أضيف في 15 أكتوبر 2017 الساعة 12:36

''سيلفي'' و حوت القرش خلفي !!!


يونس بلخام

 

إنتشرت في الآونة الأخيرة صور و فيديوهات غزت مواقع التواصل الإجتماعي و أحدث جلبة إعلامية كبيرة ، هي صورٌ لمجموعة من الشباب اللذين عزموا أمرهم على الهجرة إلى ما وراء المتوسط جاعلين من قوارب خشبية مخصصة للصيد في الأساس وسيلتهم الوحيدة تحت شعار : "سيلفي و الروكا خلفي" مستبدلين الشعار القديم "ياكلني الحوت و ما ياكلنيش الدود" !

 

إنها "الحرڨة" في عام 2017 ، هجرةُ عائلاتٍ بأكملها بدءا من الأم و الوالد إلى الأجنة في بطون أمهاتها ، هذا ما أظهره فيديو مؤثر على منصات التواصل الإجتماعي لأمٍ جزائرية حامل على قارب في وسط البحر الأبيض رفقة أبنائها كأكبر صورة قد يبلغها التفسخ الإجتماعي في بلدنا الجزائر و هول الشرخ الذي طال الروابط الإجتماعية المختلفة بدءا من الفرد مع ذاته إلى أسرته و بالتالي المجتمع ككل ، لحد الآن لم أهضم تلك الصور بعد و لهول ما رأيته إعتقدت لوهلة أن ذلك الفيديو قد يكون مفبركا بطريقة أو بأخرى و يا ليته كان كذلك ! ، لعلّ عدم تصديقي لما رأيته هو تحكيمي للعاطفة الإنسانية في لحظة من اللحظات و لكن بعد أن فكرتُ مليا و وجّهت تفكيري بمنطقية للوضع الإجتماعي الخاص بأغلب الأسر و العائلات الجزائرية زالت عنّي حالة التكذيب و عدم التصديق التي اعترتني مسبقا ، يبقى السؤال الحقيقي الذي وجب على كل فرد صياغة إجابة عاجلة له ، و أصرّ على أن يجيب عليه كل فرد إنطلاقا من الطفل ذي العشر سنوات إلى الشيخ الكبير ، من الأمّي إلى النخبوي و الأكاديمي ، يجب تحكيم العقول صغيرها و كبيرها ، غزيرها و فقيرها و تجنيد كل الفئات المجتمعية و المستويات المعرفية للإجابة عنه : هل صار قارب الصيد الخشبي أرحب و أوسع من وطن تبلغ مساحته أكثر من مليوني كلم مربع ؟ ، هل أصبح سيلفي مع الموت المحقق وسط البحر أجمل و أمتع من سيلفي مع تراب الجزائر و جمال الجزائر ؟ ، هل أصبحت الجزائر أرضا تُعدم فيها الطموحات و الآمال لغد أفضل؟

 

لا شك في أنّ الجزائر بأرضها لا تتحمل مسؤولية ما فعله بعض من أبنائها بلجوئهم إلى قوارب الموت شبه المؤكد و لو لا أنّ الأمر بلغ بهم ما لا تطيقه أعصابهم لما وطأت أقدامهم عرض القارب و هم يعلمون حق اليقين أن نسبة أن تطأ أقدامهم يابسة الضفة الأخرى من المتوسط هي نسبة ضئيلة إلا أنهم يتشبثون بها أيّما تشبث ، لولا أننا لسنا بجزائريين أمثالهم لجزمنا أن البلد الذي جاؤوا منه على متن قواربَ متقادمة هو بلد تنعدم فيها فرص الحياة ناهيك عن فرص العمل و غيرها من الأمور الضرورية للعيش الكريم !

 

لا يجب إطلاقا أن يُفهم من كلامنا أننا ندافع عن من اتخذ من الهجرة سبيلا للخلاص من مشاكله الإجتماعية كما لا يجب أن نظلمه بأحكام إعتباطية مجحفة في حقه ، هذا الشخص الذي اقتنع بفكرة "الحرڤة" هو حالة إجتماعية خاصة و يجب أن تُعنى بالإهتمام الشديد و أن يتم التعجيل بدراستها دراسة معمقة بعيدا عن التحليلات السابقة التي ما يفتؤ كثير من الأكادميين بطرحها متناسين أو متجاهلين أن أسباب هجرة شاب في عام 2006 ليست هي نفس أسباب هجرته في 2017 و أنّ تعاطي عائلته مع هجرته قد اختلف تماما لدرجة أن بعضا من الأمهات صرنّ يركبنّ مع أبنائهن قوارب الهجرة كما رأيناه في ذلك الفيديو و حتى في فيديوهات أخرى كثيرة لبلدان مغاربية مجاورة ليست بالبعيدة عن الجزائر من حيث الظروف المعيشية و لا حتى من طريقة العيش و التفكير.

 

ببساطة و من غير تعقيد للمسألة علينا أن نتجاوز حاجز التنظير الأكاديمي و ننتقل لمرحلة الواقع المعاش ، و لا يكون ذلك إلا على أرضية تسع الجميع و لا تعترف بالفروقات الإجتماعية و العلمية و المالية لننقذ ما يمكن إنقاضه في مجتمع أنهكته التغيرات الإجتماعية المتسارعة و التي تسببنا نحن بها بعشوائية تفكيرنا و تصرفاتنا و بُعدنا المتزايد عن ضوابط إجتماعية معينة تضمن لنا أكبر قدر من الإستقرار النفسي و الإجتماعي مع عدم إهمال الضوابط الأخرى التي لم نأتي على ذكرها ليس لعدم أهميتها و لكن بحكم ما يفلح فيه قلمنا المتواضع.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : يونس بلخام

طالب جامعي مالية و محاسبة   / سطيف , الجزائر


تعليقاتكم

1- كلمة حق

ياسين الفلسطيني

مشكور عندك موهبة في فن المقالات واصل

في 15 أكتوبر 2017 الساعة 28 : 19

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق