أضيف في 16 أكتوبر 2017 الساعة 21:23

زمن العطش


المصطفى سالمي

بدت بلدة (صاغور) شاحبة كالحة، أهلها وجوههم مسودة كأنما عليهم غبرة الموت، يتحركون متثاقلي الخطوات على غير عادتهم، وهم المشهورون بالخفة والرشاقة أثناء تسلقهم النخل لجني تمور اشتهرت بالأجود في البلاد، أو وهم يرافقون وفود السياح القادمين إلى واحات البلدة لينعموا بالدفء والحرارة، كان خريف (صاغور) هو بمثابة صيف بالنسبة لباقي البلدات لأنه موسم جني المحاصيل، لكن هذا الموسم مختلف تماما عن باقي المواسم، فريح أشبه بالسموم لا تريد التوقف عن الهبوب، مما أدى إلى جفاف معظم الينابيع التي غار ماؤها، فاستبد العطش بالبلدة الصغيرة، وحتى ماء الصنابير المرتبطة بالشبكة الوطنية أصبح متقطعا لشدة الضغط عليه وضعف صبيبه، وبدأ الاعتماد على الآبار البعيدة حيث غدت شاحنات محملة بصهاريج ضخمة تجوب المنطقة طولا وعرضا، ناقلة مياه الشرب والاستعمالات المختلفة لبلدة حلت بها لعنة مجهولة المصدر، وما عاد من حديث عند الناس إلا هذا الموضوع متناسين الجوع ونقص الغلات والغلاء المستفحل، وامتد اللهب إلى النفوس التي أصبحت متعبة قلقة، بينما ثار ـ ولأول مرة ـ شباب البلدة وحتى صغارها على وضعهم، وبدأوا يجوبون الأحياء المتربة المقفرة حاملين أواني الماء مختلفة الأحجام، يحدثون عليها قرعا عنيفا، مع أن أهل المنطقة مشهود لهم بالصبر والتحمل، لكن بلدة (صاغور) ما عادت تتحمل المزيد، لقد كانت الكهرباء منذ أسابيع خلت تتقطع لساعات قبل أن تعاود حالتها، وكان تأثير ذلك كبيرا على لحوم عيد الأضحى التي تسللت إليها رائحة التلف، بينما سارع أغلب الناس إلى تحويل لحومهم إلى قديد مستغلين الحرارة الشديدة، واليوم كيف يتصرفون وقد أصاب التلف أجسادهم هم أنفسهم، ولم يتبق إلا أن يتحولوا إلى ما يشبه القديد، وها هي وجوههم يابسة متجعدة مسودة لا تختلف عن أضلاع القديد. لقد زاد من سخط الناس غياب الطرق الكبرى التي تفك عنهم العزلة، وتيسر وصول السلع إليهم في أقرب وقت ممكن، إن هي إلا طريق واحدة متآكلة تعود إلى أيام الاستعمار الخوالي، زمن لا يتردد بعضهم في الحنين إليه كونه أرحم بهم من بعض بني جلدتهم.

كان (الهاشمي) وهو من وجهاء البلدة لا يتوقف عن مساءلة ابن عمه (حميد) المتواجد بالعاصمة عن ردود فعل المسؤولين إزاء أزمات البلدة، وهل من حلول قريبة للوضع الحاد بها، لكن الأخير كان يكتفي بأن يطمئنه بأن الأمور ستتحسن في القريب العاجل، لقد كان (حميد) يشتغل مسؤولا تقنيا في سقي ملاعب الغولف بالعاصمة الإدارية للبلاد، مساحات خضراء شاسعة ترشها مضخات لا تتوقف لحظة عن سقيها بمياه سدود وطنية شيدت في عهود الاستقلال، ويراد لها أن تحول البلاد إلى بقعة خضراء، لكن (الهاشمي) يستغرب كيف أن بلدته تئن تحت العطش الحاد وكأنما هي مستثناة من أغنية المطرب المشرقي حين شدا ذات يوم: ( الماء والخضرة والوجه الحسن...)، فهل بلاده ليست جزءا من الخريطة الجغرافية لهذه الأرض السعيدة؟! إلا أن (حميدا) لم يكن يتردد في التأكيد لابن عمه أن هناك مشروعا لتحويل مياه الأنهار التي تصب في المحيط نحو المناطق الصحراوية عوض إهدارها في البحر، لكن (الهاشمي) ملّ مثل هذا الكلام وما عاد يصدقه، هل ينبغي أن يفنى الصغار والشيوخ، وتموت قطعان الماعز والإبل قبل أن تخرج المشاريع العملاقة إلى الوجود؟! هذا إن صحت أصلا هذه المشاريع ولم تكن مجرد (فنكوش) بلغة إخواننا المصريين..

كان (حميد) حائرا تائها بين انتمائه إلى بلدة (صاغور)، وبين وضعه الصعب بعيدا عن أزمات البلدة، حيث اتهامات لا يستبعدها من مقربيه بأنه نسي جذوره، وأنه لم يفعل شيئا لهم، وكأنما يظنونه وزيرا أو برلمانيا، إن هي إلا وظيفة صغيرة يتلقى عنها أجرا قد يخالونه شيئا عظيما بالنظر لوضعهم البئيس الكئيب في بلدة شحت خيراتها فجأة. وها هو الوضع يزداد تأزما ويتعالى الغضب الشعبي لبدة (صاغور)، مما جعل رؤساء (حميد) في العمل ينظرون إليه أنه ينتمي لبلدة أهل الفتن والتمرد، أو هكذا توهم الرجل، خاصة وأن وسائل الإعلام الأجنبية بدأت تتحدث عن الموضوع في نشراتها الإخبارية، مما كان يحرج المسؤولين الكبار في العاصمة. كان (حميد) في بعض الأحيان يتخيل لو أن هذه الهكتارات التي لا يحدها البصر من مساحات العشب الأخضر، والتي تُقذف فيها كرة الغولف البيضاء الصغيرة، وتضرب بعصا معقوفة لعشرات الأمتار تحولت إلى أراض فلاحية، وقد زرعت بالخضر والغلات النافعة، أو خصصت للرعي، وماؤها وبركها وأحواضها لسقي الأغنام ولحرث مفيد، ويعود الرجل ليسأل ذاته:

ـ هل تراه أصبح من أهل الفتن والملل والنحل كما يردد أهل الحل والعقد هنا في العاصمة؟!

لقد أصبح (حميد) يحس بالحرج الشديد كلما تلقى اتصالا من أقاربه في البلدة، إنه بين المطرقة والسندان، هو لا يستطيع الانسلاخ من جلد الانتماء، كما لا يمكنه التنكر لعمله الذي يعيل به أسرته، كما أن أبناء بلدته ومقربيه إن حلوا بالعاصمة يجدونه دائما في استقبالهم، يكرمهم ويساعدهم في الحصول على أية وثيقة إدارية يطلبونها. لكن كيف يفهمهم أن أزمتهم الآن أكبر من أن يكون قادرا على حلها، حتى المنتخبون من أبناء المنطقة تواروا عن الأنظار لتحل القبضة الأمنية التي أرعبت الساكنة، وجعلتها تنكمش على ذاتها ومعاناتها، وإن كان الجمر خامدا، فغشاوة الرماد تخفي سعيرا ينتظر هبّة ريح لتكشف عن الشرر واللهب، لكن نسائم الألطاف الإلهية استبقت كل شيء، فهبت دافعة سحبا داكنة انهمرت بردا وسلاما، واستمرت الزخات شديدة تلطم الأرض بعنفوان وجبروت مدة أسبوع كامل دون توقف، حتى سُمعت الأذكار والأدعية في مساجد البلدة تلتمس اللطف والرحمة، وتنفس (حميد) الصعداء أكثر من غيره، فقد كان مأزقه أكبر من مأزق المسؤولين في العاصمة، لكن الأهم أن النفوس هدأت ولو إلى حين..!

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق