحدك. لكن وأنت تتسخر، يحدث المنذور: تفتح أمك الرسالة التي لك، في اعتقادها هي لها أيضا ما دامت من معلوم، لذا دفعتها لأختك.. فضتها.. فضحت سرها.. انكشف منغلقك. غضبت.. غضبت عن أول يوم درجت فيه "تلك" إلى المدرسة.. تنبهر أمك والحضور لغضبك.. هي الغاضبة حصرا، ما بالك أنت؟ كل ما باسمك هو أيضا لأهلك وما لأهلك ليس لك. وتغلق عليك غرفتك.. إلى الأبد، لا رجعة.

3- زمن آخر. كنا نتجسم فيه عناء الجلوس إلى أنفسنا، نسائل المفترض جلوسه أمامنا، عن أشياء توحد وجودنا. كانت الحاجة أشد: غربة داخل الوطن حيث حدود بصرك جبال ليس لك بها عهد. جبال أخرى دشنتها لسندك: تقرأ، تكتب ترجمة، تكتب رسالة ذات نكهة صديق قاص أو أستاذ مرب، أو دكتور سيكولوجي، وطبعا أخرى للتطمين. ثم تستحضر فترات الانتظار، انتظار الجواب الذي قد يطول أو يقصر زمنه، حسب الحالة النفسية، أو حالات مكاتب البريد، أو حتى متى أفول الأمطار: فأنت ال"حرتوك" الضال على خريطة الوطن.

4- زمن عابر. سيل جارف من الرسائل، تتلاحق سريعة، قصيرة، حتى دون «الحمد لله»: مكتوبة.. مصورة.. مسجلة. لا ننتظرها.. هي تنتظر دورها. للرد لا نترقب الفتي.. هي مهيأة معدة، كالأكلات السريعة، للإرسال. لا نبذل لزركشة التعبير الأفضل.. هي مكتوبة بكل الأساليب والتقنيات. حتى الأخطاء مسموح بها، فالمهم أن تفهم المرسل. شرّع سماحتك.. استقبل.. استهلك حتى دون هضم، ولا تحصرها عندك. ريباخا.. ريباخا: الإيمان والكفر.. الدين والعلم.. الأخلاق والمجون.. الجد والهزل.. الطب والرقية الشرعية.. التغذية والصيام.. يأتي الكل تباعا دفعة واحدة. لكن لا تحصرها عندك، ذاك شرط الاستعمال، انشرها ولك أجرها. إنك قاري وفاهم، لأنك حامل هاتف. اترك بابك ترك بابك مشرعا لتدخل كل الرياح، لا يهمك مصدرها فالعالم سيان. ترى ما الآتي؟

نهاية: Pas de lettre pour le colonel

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق