أضيف في 15 أكتوبر 2017 الساعة 22:37

نشر لوائح الأساتذة المتغيبين, الخلفيات والدوافع


نورالدين الطويليع

أقدمت وزارة التربية الوطنية على نشر لائحة من سمتهم "الأساتذة المتغيبين", دون أن تمنح المواطن المغربي أي معطيات تخص هؤلاء, وعما إن كانوا جميعا قد تغيبوا بدون عذر, أو بعذر, أو من كان منهم ساعة غيابه مريضا, أو مستفيدا من رخصة إدارية, لتتلقف بعض المواقع الإلكترونية والصفحات الفيسبوكية الخبر, وتنقض عليه انقضاضا, وتضع له بنودا عريضة سحلت من خلالها رجال القسم ونساءه سحلا بحبل كلمات استقتها من معجم السب والقدح والتنقيص والتحجيم.

تأتي هذه الخطوة في إطار الوفاء لنهج دأب عليه الوافدون على وزارة باب الرواح, يتمثل في إلقاء قميص التربية والتعليم المهلهل على الأطر التعليمية, وتحميلهم مسؤولية تمزيقه, فمن اتهامهم بغياب الكفاءة والنقص العلمي, إلى رميهم بحجارة من سجيل التهاون والتقاعس عن أداء الواجب, إلى التباكي على إتيانهم على أخضر مالية الدولة ويابسها, وهلم اتهامات قد نعد منها ولا نعدها.

واقعة "لائحة المتغيبين" تتجلى طرافتها من خلال هذا الوصف الفضفاض الذي لعب أصحابه على حبل مصطلح له رمزيته القدحية في المخيال الشعبي المغربي, بما يفيد الإصرار والتحدي والرغبة الجامحة في ترك العمل, والتخلف عن الحضور, وهو ما يتساوق مع رغبة ملحة في بسط فكرة عدم انضباط الأساتذة في عقول المغاربة, لاسيما وأن الصيغة الصرفية "متغيب" التي هي اسم فاعل مشتق من فعل المطاوعة"تغيب" الذي هو على وزن "تفعل" لها دلالة إصرارية تمتح معناها من هذا الفعل الإنجازي, بما يفيد مطاوعة هذه الفئة أهواءها في الغياب, ومجاراة أنفسها الأمارة بالغياب, والاستجابة لوساوسها بالتغيب, وهذه دلالات غاية في السلبية تؤكدها أفعال هذه الصيغة من قبيل: تعمد - تستر - تحين.., وكأن مرسل الخطاب قد ضاق ذرعا بهؤلاء, واختار اللجوء إلى الرأي العام ليشهد الداني والقاصي على تحين هذه الفئة الفرص للغياب وترك الفصول الدراسية خاوية على عروشها, وليظهر براءته من "ضلالتها", فالخبر ليس بريئا, ولا يمكن أن يكون كذلك, بل تقف وراءه خلفية مبطنة يتغيا أصحابها من ورائها تأكيد الصورة المهزوزة والمهتزة لرجل التعليم في أذهان المواطنين, وتشذيب أغصان عدم الثقة فيه التي دشنتها قنوات رسمية اتهمته بالانحراف تارة, وبالحمق تارة أخرى, حتى تحول إلى مثل تتداوله الألسنة "أحمق من معلم", كما جعلت منه بطلا لنكت وأحاجي صيرته أيقونة لسخرية لاذعة تبعث على استفراغ النفوس من الضحك, وهي تستمع إلى طرافة الفعل والتصرف.

هذا من جهة, ومن جهة أخرى, فمرسل الخطاب, وهو يهدم أساس المنظومة وزاويتها ببراعة ناذرة, وإتقان قل نظيره, تحذوه كذلك رغبة حثيثة في تحسيس هذه الفئة بالإهانة البليغة, أو بالأحرى, الوصول بالإهانة إلى قمة السفح, بعد أن ملأ الطريق أمامه بالأشواك من خلال واقع تربوي شاذ أرغمه على التعايش معه ومجاراته, وأغلق في وجهه كل أبواب الأمل في غد تعليمي أفضل, واضعا رهن إشارته فرصة إنقاذ نفسه بالارتماء إلى الخارج, والهروب من سعير الداخل عن طريق نوافذ استغاثة التقاعد النسبي,لأن الواقع الجديد لم يعد يطاق, أو يتحمل وجوده, ولأن موسم الهجرة الثالثة نحو التعاقد على الأبواب, بعد أن لقيت نسختاه الأولى والثانية نجاحا باهرا, تمثل في مروره بصمت, دون أن يجد عقبات احتجاج أو اعتراض على سيرورته, ولذلك لا غرابة في صدور اللائحة تزامنا مع صدور مذكرة التقاعد النسبي, بما يفيد رغبة ثاوية في رفع هرمون الأدرينالين في دماء الفئة التي تقدم بها العمر, ورفع مؤشرات سخطها وغضبها لتعلن انسحابها وتترك المكان بدون ضوضاء, ودون أن تحدث نفسها بإمكانية الاستفادة من الرخص الطبية بين الفينة والأخرى, إذا ما داهمها الإرهاق والتعب, وهي التي نخرتها الأمراض السيكوماتية نخرا, واستوطنت أجسادها الواهنة استيطانا, ولعل رقم اثني عشر ألفا الذي بلغه عدد طالبي الاستفادة من التقاعد النسبي يؤشر على أن الرسالة وصلت, وأن سيل الإهانة بلغ بالفئة المستهدفة (بفتح الدال) الزبى, وكأسها امتلأ عن الآخر حتى فاض.

في ظل هذه الوضعية, وفي ظل توفر كل شروط اللا استقرار النفسي, وأمام روزنامة فوهات المدافع المصوبة تجاه رجل القسم, يبدو ألا مناص لهذا الأخير من رفع الراية البيضاء, والانسحاب من أرض منظومة أنبتت من كل زوج هجين, وما عادت تنتج غير إفلاسها, و صرت تسمع لمن ألقوا فيها شهيقا وزفيرا, حتى إذا أخرجوا أنفسهم منها, أراحوا واستراحوا, وكفوا القائمين على أمر التربية والتعليم أمرهم كفئة تحولت إلى عبء ثقيل, ينوؤون بحملها, ويستعجلون فرصة رميها من على ظهورهم, والاستعاضة عنها بالصيغة الأخف والأقل جهدا وإنفاقا, والأكثر تقييدا بالقوانين الجديدة, والأسهل تخلصا منها وفق قانون "كل ما من شأنه".

أخيرا, وما دام أن الوزارة اختارت نهج ما سمته الشفافية, وهي تعرض لائحة المتغيبين من الأساتذة, رغم ما في ذلك من تعميم للمفهوم, ونأي عن الحصر والتقييد, نرجو أن يعمم القائمون عليها هذه التجربة, فينشروا نتائج تحقيقات قضاة المجلس الأعلى حول اختلاسات أموال البرنامج الاستعجالي, وأسماء المتورطين فيها, وأن يطلعوا الرأي العام على حقيقة الاتهام بوجود عصابة في صلب دواليبها, والذي أطلق في مؤسسة تشريعية, ويفترض ألا يمر في صمت مطبق.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق