أضيف في 16 أكتوبر 2017 الساعة 10:28

بروقراطية فيبر في الوحل


رشيد اليملولي

بروقراطية فيبر في الوحل .

إن الأزمة في المغرب قبل أن تكون أزمة بينة و مؤسسات ، هي في المقام الأول أزمة مفهوم و أزمة ذهينة ، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتشخيص مظاهرها حتى نستطيع أن نتبين ملامحها و سماتها ، إذ هي بادية للعيان في كل خطاب أو إشارة أو إيماءة تصدر من رمز رسمي أو مسؤول كيف ما كانت طبيعته ـ مع الاستثناء ـ طبعا ، و لعل حادث نشر لوائح الأساتذة المتغيبين خير معبر عن هذه الأزمة في اللحظة الحالية .

الظاهر أن الرسالة المزمع تبليغها هي إضفاء طابع الشفافية ، و محاصرة السلوك غير التربوي لبعض المتغيبين بالإجراءات القانونية المتبعة على المستوى الإداري ، و لكن هذه الصيغة و الصبغة ذات القدرة القانونية العالية ، محكومة بفلسفة رمزية عقابية مفادها تسويق صورة سلبية عن المعلم و الأستاذ المتغيب باعتباره المسؤول عن تردي التعليم ، من خلال استهتاره بقيم الالتزام ، سواء كان ذلك بسبب مقنع أو غير مقنع ، إذن الرسالة تنفث سما زعافا في ثناياها ، و تعلن للجميع أن قميص يوسف لا يرقى إليه الشك ، الجريمة ثابتة و مقدماتها النظرية و العملية أما مرأى و مسمع من العالم سواء أكان أزرقا أو مكتوبا أو إعلاميا بمختلف تلاوينه .

طبعا المسطرة " القانونية " التشهيرية الراصدة لتغيبات الأساتذة ، لا تنفصل عن سلسلة إجراءات الهدف منها تحويل قطاع التعليم و التربية و التكوين ، إلى مجال لممارسة الشذوذ و الاستثناء فس القوة الاقتراحية ، من خلال تنامي التهاوي و التضعضع في الإجراءات التي من شأنها خدمة التعليم و التربية ، عوض اقتراح تصورات هي في المحصلة النهائية تدابير شخصية تفتقر في الحال و الآل إلى رؤية عميقة ، من شأنها التقليل من حجم الكارثة ، حتى لا نقول القضاء عليها ، و يبدو في هذا السياق أن المسؤولية السياسية و الإدارية و القانونية للوصي على القطاع ، لم تستطع بإيعاز من من الرؤية العامة للتربية و التكوين ، أن تتجاوز شخصيات تقف على رأس الوزارة ، و هي لا تعلم حقيقة المسؤولية الملقاة على عاتقها ، و لا أدل على ذلك من التصرفات و الإجراءات المتسرعة و الأخطاء التربوية و الأخلاقية ، التي تمتح من المعين الشخصي للمسؤول الوزاري ، و ليس من التراكم الذي تحقق في المجال ؛ منذ الوزير الوفا و شطحاته الفرجوية ، و مرورا بالوزير بلمختار و سريالته البعيدة عن الواقع ، ووصولا إلى وزير العقلية الأمنية و التدبير الأهوج ، وكأن الأمر يتعلق بتواطؤ مؤسس له سواء من طرف الفرقاء السياسيين و الاجتماعيين في إقبار هذا القطاع ، و تحويله إلى مجال لتفريخ العوز و الإعاقة .

الثابت الثاني في هذه البيروقراطية المرتجلة ، ضمور القوى الحية و الفعاليات النقابية و السياسية في المتابعة و الرصد ، و الوقوف عند كل المحاولات الساعية إلى تلغيم قطاع التربية و التكوين ، و جعله رافدا تابعا للمؤسسة الأمنية ، التي ترفض رفضا باتا المقاطعة و الاحتجاج و المشاكسة ، بهدف تقديم المعرفة النضالية ، عوض الركون إلى القاعدة و المسلمة القائلة لا يفتى و مالك في المدينة ، و حتى لا ندخل في سياقات تخدم ثقافة المؤامرة ، نقول أن الفاعل السياسي و النقابي أضحى في وضع يند عن الوصف ، بفعل انتكاساته المتوالية التي عرت عن منطقه الايديولوجي ، و ذلك لدعم الطبقة الوسطى ، و تمكينها من مقومات استمرارها ، باعتبارها طبقة منتجة للمعنى بالدلالة السياسية و الاجتماعية ، و أقصى ما يمكن أن يحصل في هذه الحالة ، تركيع هذه الطبقة و تقديم الذات و البيعة لكل معاني الصيغ الأمنية ، و في هذا تصبح مقولة الشيخ محمد عبده :" أعوذ بالله من ساس يسوس سياسة ، مرجعية دالة لهذا النزوع الأمني لدرجة قد تتحول في قادم الأيام إلى خطب في منابر الجمعة ، و في المذكرات الوزارية ، و الأدهى التنصيص عليها دستوريا في أي إصلاح قادم ، الحاجة ماسة إلى استنهاض همم السياسي و النقابي ، بغرض التصدي للفاعل الأمني ـ السلطوي بالمعنى الفوكوي ، و تخليص التربية و التعليم من شيطنة الفاعل الفكري و الفلسفي و الخاص بالعلوم الإنسانية ، ضد السلطة الأمنية اليمينية الكابحة لكل تغيير ذهني و المؤمن بالخطوط الحمراء يستوي في ذلك اليساري و العلماني و الإخواني و رجل السلطة و الوسطي و السلفي و المعتدل و هلم جرا .

الثابت الثالث أن مذكرة الغياب انتقائية ، و منها تصدر ورائح العدوانية و التشهير ، حيث تقفز على كل الغيابات الخاصة بالقطاع في المسؤولية المالية و التنظيمية ، و الأخطر من ذلك السكوت عن كل الملفات التي أعدها المجلس الأعلى للحسابات في شتى القطاعات ، و منها المخطط الاستعجالي و قضايا التموين و رخص البناء ، و لا حاجة هنا للتذكير بالملفات الكبرى الخاصة بقالع الرمال و الريع و المأذونيات ، التي ضلعت فيها العديد من الشخصيات ، و في مجمل القطاعات السيادية منها و غير السيادية .

الثابت الرابع و هو المتعلق بأزمة القيم المرتبطة بأزمة المفهوم و التمثل ، و من هنا البيروقراطية الفيبرية التي يتم تشنيف مسامعنا بها كل يوم من قبيل ربط المسؤولية بالمحاسبة و الشفافية و القانون ، لا تحمل إلا أنقاضها و نعش جنازتها ، حيث ترفل في سياقات لا تخدم إلا العبث بصيغة التنظيم ، و استبطان ثقافة المؤامرة التي يجني الوطن ثمارها المرة على المستوى التنموي ، و الإسهام بقدر معين في بناء الحضارة الإنسانية ، لذلك الشفافية و إعمال القانون ، يقتضي أولا التسلح به في القضايا الجوهرية ، قضايا التنمية بمفهومها الشامل و ترسيخ نظام قيم يمجد العمل ، و يرسخ مبدأ الكفاءة ، يبني صرح العلم و التكنولوجيا عوض الاهتمام بأشكال " إدارية ـ قانوينة " تبطن من الإهانة و التشهير ألوانا شتى ، و لا تدخر جهدا في تقزيم و تحقير كل عمل بناء ، و إن كان ظاهر قولها يشي بغير ذلك ، أما أن نروم القفز و البحث عن موطئ قدم في سلم الحضارة و الإنسانية الفعالة و أقدامنا في الوحل ، فذلك يعني قسرا أن السقوط المميت حتمي لا محالة .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :