أضيف في 14 أكتوبر 2017 الساعة 19:42

الفردوس الأندلسى المفقود ومأساة المورسكيين


إبراهيم عوض

الفردوس الأندلسى المفقود ومأساة المورسكيين

د. إبراهيم عوض

الأندلس وحضارتها موضوع يستهوى الأقلام ويحظى بقدر كبير من التعاطف من قِبَل كثير ممن يكتبون فيه، وبعضهم من الغربيين أنفسهم. وكثيرا ما يشير إليه الكتاب العرب بعبارة "الفردوس الإسلامى المفقود". والحق أن الأندلس والإنجاز الحضارى للمسلمين فى ذلك القطر جدير بهذا الإعجاب وما فوق هذا الإعجاب. ومن الذين كتبوا فى ذلك الموضوع وأبْدَوْا انبهارا بذلك الإنجاز المستشرق البريطانى ستانلى لين بول، الذى وضع كتابا عن حضارة الإسلام فى الأندلس سماه: "The Story of the Moors in Spain"، وترجمه الشاعر على الجارم إلى لغة القرآن بعنوان "قصة العرب فى إسبانيا". وقد أشاد الجارم، فى مقدمته لتلك الترجمة، بروح الإنصاف التى يتصف بها ذلك المستشرق فى كلامه عن حكم المسلمين لشبه الجزيرة الأيبيرية. وها هى ذى بعض السطور التى تصور هذا الإنصاف وترينا كيف كان حكم أجدادنا لتلك البلاد، وكيف استطاعوا أن يجعلوا منها جنة من جنان المولى سبحانه فى أرضه، وهو ما يبعث على الألم والأسف والندم حين ينظر الإنسان حوله ويقارن بين وضعنا الحالى المزرى رغم كثرة الإمكانات التى أفاضها الله علينا، ذلك الوضع الذى يجعلنا فى مؤخرة الأمم فى الفاعلية والإبداع والعزة والكرامة، وبين أولئك الأجداد الذين خرجوا من جزيرتهم وهم يفتقرون إلى كل شىء من أدوات الحضارة ونظمها وأوضاعها، اللهم إلا شيئا واحدا فيه كل شىء لمن عنده قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ألا وهو القرآن:

"ملك المسلمون ثلثى شبه الجزيرة وسمَّوْها بــ"الأندلس"، وأنشأوا بها مملكة قرطبة العظيمة، التى كانت أعجوبة العصور الوسطى، والتى حملت وحدها فى الغرب شعلة الثقافة والمدنية مؤتلقة وهّاجة وقت أن كانت أوربا غارقة فى الجهالة البربرية فريسة للشقاق والحروب. ويجب ألا يجول ببال أحد أن العرب عاثوا فى البلاد أو خرّبوها بصنوف الإرهاق والظلم كما فعل قطعان المتوحشين قبلهم، فإن الأندلس لم تُحْكَم فى عهد من عهودها بسماحة وحكمة كما حُكِمَتْ فى عهد العرب الفاتحين. من أين جاء لهؤلاء العرب كل هذه المواهب السامية فى الإدارة والحكم؟ فقد جاؤوا مباشرة من صحرائهم العربية، ولم تترك لهم فتوحهم المتوالية من الزمن إلا قليلا لدراسة فنون سياسة الأمم المغلوبة. نعم إن بعض رجال دولتهم كانوا من اليونان والإسبان، ولكن هذا لا يبطل العجب لأن هؤلاء لو تُرِكوا وحدهم أو عملوا فى ميدان آخر بعيد عن العرب لعجزوا عن أن يكون لهم أمثال هذه النتائج الباهرة. وكل ما هُيِّئَ للعقول الإسبانية من القدرة الإدارية لم يكف لجعل الحياة أيام دولة القوط محتملة هانئة كما يمكن أن يرضى ويهنأ شعب مغلوب يحكمه غاصب، بل إنها كانت أسعد حالا وأرخى بالا مما كانت عليه حين كان حكامها القوط يدينون بدينها الذى تراءَوْا باسمه دون حقيقته، فإن اختلاف الدين كان فى الحق أقل المصاعب التى لاقاها العرب فى أول حكمهم، وإن أصبح بعد ذلك مثار عنت واضطراب لأن ميول الإسبانيين للمسيحية كانت لا تقل عن ميولهم للوثنية، فقد فرض عليهم قسطنطين المسيحية فرضا، فبقى الناس متشبثين برومانيتهم ولم يترك الدين فى نفوسهم إلا أثرا ضئيلا، وهم فى الواقع لم يكونوا فى حاجة إلى دين جديد، بل كانوا فى أشد الحاجة إلى القدرة على أن يعيشوا حياتهم فى أمن ورغد. وقد منحهم سادتهم المسلمون هذين"[1]. هذا ما قاله ستانلى لين بول فى بداية كتابه، وقد كرره مرة ثانية فى نهايته فقال تعقيبا على ما أنزله نصارى الإسبان بالمسلمين من مذابح وتهجير قسرى بعد انتصارهم فى غرناطة آخر معاقل المسلمين بشبه الجزيرة الأيبيرية: "لكن الإسبان لم يدركوا أنهم قتلوا الإوزة التى تبيض بيضة من ذهب فى كل يوم، فقد بقيت إسبانيا قرونا فى حكم العرب[2] وهى مركز المدنية، ومنبع الفنون والعلوم، ومثابة العلماء والطلاب، ومصباح الهداية والنور. ولم تصل أية مملكة فى أوربا إلى ما يقرب منها فى ثقافتها وحضارتها، ولم يبلغ عصرُ فرديناند وإيزابيلا القصيرُ المتلألئُ ولا إمبراطوريةُ شارل الخامس الأوجَ الذى بلغه المسلمون فى الأندلس. وقد بقيت حضارة العرب إلى حين بعد خروجهم من إسبانيا وضاءة لامعة، ولكن ضوءها كان يشبه ضوء القمر، الذى يستعير نوره من الشمس. ثم عقب ذلك كسوف بقيت بعده إسبانيا تتعثر فى الظلام. وإنا لنحس فضل العرب وعظم آثار مجدهم حينما نرى بإسبانيا الأراضى المهجورة القاحلة التى كانت فى أيام المسلمين جناتٍ تجرى من تحتها الأنهار تزدهر بما فيها من الكروم والزيتون وسنابل القمح الذهبية، وحينما نذكر تلك البلاد التى كانت فى عصور العرب تموج بالعلم والعلماء، وحينما نشعر بالركود العام بعد الرفعة والازدهار"[3]. كذلك يقف فيليب حِتِّى المستشرق اللبنانى المتأمرك فى كتابه: "The Arabs- A Short History" عند سقوط الأندلس وقفة خاصة تستثير الآلام الحادة وكأن هذا السقوط قد وقع بالأمس القريب لا قبل مئات السنين. والحق أننى كلما قرأت قصة الأندلس وكيف خرج منها الإسلام استولى علىَّ الذهول. لقد تمثلتْ فى هذه القصة كل عيوبنا، التى لم نتخلص منها بعد، فقد تناحر ملوك الطوائف فيما بينهم، وكان معظمهم يضع يده فى يد النصارى ضد إخوانهم المسلمين، وانصرف الحكام والشعوب إلى ملذاتهم مطمئنين لاهين لا يهتمون كثيرا بالخطر المتربص بهم. بل إن البيت الحاكم كثيرا ما انقسم على نفسه فى المرحلة الأخيرة من الوجود الإسلامى هناك، بينما يقف الأعداء فى مواجهتهم كتلة واحدة. كما أن الحكام المسلمين فى المشرق لم يهتموا بما يقع لإخوانهم فى الجنوب الغربى من أوربا، وتركوهم لمصيرهم التعس، ولم يبالوا بنكث حكام إسبانيا النصارى للمعاهدات التى عقدوها مع أولئك المسلمين ولا بالتنصير والتهجير الإجبارى لهم، وكأن ما يحدث لا يحدث لإخوان لهم مسلمين، أو كأنه يحدث فى الفضاء الخارجى بعيدا عن الأسماع والأبصار. ليس ذلك فحسب، بل إن المؤرخين والعلماء المسلمين، إلا القليلين جدا منهم وبإيجاز شديد لا يشفى غليلا، لم يتناولوا مأساة المسلمين الذين بَقُوا فى الأندلس بعد انتصار النصارى عليهم والقضاء على دولتهم[4]. ومن ثم اعتمد محمد عبد الله عنان وغيره ممن كتبوا عن تلك المأساة على ما سجله لنا الغربيون، والإسبان بنوع خاص، إلى جانب مخطوط واحد تقريبا تركه لنا أحد الموريسكيين ممن فر من إسبانيا قبيل القضاء النهائى على كل أثر للإسلام فى تلك المبلاد وكتب ما شاهده هناك. وهو أمر مثير للحيرة والغيظ[5]. ومن يقرأ المجلد الأخير من الموسوعة التى ألفها محمد عبد الله عنان عن تاريخ الأندلس يدرك أبعاد الكارثة تمام الإدراك. لقدعملت السلطات الإسبانية بعد سقوط غرناطة، التى كانت تمثل الصفحة الأخيرة من كتاب الإسلام فى الأندلس، على محو الإسلام والمسلمين محوا من تلك البلاد، واتخذت لذلك الغرض من الوسائل ما لا يخطر على بال الشيطان ذاته إجراما ووحشية وعنفا وقسوة وترويعا واغتصابا للأموال والممتلكات ومحاصرة وتجويعا وقسرا على تغيير الدين والهوية واللغة والثقافة والملبس والطعام وسحقا للعظام وحرقا لأجساد الأحياء. ومن بين الوسائل التى لجأت إليها السلطات الملكية والكنسية هَدْم الحمامات عنوان النظافة، تلك التى يعدها الإسلام شطرا من الإيمان، وكان شعارهم الذى رفعوه سببا لتدميرها أنها من تراث عصر الكفر[6]. يقصدون أن المسلمين كفار، وأن توحيدهم الخالص من كل شائبةٍ كفرٌ، وأن النظافة شعيرة من شعائر الكفر![7] ذلك أن الأوربيين لم يكونوا فى ذلك الوقت يعرفون للنظافة معنى[8]. فانظر كيف انقلب الحال، وصارت النظافة قيمة غريبة فى كثير من ديار المسلمين بالمخالفة الصريحة وغير المفهومة ولا المقبولة لأوامر دينهم، التى لا يمكن تأويلها لتتسع لهذا الانحراف، وهو ما سيكون الحساب عليه عسيرا أشد العسر يوم القيامة رغم تصور جموع المسلمين أنه أمر غير ذى بال، وكأن من السهل أن يدخل الجنة ويستمتع بما فيها من نظافة ونظام وجمال وراحة بال وسكينة وسعادة من كانت تصرفاتهم على النقيض من هذه المعانى الحضارية العظيمة! ومن الوسائل التى استخدمتها السلطات النصرانية فى إسبانيا أيضا للقضاء على الإسلام الطرد الجماعى من البلاد على أوسع نطاق. كما أحرقوا المصاحف والكتب بالأكوام فى الميادين العامة بالمدن فى احتفاليات بربرية حاشدة حتى لقد ذكر أقرب من كتب عن ذلك الموضوع من المؤرخين الإسبان أنفسهم أن المصاحف والكتب العربية والإسلامية التى أشعلت فيها النيران تخطت حاجز المليون بعدة آلاف[9]. وهكذا انتهى الإسلام فى الأندلس، ولم يعد هناك مسلمون بعدما كانوا يبلغون الملايين. ومع هذا نرى الدول الأوربية تتهم الإسلام بأنه دين الإرهاب والإقصاء، ويزعمون أنهم هم أصل التسامح والإنسانية وسعة الأفق![10] وهنا أحب التنبيه إلى خطإ من يظن أن الأندلسيين الذين اضْطُهِدوا من محاكم التفتيش وعُذِّبوا وقُتِلوا أو نُصِّروا بالقوة الجبرية أو طُرِدوا من البلاد ونُفُوا كانوا كلهم عربا أو كانت أغلبيتهم من العرب. لقد كانت أعداد العرب فى الأندلس بالآلاف[11]، بينما كان تعداد السكان بالملايين، وكان المسلمون يشكلون الأغلبية من هذه الملايين[12]. ولكى تتضح لك الأوضاع أذكر لك أن عدد سكان مملكة غرناطة وحدها فى أواخر حكم المسلمين هناك كان أربعة ملايين[13]. فكم كان عدد السكان فى شبه جزيرة أيبريا كلها؟ وماذا كانت نسبة العرب الأقحاح بينهم؟ وحين سقطت غرناطة فى يد فرناندو وإيزابيلا وصارت إسبانيا كلها تحت إمرتهم وصنعوا بالمسلمين الغرناطيين ما شاؤوا استداروا إلى أهل المدن الأخرى فخيروا من بقى منهم بين التنصر والخروج من البلاد يصحبهم الفقر والإهانة والتضييق والتصعيب، مما أدى إلى أن يقبل معظمهم التنصر. إذن فمعظم من نزل بهم العسف الصليبى إنما كانوا من أهل البلاد الأوربيين لا من العرب الفاتحين. ولم يفت واحدا كالدكتور فيليب حِتِّى أن يبرز هذه الحقيقة التى يجهلها أو يتجاهلها كثير من الناس، ألا وهى أن معظم المورسكيين، أى مسلمى تلك البلاد، هم إسبان لا عرب. ولهذا كان القساوسة الذين يقومون بتنصيرهم يذكّرونهم بأن آباءهم كانوا نصارى، وينبغى من ثم أن يعودوا إلى النصرانية دين الآباء، وإلا فإن محاكم التفتيش تنتظرهم، ويا ويل من تنتظره محاكم التفتيش![14] وقد ذكر أحد المستشرقين الإسبان، وهو الأستاذ خوليان ريبيرا، أن نِصْف المورسكيين على الأقل كانوا إسبانا مسلمين أُكْرِهُوا على التنصر[15]. والواقع أنهم لا بد أن يكونوا أكثر من ذلك طبقا لما شرحته هنا من أن العرب الخُلَّص فى الأندلس كانوا يعدون بالآلاف فقط، على الأقل فى البداية، مع ملاحظة أن كثيرين جدا منهم لم يكونوا عربًا خُلَّصًا من ناحية الدم كما سوف نشرح بعد قليل. وفى الكلمة التى قدم بها المستشرق فارنند برودال لكتاب لوى كاردياك: "الموريسكيون المسلمون والمسيحيون" نجده يقول: "والحقيقة، كما يقر بذلك المتَّهِمون المسيحيون، أن هؤلاء الموريسك، أبناء الإسلام العنيدين، قد انحدروا من أرض إسبانيا نفسها، وأن جذورهم التاريخية ممتدة لتشملهم كفلاحين أو حضريين"[16]. وفى موضع آخر من الكتاب نفسه يقول مؤلفه لوى كاردياك إن المفهوم الحالى لكملة "المورسك: Morisco" قد ظهر سنة 1560م، وإنه يتبنى "التحليل الذى يُعْطَى لمفهوم الموريسكيين، وهُمْ كل المسلمين بإسبانيا الذين بَقُوا فى الجزيرة بعد سنة 1493، واعتنقوا الدين المسيحى الكاثوليكى"[17]. ومما يؤكد ما أقول أن هناك مورسكيين كثيرين هاجروا إلى أمريكا الجنوبية، التى كانت تسيطر عليها إسبانيا آنذاك. فلو كان كل المورسكيين عربا لكان مورسكيّو أمريكا بالضرورة عربا. ولو كانوا عربا فما الذى يضطرهم أن يبقَوْا هناك تحت حكم الإسبان، الذى نالهم منه قبل ذلك فى إسبانيا من الرعب والشقاء والمهانة والذل والتعاسة والإفقار والعيش على شفا الموت فى كل لحظة ما الله وحده به عليم، ولديهم أرض الله الواسعة فى بلاد أسلافهم العربية، مما لا يحتاج إلى قطع كل تلك المسافات الطويلة فى أهوال المحيط الأطلنطى والتعرض للقراصنة وقطاع الطرق الأوربيين من كل لون ، بينما لا تحتاج الرحلة إلى بلاد المغرب إلا قطع عرض البحر المتوسط ليصبحوا بعدها آمنين معززين مكرمين يمارسون دينهم وحياتهم فى أمان ما بعده أمان، وكرامة لا تعادلها كرامة، بعيدا عن محاكم التفتيش، التى كانت لها أذرع طويلة وقوية فى العالم الجديد يمكنها أن تقبض عليهم وتعيدهم من حيث أَتَوْا؟[18] والملاحظ أن مادة "Morisques" فى النسخة الفرنسية من موسوعة "ويكبيديا" لا تستعمل لـ"المورسيكيين" كلمة "العرب" أبدا بل "المسلمين". وهذا هو الاستعمال الصحيح كما بينت فى هذا الفصل بالأدلة المفصلة المحكمة. وبالمناسبة هناك مورسكيون هاجروا إلى فرنسا خصصت لهم المادة المذكورة قسما منها[19]. وهو دليل آخر يعض ما قلته من أن المورسكيين لم يكونوا كلهم ولا أغلبهم عربا، وإلا فما الذى يضطر المسلم العربى فى تلك الأزمان إلى اللجوء لفرنسا النصرانية؟ وفى بحث وقع لى على المشباك (الإنترنت) للدكتور أحمد شحلان عنوانه "مكونات المجتمع الأندلسي ومكانة أهل الذمة فيه" منشور فى "منتديات جبالة:Montadayat Jbala " نجده، بعد الفراغ من حديثه عن العرب والبربر الذين فتحوا الأندلس، والصقالبة الذين استجلبهم الحكام المسلمون من أسارى أوربا واستخدموهم فصاروا مسلمين، وأهل البلاد الذين بقوا على دينهم، ينتقل إلى الحديث عمن أسلم من الإسبان فيقول: "والكثير من أصحاب الأرض من غير هؤلاء ممن دخل الإسلام سيكونون في واقعأمرهم معظم سكان الأندلس، وسيصبحون في مصاف العرب والبربر بعد أجيال، وقدتستحيل التفرقة بين هؤلاء وهؤلاء"[20]. لقد وقع العسف والطغيان على رؤوس المسلمين: من العرب ومن أهل البلاد جميعا، وهؤلاء الأخيرون هم الأغلبية. بل إن الأشخاص الذين كانوا يحملون ألقابا عربية لم يكونوا فى الغالب عربا خُلَّصًا كما وضحنا من قبل، بل كانت تجرى فى شرايينهم نسبة كبيرة من الدماء الإسبانية عن طريق التزاوج والمصاهرة. فكثيرا ما يتزوج العربى أو يتخذ له أَمَةً من أهل البلاد، فيأتى الجيل الجديد من هذا الزواج وهو يحمل فى عروقه خمسين فى المائة من الدماء الإسبانية، ثم يتم مثل هذا التزاوج فى ذلك الجيل المولد ليأتى جيل ثالث يحمل خمسة وسبعين فى المائة من تلك الدماء... وهلم جرا[21]. ومن هنا كنت أقول لطلابى ضاحكا عن ولادة بنت المستكفى: ربما كانت نسبة الدم العربى الذى يجرى فى عروقها لا تزيد، بهذه الطريقة، عن خمسة فى المائة. ومن هنا لا غرابة أن تأتى ملامحها أوربية: شعرٌ ذهبىٌّ، وعينان زرقاوان، وبشرةٌ بيضاءُ، فضلا عن طبعها اللاهى اللعوب.صحيح أن الأمر قد لا يتم على هذا النحو بالضبط، لكن ما قلته يعطينا فكرة تقريبية عن هذا الموضوع[22]. وقد ألفيتُ ليفى بروفنسال، المستشرق الفرنسى المشهور، يتحدث عن هذا التزاوج قائلا عن العرب والبربر الذين فتحوا البلاد: "لم يلبث هؤلاء وأولئك أن تمازجوا (يقصد مع أهل شبه الجزيرة الأيبيرية)، اللهم إلا إذا استثنينا بعض الجزائر الصغيرة الجبلية التى بقى سكانها زمنا طويلا مستعصين على التحول. وقد شكل أولئك الوافدون نواة الأرستقراطية العربية والبورجوازية فى المدن. وسرعان ما أخذ عددهم بالازدياد بفضل رصيد هام جدا، ألا وهو المسلمون الجدد، أعنى من سكان شبه الجزيرة، الذين أخذ دخولهم فى دين الفاتحين يتزايد بمحض إرادتهم، فى أغلب الأحيان، طمعا فى التخلص من الجزية والاستفادة من ظروف مادية أفضل. وقد نتج عن ذلك أن الصلات بين المسلمين القدامى والمسلمين الجدد ازدادت على مر الزمن توثقا وتماسكا بفضل الزواج. لذلك فإن عرب إسبانيا، الذين كانوا فى العصور التى أعقبت الفتح يفخرون أعظم الفخر بتحدرهم من أجدادهم فى بلاد العرب أو سوريا، كان يجرى فى عروقهم جميعا جزء وفير من الدم الإسبانى، إذ ما من شك أنه كان قد حصل، فى ظل الخلافة فى قرطبة، تمازج عرقى هام، فى المدن على الأقل، بين العرب الخُلَّص والبربر والمولدين"[23]. بل إن هناك من يذهب أبعد من هذا كثيرا لدرجة المغالاة غير المقبولة، إذ إن أحد المطارنة المكلفين من الدولة بتنصير المسلمين بعد سقوط غرناطة قد جمع المسلمين البلنسيين المراد تنصيرهم فى الكنيسة وأخذ يعظهم ويفهمهم أن الدين الحق هو النصرانية وأن الإسلام دين باطل، ثم ثَنَّى فشرح لهم تاريخ أصلهم قائلا إن الدم النصرانى يجرى فى عروقهم، لأن المسلمين حينما فتحوا بلنسية لم يكن معهم نساؤهم، فتزوجوا من نصرانيات، ومن هذا الزواج جاء شعب المنطقة[24]. ومن ثم فالسكان، حسب رأيه، هم نصارى بالحق الإلهى والحق الطبيعى معا. أما إذا كانوا اليوم مسلمين فلأنهم مرتدون. كما أفهمهم بكل وضوح أنه لا بد من تنصيرهم شاؤوا أم أَبَوْا[25]. وواضح مدى التعسف فى هذا الكلام، إذ من قال إن كل مسلم من مسلمى فتح بلنسية قد تزوج من بلنسية؟ ومن قال له إن كل امرأة بلنسية تزوجت مسلما آنذاك كانت نصرانية؟ ألا يمكن أن تكون يهودية أو وثنية؟ ثم ألا يمكن أن تكون قد اعتنقت الإسلام، ولم تظل بعد اقترانها بمسلم على دينها القديم؟ ولنفترض أن ذلك صحيح، فهل دين الشخص يحدده دين أمه؟ إن النصارى الأندلسيين بهذه الطريقة لن يكونوا نصارى لأنه ما من واحد منهم إلا وجدة من جداته كانت غير نصرانية ثم اعتنقت النصرانية. وهو ما ينطبق على النصارى فى كل بلاد العالم، بل على كل صاحب دين. فهل نلغى الأديان جميعا، ويعود كل منا إلى اعتناق دين أقدم جدة له؟ ولكن كيف يا ترى يعرف الواحد منا دين أقدم جداته؟ ولماذا لا يُعْتَدّ بدين المسلم المشارك فى فتح بلنسية بدلا من الاعتداد بدين زوجته أو أَمَته النصرانية، إن كانت فعلا نصرانية؟ بل لماذا، ما دام لا بد من اتخاذ الأم أساسا فى تحديد دين سلالتها، أن تكون أُمُّ المسلم المشارك فى فتح بلنسية هى الأساس فى تحديد دين سلالتها؟ وقبل ذلك كله أين الاختيار الحر لكل شخص فى أمر كهذا هو أهم أمور حياته جميعا؟ وما معنى الإصرار على التنصير القسرى للناس بهذه الطريقة؟ إننا لا نشاحّ فى أن كثيرا جدا من التزاوج قد تم بين المسلمين الفاتحين والنساء الإسبانيات، لكن العقلاء لا يفهمون الأمر كما فهمه هذا المطران اللعين، ولا يرتبون عليه تلك البلايا المضحكة، وشر البلية ما يضحك. ولا ريب أن القول بأن الأغلبية الساحقة من سكان إسبانيا الحاليين هم مسلمون لكونهم ينحدرون من أصلاب مسلمين اختاروا الإسلام بملء حريتهم، إلا أنهم قد فُرِض عليهم التنصير فرضا، لا ريب أن هذا القول هو أكثر منطقية من كلام المطران المضاد للعقل والإنسانية. وأذكر أنى قرأت منذ مدة طويلة أن من إسبان اليوم من يحن لأصوله الإسلامية. وليس مستبعدا أن تعود إسبانيا يوما إلى دين الأجداد الذى قُسِروا على التحول عنه إلى دين لم يختاروه بحريتهم ولا اقتنعوا به يومذاك، ولولا التهديد بالقتل أو التهجير ومصادرة الأموال ما أعلنوا، من خارج قلوبهم، التحول إليه أو تظاهروا بذلك التحول. وفى كتابه: "الأندلسيون المواركة" يمس عادل سعيد بشتاوى موضوع التزاوج بين المسلمين والأيبيريات موضحا أنه "نظرا لطبيعة تكوين الفاتحين (أى العرب) كان من الطبيعى أن يلجأوا إلى نساء شبه الجزيرة، فكن أمهات أجيال جديدة من العامة والحكام على السواء. والمعروف أن عبد العزيز بن موسى بن نصير اتخذ من أيلة، أرملة لذريق، زوجة عُرِفَتْ باسم "أم عاصم". وتزوجت حفيدةُ الملك القوطى غيطشة، فى الشام، من عيسى بن مزاحم، وعُرِفَتْ باسم "سارة القوطية بنت المند". وقد كان عبد الرحمن الداخل نفسه من أُمٍّ جاريةٍ بربريةٍ تُدْعَى: "راح". إلا أن سائر أمراء قرطبة كانوا أبناء جاريات كما يدل على ذلك استعراض أسمائهن: فهشام الرضا من أم ولد تدعى: "جمال"، وكذلك أم الحكم الربضى: "زخرف"، وعبد الرحمن الأوسط: "حلاوة"، ومحمد بن عبد الرحمن: "بهير"، والأمير المنذر: "أيل أو أثل"، والأمير عبد الله بن محمد: "بهار أو عشار". ويذكر أن الخليفة الناصر لدين الله كان حفيد بشكنسية سميت: "عبدة"، وهى ابنة شانسو (شانجة) الثانى ملك نافار (نبارة)، وولدت له عبد الرحمن المعروف باسم "شنجول". وما انطبق على حكام الجنوب فى عموميته هذه انطبق على الشمال فى بعض الحالات، إذ إن من المعروف أن ألفونصو السادس اتخذ من كنَّة المعتمد بن عباد: "زائدة أو سيدة" زوجة أو خليلة ولدت له ابنه الوحيد سانشو (شانجة)، الذى قُتِل وهو يحارب الأندلسيين فى معركة إقليش. وهذا النوع من العلاقات الاجتماعية كان مقبولا فى فترة كثرت فيها الجوارى حتى ليقال إن عدد أولاد وبنات عبد الرحمن الثانى وصل إلى 200، وكان للأمير محمد 100 ولد ذكر فى فترة عرفت سيادة العنصر الأندلسى وشيوع الإسلام فى معظم المناطق الواقعة إلى الجنوب من نهرى دويرة وإبرة بما فى ذلك المناطق المحيطة بسرقسطة"[26]. ولقد كان هناك مورسكيون فى بلاد أمريكا الجنوبية التى غزتها إسبانيا وأخضعتها لسلطانها. لكن لوى كاردياك الأستاذ الفرنسى يقول عنهم إنهم عبيد من عرب إسبانيا وبربرها. فهل يمكن أن يشكل عبيد كهؤلاء عقبة فى نشر النصرانية هناك بالنشاط الذى يقومون به لنشر الإسلام فى تلك البلاد كما يقول؟[27] ترى هل يستطيع العبيد أن يكونوا بهذه الخطورة، وهم الذين لم يكونوا يملكون حياتهم ذاتها، وليس لهم أى أمل فى النجاح فى ذلك الميدان، وبخاصة أنهم بعيدون كل ذلك البعد السحيق عن بلاد العرب والمسلمين؟ ولقد كان هناك مثلا فى أمريكا الشمالية عبيد مسلمون من أفريقيا، فهل استطاعوا الحفاظ على إسلامهم أصلا، فضلا عن أن يفكروا فى نشره، بَلْهَ أن ينجحوا فى ذلك؟ ودعنا من أنهم يمكن أن يمثلوا أى تهديد للدولة والمجتمع هناك. ثم إن كاردياك قد ذكر بين المورسكيين الأمريكان عددا من كبار رجال الدولة والكنيسة، فكيف يصح القول بأنهم عبيد؟ وفى مصر الآن نجد من يقولون عن الثمانين مليون مسلم إنهم عرب، وينبغى أن يعودوا إلى الجزيرة العربية كما جاؤوا منها، خالطين بين الإسلام والعروبة قولا واحدا، مع أن عدد العرب الذين دخلوا مصر هو مسألة آلاف. وهذه الآلاف لا يمكن أن تكون قد نمت حتى صارت خمسة وثمانين مليونا، بينما تقلصت ملايين المصريين الأصلاء إلى أن صاروا خمسة ملايين فحسب. أريد أن أقول إن المسلمين فى مصر هم مصريون أصلاء تركوا دياناتهم السابقة من نصرانية ووثنية ويهودية واعتنقوا الإسلام، مثلما كانت الأغلبية الكبيرة من مسلمى الأندلس إسبانية أصيلة، أما مسلمو العرب والبربر فلم يكونوا يشكلون سوى نسبة محدودة من سكان تلك البلاد. ويؤكد مرة أخرى كلامى ما جاء فى كتاب "قصة العرب فى إسبانيا" لستانلى لين بول من أن كاردينالا مقربا من إيزابيلا ملكة إسبانيا قد أغراها بإصدار مرسوم تخير فيه المسلمين بين التنصر ومغادرة البلاد. وجاء فيه أن أسلافهم كانوا على دين النصرانية، وأنهم من ثم أولاد الكنيسة منذ أَتَوْا إلى الدنيا، فيجب عليهم أن يعودوا إلى أحضانها كرة أخرى. وبعد هذا المرسوم أغلق ذلك الرجل المتعصب المساجد وأحرق عصارة الفكر الإسلامى من مخطوطات لا حصر لها أبدعها المسلمون على مدى قرون. وأُنْذِر المسلمون وأُدْخِلوا قسرا فى دين الرحمة بنفس الطريقة التعيسة التى مارسها الملك والملكة لإكراه اليهود على التنصر. ونتيجة لهذا التعذيب استجاب لعرض الكاردينال طائفة من المسلمين آثروا أن يتركوا دينهم على مغادرة وطنهم، بينما تمسك الباقون بذاتيتهم الإسلامية وثقافتهم العربية[28]. فانظر كيف تذكِّر السلطات الإسبانية النصرانية المسلمين الأندلسيين بأن النصرانية كانت دين أجدادهم. إذن فهم كانوا يعدونهم أهل البلاد الأصليين، وإن كانوا عربا بالمعنى الثقافى والروحى، إذ كانوا يتحدثون العربية، وكانت أسماؤهم عربية، وكانت ثقافتهم عربية[29]، وكان الشعراء والكتاب يبدعون قصائدهم ورسائلهم وكتبهم بالعربية، ويُذْكَرون فى كتب الأدب والتاريخ بوصفهم عربا، ويحتلون أرفع المواضع فى كتب تاريخ الأدب العربى كما هو معلوم[30]. ومن هنا فمن الطبيعى أن يحتفظوا بكتبهم العربية، وشعائرهم وتقاليدهم وأخلاقهم الإسلامية، فتأتى الدولة والكنيسة بعد سقوط غرناطة وتعملان على خلعهم من هذا التراث العربى الإسلامى بكل سبيل، فتحرق مصاحفهم وكتبهم وتبذل كل ما عندها من إمكانات لإعادة لسانهم إلى لغة البلاد الأولى، وتحارب نظافتهم وكثرة استخدام المياه فى حياتهم اليومية، وتشن حربا ضروسا على نفورهم من الخمر والخنزير، وتقيم لهم محاكم الذل والعار والقتل والسحق والهرس وتحطيم العظام المعروفة فى التاريخ بـ"محاكم التفتيش"، ثم يقال كذبا وزورا إنها تحارب العرب. نعم، كان العرب (والبربر أيضا) هم الذين فتحوا شبه جزيرة أيبيريا، لكن نسبتهم بالقياس إلى الإسبان المسلمين كانت نسبة جد محدودة، مثلما يشكل المصريون المسلمون ذوو الأصل العربى نسبة ضئيلة جدا إزاء المسلمين من المصريين الأصلاء. وها نحن نرى السلطات والكنيسة فى شبه الجزيرة الأيبيرية تعاملان المسلمين فى البداية على أنهم إسبان أصلاء. وفى الفقرة الخاصة بالمورسكيين من مادة "Spain" فى ط2006م من النسخة الإنجليزية من موسوعة "Encarta" يوصَف المورسكيون دائما بأنهم "مسلمون إسبان"، ولا يوجد ذكر لكلمة "عرب"على الإطلاق[31]. كذلك نجد مادة "Espagne" من "Encyclopédie Universalis" (ط2010م) تتحدث عن المورسكيين باعتبارهم مسلمين، فلم تحصرهم فى العرب: "Ce fut le tour des musulmans du royaume de Grenade en 1502, puis de ceux de la couronne d'Aragon en 1525. On les appela dès lors «morisques».". وبالمثل تعرِّف طبعة 2012م من الموسوعة البريطانية (Encyclopaedia Britannica) المورسكيين بأنهم "المسلمون الإسبان الذين تحولوا إلى النصرانية"، مؤكدة أنهم، من الناحية العرقية، لا يتميزون فى شىء عن النصارى الإسبان الذين بَقُوا على دينهم بعد الفتح العربى لشبه الجزيرة الأيبيرية[32]. وتقول مادة "Morisques" بموسوعة "Laousse" المشباكية، فى تعريف المورسكيين، إن "هذا اللفظ يطلق على المسلمين الإسبان الذين تم تنصيرهم على أيدى الكاردينال سيسنيرو بدءا من 1499م بأمر من إيزابيلا الكاثوليكية": "Se dit des musulmans d'Espagne convertis au christianisme par le cardinal Cisneros à partir de 1499, sur ordre d'Isabelle la Catholique". وفى المقال الخاص بالمورسكيين فى كل من النسخة الفرنسية والإنجليزية والعربية بموسوعة "ويكيبيديا" نجد أن المورسكيين لا يشار إليهم أبدا على أنهم "عرب" بل يقال دائما إنهم "مسلمون". كما نقرأ فى النسخة العربية من تلك الموسوعة أن دوايت رينولدز فى فلمه الوثائقى: "When the Moors Ruled in Europe"[33] قد ألح على أن أخطر شىء فى عملية الطرد هو أن الإسبان لميطردوا العرب أو البربر فى المقام الأول، بل كانت الأغلبية العظمى ممن يتم إخراجهم أيبيريين كإخوانهم نصارى الشمال، الذين كانوا يهجِّرونهم من البلاد[34]. وهذه رؤية مختلفة تماما عما صار يقوله الإسبان فيما بعد كذبا عن عملية الطرد وهدفها. وقد قام الإسبان بتعذيب المسلمين وتنصيرهم بالإكراه وأحرقوا المصاحف والكتب الإسلامية والعربية وحولوا المساجد إلى كنائس. ولكنهم، بعد هذا التنصير الإكراهى، لم يكونوا يطمئنون إليهم بل كانوا يأمرون رعاياهم النصارى بالتجسس عليهم: فإذا وجدوا بينهم من يأكل يلبس ثيابا نظيفة يوم الجمعة، أو يولى وجهه نحو الشرق،أو يسمى الله، أو يتوضأ أو يستحم، أو يأكل ليلا فى رمضان، أو يختن أولاده أو يختار لهم أسماء عربية[35]، أو يكفن موتاه فى ثياب جديدة، أو يستغيث باسم "محمد" عند الشدة، أو ينشد أغانى عربية عرفوا أنه لا يزال فى أعماقه مرتبطا بالإسلام رغم تنصره الظاهرى، فكانوا ينزلون به أفظع ألوان العقاب[36]. وبالمثل كان يعذَّب تعذيبا بشعا كل من يكتشفون أنه يأخذ ماءه من مضخة كان قد دقها العرب لا من مضخة نصرانية. وبلغ الأمر أن جورج دو بيرالطا مثلا، وهو بائع متجول مسلم أجبر على التنصر واتخذ اسما إسبانيا، لم يوفق يوما فى كسب رزقه، ولدى خروجه من أحد المنازل مهموما جرّاء ذلك تمتم قائلا: "يا محمد!" تنفيسا عما هو فيه من ضيق، ثم أخذ ذيله فى أسنانه مطلقا ساقيه للريح خشية أن يسمعه أحد ويقبض عليه ويقدمه لمحمكمة التفتيش. وفى مناسبة أخرى كان هناك نقاش بين نصرانيين إسبانيين، فشتما النبى محمدا، فلم يستطع أحد المسلمين المتنصرين أن يمسك نفسه من الألم، ورد قائلا: "ماذا فعل لك محمد؟". وكانت النتيجة شنيعة، إذ تم تفتيشه ونزعت ملابسه، فاكتشفوا أنه مختون. ولك أن تتخيل ما وقع به من تعذيب تقشعر له الأبدان. وحتى تتصور أبعاد الأمر يكفى أن تعرف أن حرق الشخص حيا هو أحد أساليب التنكيل فى مثل تلك الأحوال. كما كان على المسلمين أن يتركوا أبواب بيوتهم على الدوام مفتوحة حتى يمكن النصارى اقتحامها فى أى وقت لمعرفة ما يتم بداخلها أملا فى القبض على أهلها وهم يمارسون شعيرة إسلامية أو يتصرفون كما يتصرف العرب. وعندئذ ينزل بهم التنكيل الرهيب[37]. وكانت سجون محاكم التفتيش وأساليب التعذيب المتبعة فيها من الفظاعة بما لا يمكن تخيله: لقد كانت جدرانها من السمك بحيث لا يمكن نقبها بأى حال. كما كانت تدهن زنازينها بالشحم حتى لا يستطيع أحد المساجين تسلقها إلى النافذة الضيقة العلوية الوحيدة والمثبت فيها ثلاثة أدوار من الحديد الغليظ كيلا يمكن الهروب عن طريقها. وكانت هناك غرف تحت الأرض لا يستطيع أحد غير القساوسة المشرفين على السجن وما يدور فيه من تعذيب أن يصل إليها. ومن أدوات التعذيب يمكن أن نذكر الكلاليب التى تستخدم فى فصل العظام عن اللحم، والسياط التى تنتهى بقطع الحديد الشائك لجلد المسجونين وتمزيق لحومهم، وقدور الحديد التى يغلى فيها الرصاص أو الزيت لصبه على المساكين المسجونين، وأكاليل الحديد ذات المسامير الحادة الناتئة من الداخل والتى تطوق جبهة المعذَّب ثم تُضَيَّق شيئا فشيئا بمفتاح له لوب حتى تنغرز المسامير فى الرأس، والكلاليب ذات الرؤوس الحادة التى تسحب أثداء النساء من صدورهن، والآلات التى تسلّ الألسنة من جذورها أو تهشم الأسنان تهشيما، والأحذية الحديدية التى توضع على النار لدرجة الاحمرار ويجبر المتهم على ارتدائها فى قدميه مع تضييقها قليلا قليلا، والمشانق المعلقة فى السقف لقتل المسكين نصف قتل بحيث يظل يتألم ألما رهيبا لا نهاية له، والسلاسل الصلبة المربوطة فى أنحاء متباعدة من سقف الغرفة والتى تتجاذبه حتى تمزق أوصاله، والتابوت الذى ركبت فيه حراب حادة من الداخل والذى يجبر من يراد تعذيبه على دخوله ثم يُطْبَق عليه فجأة فتخترق الحراب عينيه وقلبه، والآلة الحديدية التى يُطَوَّق بها الشخص ثم تضيَّق على رئتيه بوساطة لوالب حتى تتقطع أنفاسه وتتحطم عظامه، والقمع الذى يصب فى فمه الماء تباعا من خلاله، وهو مربوط بالحبال إلى إحدى الموائد الممدد فوقها، إلى أن يختنق وتزهق روحه، أو الجدار الذى كانوا يحفرونه ويدفنون فيه ضحيتهم ثم يعيدون بناءه مع ترك ثقب صغير يراه الناس منه وهو يموت داخل الجدار. وعلى التعيس الذى يتم تعذيبه بأية وسيلة من تلك الوسائل ألا يفتح فمه رغم ذلك بصيحة تأوه. ومن أجل ذلك اخترعت آلة من الحديد تشتمل على مربع فى هيئة صليب توضع فى فمه كى تمنعه من الصياح دون أن تعوقه عن التنفس. وبهذا يزداد عذابه فظاعة وشنعا، إذ كيف يتألم إنسان دون أن يصيح من الألم؟[38]. ثم لا ينبغى أن ننسى مصادرة الديوان لأموال المتهم لصالح الديوان أو فرض غرامات باهظة عليه يدفعها للديوان[39]. لقد فعل الإسبان بالمسلمين الأفاعيل البشعة بعد انتهاء الحكم الإسلامى فى شبه الجزيرة الأيبيرية من تنكيل وتضييق وتفتيش للبيوت والضمائر وتنصيرٍ قَسْرِىٍّ وتحريق وتغريق وقتل وتشريد وطرد من الأندلس وتدمير للكتب كما هو معروف للجميع حتى انتهى الأمر بأنْ لم يعد هناك مسلم واحد فى تلك البلاد. لقد تم تنصير المسلمين فى إسبانيا أو طردهم أو قتلهم، ومن نجا من هذا كله كان عليه أن يخفى دينه لا يطلع عليه أحدا من الإسبان. ولكنهم أُخْرِجوا من البلاد إخراجا، ولم يبق سوى النصارى، وانطوت صفحة الإسلام والمسلمين تماما من شبه جزيرة أيبيريا بناء على تلك السياسة الاستئصالية التى تأخذ على عاتقها تطهير البلاد من المسلمين بحيث لا يبقى منهم أحد على الإطلاق رغم أن المعاهدة التى تمت بين الطرفين عقب انتهاء الحكم الإسلامى فى غرناطة تنص على احترام حرية المسلمين الدينية والسياسية وحقوقهم الاقتصادية. وهذا عكس ما كان يصنعه المسلمون مع رعاياهم من النصارى واليهود حين كانت للمسلمين السيادة فى الأندلس، إذ لم يقع منهم ضغطٌ قَطّ على أى شخص لتحويله إلى الإسلام، ولم يصادروا حرية أى إنسان فى الإيمان بما يشاء أو يطردوه من البلاد أو يأخذوا أمواله عَنْوَةً، فضلا عن أن يقتلوه. لقد احترم المسلمون، طبقا لتعاليم دينهم، أديان الآخرين، وتركوا لهم حرية الاعتقاد والعبادة وخَلَّوْا بينهم وبين تطبيق شريعتهم لم يتعرضوا لهم بشىء، والدليل على ذلك بقاء من أراد الحفاظ على دينه من أبناء تلك البلاد التى فتحها المسلمون نزولا على أوامر دينهم بعدم التعرض لأحد فى معتقداته وضميره. وهو ما شهد به كثير من المؤرخين الغربيين. لكن لما دارت الأيام لم يجد المسلمون شيئا من هذا كله، بل تم استئصالهم والقضاء على دينهم وفُرِّغَت البلاد منهم بالوسائل البشعة التى أومأنا إليها. ومع هذا كله نرى المورسكيين، قبل تهجيرهم، حريصين بينهم وبين أنفسهم على مراعاة أوامر دينهم ونواهيه والاحتفال سرا بالمناسبات الإسلامية رغم أن ذلك يمكن جدا أن يسوقهم إلى المحكمة والتعرض من ثم إلى ألوان بشعة من العقاب يصعب جدا تخيلها. بل كثيرا ما كانوا يَنْسَوْن الحذر فيصرحون أمام جيرانهم ومعارفهم وأصدقائهم وزوارهم ومضيِّفيهم وخُدَّامهم الإسبان بما فى نفوسهم أو يومئون إليه من بعيد، فيبلغ هؤلاء السلطات، التى تقبض عليهم فى الحال وتسوقهم إلى محاكم التفتيش حيث تُنْزِل بهم ما لا يطاق من العذاب أو تقتلهم قتلا وحشيا. ومن يقرأْ مثلا كتاب د. لوى كاردياك: "الموريسكيون المسلمون والمسيحيون" يَرَ أمثلة كثيرة على هذه الكوابيس المروعة. وفى ذات الوقت يشكو رجال الدين النصارى مر الشكوى من عدم إيمان المورسكيين الحقيقى بالنصرانية رغم الوسائل الشديدة التى يتبعونها لتعريفهم بديانتهم الجديدة المفروضة عليهم جَبْرًا وكَرْهًا وبكيفية ممارسة شعائرها. ويلخص جوستاف لوبون المستشرق الفرنسى فى كتابه: "La civilisation des Arabes" بعض الأهوال التي تعرض لها المسلمون في الاندلس بعد سقوط غرناطة، مؤكدا أنه من المستحيل علينا قراءة قصص التعذيب والاضطهاد الذى صبه المسيحيون المنتصرون على رؤوس المسلمين المنهزمين دون أن ترتعد منا الفرائص: فقد عمّدوهم عَنْوة، وسلّموهم لدواوين التفتيش لتحرق منهم ما استطاعت إحراقه. ورأى القس بيلدا القضاء على جميع العرب ممن لم يكونوا قد اعتنقوا المسيحية بعد بما فيهم النساء والأطفال. وبهذه الطريقة أُبِيد وأُبْعِد ثلاثة ملايين عربى. وكان ذلك الراهب قد قتل في قافلة واحدة للمهاجرين العرب قرابة مائة ألف في أكمنةٍ نصبها مع أتباعه. بل لقد طالب بقتل جميع العرب في إسبانيا حتى المتنصرين منهم بحجة أنه من المتعذر التفرقة بين الصادقين والكاذبين، ومن ثم يتعين قتلهم جميعا ليحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى، فيُدْخِل غير الصادقين منهم نار الجحيم[40]. ومن موقع "قصة الإسلام" بإشراف د. راغب السرجانى نقرأ، فى مقال بعنوان "محاكم التفتيش أسوأ الحقب دموية بحق المسلمين" أن محاكم التفتيش قد بدأت أعمالها بهدم الحمامات العربية، ومنع الاغتسال على الطريقة العربية، ومنع ارتداء الملابس العربية أو التحدث باللغة العربية أو الاستماع إلى الغناء العربي، ومنع الزواج على الطريقة العربية أو الشريعة الإسلامية، ووضعت عقوبات صارمة جدا بحق كل من يثبت أنه يرفض الخمر أو لحم الخنزير، وكل مخالفة لهذه الممنوعات والأوامر تعد خروجًا على الكاثوليكية ويحال صاحبها إلى محاكم التفتيش. وكان المتهم الذي يمثل أمام المحكمة يخضع لاختبار أولي، وهو أن يشرب كؤوسًا من الخمر يحددها المحاكمون له، ثم يُعْرَض عليه لحم الخنزير ويطلب منه أن يأكله، وبذلك يتأكدون أنه غير متمسك بالدين الإسلامي وأوامره. لكن هذا الامتحان لا يكون عادة إلا خطوة أولى يسيرة جدا إزاء ما ينتظر المتهم من رحلة طويلة جدا من التعذيب، إذ يعاد بعد تناوله الخمر والخنزير إلى الزنزانة في سجن سري دون أن يعرف التهمة الموجهة إليه. وهو مكان من أسوأ الأمكنة، مظلم، ترتع فيه الأفاعي والجرذان والحشرات، وتنتشر فيه الأوبئة. ويشتمل التعذيب على كل ما يخطر على البال من أساليب وما لا يخطر منها، وتبدأ بمنع الطعام والشراب عن المتهم حتى يصبح نحيلاً غير قادر على الحركة، ثم تأتي عمليات الجلد ونزع الأظفار، والكي بالحديد المحمي ونزع الشعر، ومواجهة الحيوانات الضارية، والإخصاء، ووضع الملح على الجروح، والتعليق من الأصابع. وخلال كل عمليات التعذيب يسجل الكاتب كل ما يقوله المتهم من صراخ وكلمات وبكاء، ولا يستثنى من هذا التعذيب شيخ أو امرأة أو طفل، وبعد كل حفلة تعذيب، يترك المتهم يومًا واحدًا ثم يُعرض عليه ما قاله في أثناء التعذيب من تفسيرات القضاة، فإذا كان قد بكى وصرخ: "يا ألله" يفسر القاضي ذلك بأن كلمة "الله" التي لفظها هى إله المسلمين، وعلى المتهم أن ينفي هذا الاتهام أو يؤكده، وفي كلتا الحالتين يجب أن يتعرض التعذيب من جديد، وهكذا يستمر في سلسلة لا تنتهي من تباريح الآلام[41]. واللافت للانتباه أن المستشرق الألمانى جوزيف هِلْ لم يتطرق إلى تلك الصفحات البشعة من تاريخ المسلمين فى الأندلس رغم تخصيصه فصلا كاملا لرصد إنجازاتهم الحضارية فيها وفى بلاد المغرب. وهذه ثغرة معيبة، لأن مثل تلك الصفحات لا يمكن طيها هكذا دون تمكين القارئ من إلقاء نظرة على الأقل عليها. أما تجاهلها والقفز فوقها وكأنها لا وجود لها فنقص معيب. ويلفت النظر أكثر من ذلك خلو كتابات العرب والمسلمين القدامى من الكلام عن هذه الإجراءات الوحشية الإجرامية التى قضت على الإسلام والمسلمين تماما فى بلاد الأندلس. أترى العالم الإسلامى لم يكن يعلم بما يجرى للمسلمين هناك من كوارث؟ إن هذه لو صحت لكارثة أخرى. لكن الواقع أن الحكام كانوا يعرفون ما يقع فى تلك البلاد، ولطالما استغاث المسلمون هناك بهم كى يرسلوا إليهم ما يغيثهم ويوقف ذلك السيل العرم عن اجتياحهم[42]، فكيف سكت العلماء والمفكرون والمؤرخون فى مصر والمغرب والعراق والشام وأواسط آسيا، اللهم إلا أصداء خافتة فى كتاباتهم لا تكاد تبين؟[43] ألم يعلم بها علماؤنا ومؤرخونا القدامى فيوسعوها حديثا وتحليلا وتحميسا للحكام المتخاذلين كى يهبوا ويصنعوا شيئا بدلا من ذلك العجز الذى لا يليق؟ أمعقول أن كل تلك الآلاف المؤلفة التى فرت من الأندلس إلى بلاد المغرب لم تلفت نظرهم إلى أن هناك مأساة؟ ألم يحك أحد من أولئك الفارِّين بدينهم وحياتهم وأعراضهم وكرامتهم لهؤلاء العلماء ما جرى؟[44] لقد كان المورسكيون المحاصرون فى الأندلس يعلمون بما يجرى فى العالم الإسلامى، وبخاصة فى بلاد المغرب القريبة منهم[45]، فكيف لا يعرف المسلمون فى البلاد الإسلامية بما يقاسيه إخوانهم تحت حكم الإسبان وفظائع محاكم التفتيش، وهم على العكس منهم غير واقعين تحت حصار ولا تعذيب ولا محاكم تفتيش ولا مطاردات ولا مصادرة للممتلكات ولا خطط شيطانية جهنمية لتدمير الهوية؟ كما كانت هناك اتصالات أخرى دينية تتم بين مسلمى الأندلس المنصَّرين جبرا وبين إخوانهم فى بلاد المغرب، إذ كانوا يرسلون إلى علماء الدين هناك بأسئلتهم المتعلقة بوضعهم غير الطبيعى وكيف يمكنهم أن يحافظوا على دينهم فى إطاره. وكانت الفتاوى الخاصة بما يستفسرون عنه تصلهم [46]. ومعنى ذلك أن الاتصال قائم، والظروف الخانقة التى يعيش فيها المورسكيون معروفة للمسلمين خارج إسبانيا قبل قيام السلطات الإسبانية بطردهم من بلادهم بوقتٍ جِدِّ طويلٍ. بل لم تقف استعانتهم بمن يمكن أن يساعدهم على بعض الحكومات الإسلامية فحسب، بل كانت هناك مراسلات لهم مع السلطات الفرنسية لما بينهم وبينها من اتفاق على معاداة الحكومة الإسبانية، وكانت هذه المراسلات تهدف إلى التنسيق بين الطرفين بغية الثورة على السلطات فى إسبانيا[47]. والواقع أننا لا نكاد نملك، فى هذا الصدد، من كتابات مفصلة بعض الشىء سوى ما كتبه الشهاب الحجرى عن تلك المأساة فى كتابه: "رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب"، فهل هو وحده الذى شاهد ما جرى من فظائع محاكم التفتيش وسياسة الاستئصال النصرانية التى كان حكام إسبانيا ورجال دينها يتبعونها للقضاء على شأفة الإسلام والمسلمين، واستطاع الفرار إلى بلاد الإسلام وتسجيل ما شاهد؟ لا، لأنه يشير فى كتابه إلى ثلاثة أشخاص مثله: أحدهم كان أسيرا بالأندلس، ثم تركها إلى بلاد المغرب، والثانى كان مترجما بالأندلس ثم انتقل إلى تونس، والثالث من أهل الخير والدين حسب وصفه له، وقد ترافقا فى الهروب إلى بلاد المغرب[48]. وفوق ذلك فقد تعجب السلطان المغربى أن يكون من أهل الأندلس من يمكنه الحديث بالعربية السليمة، مما يدل على أنه على علم كبير بأوضاع الناس هناك. وفضلا عن هذا كله كان هناك فَارُّون من جحيم الحكم الإسبانى ومحاكم التفتيش، ولا شك أن هؤلاء سوف ينبئون إخوانهم المسلمين فى البلاد التى فروا إليها بما يمارس ضد أهليهم فى شبه الجزيرة الأيبيرية من سحق ومحق. ثم انتهى تطور الحوادث إلى أن فيليب الثالث ملك إسبانيا أمر بإخراج جميع المسلمين من بلاده إلى المغرب[49]. وهو ما يعنى أن هؤلاء المهاجرين سوف ينتقلون إلى بلاد المغرب حيث يحكون للمغاربة شعبًا وحكومةً ما وقع عليهم وعلى من تنصر من المسلمين من فظائع تحت حكم النصارى. فكيف لم يصلنا شىء من هذا سواء كتبه أحد هؤلاء المهاجرين؟ ليس ذلك فقط، بل كان الشهاب الحجرى، بكل أسف، موجزا أشد الإيجاز فى حكاية ما شاهد، ولم يكتبه إلا بعد إلحاح من معارفه فى البلاد الإسلامية المختلفة التى ساح فيها؟ إنه لأمر عجيب غاية العجب! أومثل هذا الأمر يحتاج إلى إلحاح؟ أومثل هذا الأمر يُكْتَفَى فى تسجيله بالإيجاز؟ ومرة أخرى لا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن كتاب الشهاب الحجرى هو فى أساسه قصة عن الهروب من الأندلس وفى بعض الأمور العقيدية لا فى فظائع محاكم التفتيش، وإنْ وَرَدَ فيها عَرَضًا بعضُ تلك الفظائع. أقول هذا لأن محمد عبد الله عنان يعلل غياب مثل تلك الكتب بأن المسلمين فى الأندلس لم يكن بمستطاعهم الكتابة عن هذا الموضوع جراء ما كانوا يعيشون فيه من إرهاب وطغيان واستبداد مروع لم يسمح لهم بالتنفس[50]. ذلك أننا لا نتكلم عن أولئك الأندلسيين الذين بَقُوا فى الأندلس، بل عن الأندلسيين الذين هاجروا إلى بلاد المسلمين، ولم يعد ثم خوف على حياتهم إذا كتبوا عن تجربتهم المفزعة مع حكومة الأندلس وما يعرفونه من فظائع محاكم التفتيش[51]. والغريب أن يقوم دبلوماسى مغربى ذو أصل أندلسى فى أواخر القرن السابع عشر برحلة سفارية إلى البلاط الإسبانى لتحرير عدد من الأسارى المسلمين، فيكتب فى ذلك كتابا يصف فيه ما صنعه فى تلك الرحلة، ثم لا يتطرق إلى مأساة المسلمين الذين بَقُوا فى ذلك البلد مع محاكم التفتيش رغم أنه قد أشار مرة إلى ما كان ينتظر أحد اليهود الكبار هناك من محاكمة وعقاب رهيب إن ثبتت عليه التهمة التى زُنَّ بها. وهذا الدبلوماسى المغربى ذو الأصل الأندلسى هو محمد الغسانى الأندلسى، وكتابه هو: "رحلة الوزير فى افتكاك الأسير". ثم إن مأساة الأندلس أفظع من مأساة التتار بمراحل شاسعة. ذلك أن التتار، رغم كل فظائعهم، لم يخططوا للقضاء على الإسلام، ومن ثم لم تكن لهم سياسة منظمة يضعونها نصب أعينهم لتحقيق هذا الغرض، بل كانوا ينطلقون كالإعصار المدمر يجتاحون ما يجدونه فى طريقهم فحسب. وكان بإمكان المسلمين أن يقفوا أمامهم ويحاربوهم لو أرادوا واستعدوا، فكان الأمر إذن فيما بينهم وبين المسلمين أمر حرب متبادلة. ثم انتهى الأمر بهزيمتهم هزيمة ساحقة على يد المماليك فى عين جالوت، ثم دخلوا فى نهاية المطاف دين الرسول الكريم وصاروا جندا من جنوده المخلصين. أما صليبيو الأندلس فكانوا شياطين منظمة ترسم وتصمم وتخطط وتنفذ، وهى طوال الوقت لا يحيد لها بصر عن غايتها النهائية، وهى استئصال الإسلام والمسلمين من شبه جزيرة أيبيريا، حتى تحقق لهم ما أرادوا بحذافيره، وبوسائل عاتية فى الإجرام والقسوة والبشاعة لا تخطر على بال إبليس ذاته كما شاهدنا. ولم يكن هناك أى أمل للمسلمين فى النجاة بعد أن استغاثوا عبثا بالحكام المسلمين خارج الأندلس واستنفدوا ما كانوا يستطيعونه من ثورات تم سحقها سحقا شنيعا. والعجيب أننا عرفنا بما كان يتم فى تلك المحاكم من حكايات وأوضاع يشيب لهولها الولدان بل الأَجِنّة فى بطون أمهاتهم مما كتبه بعض الإسبان والأوربيين. ويجد القارئ فى كتاب د. على مظهر عددا من تلك الحكايات البالغة الفظاعة. وقد اعتمد فيه، ضمن ما اعتمد، على ما كتبه بعض المؤرخين الأوربيين. ومع هذا فـ"لا تزال ترى إلى اليوم كثيرا من الأسبانيين يدَّعون أن أصلهم عربى. يذكرون ذلك مفاخرين، ويعدّون ذلك من أمارات الشرف والتغنى بذكرى الماضى الجميل" كما يقول محمد كرد على، الذى يمضى قائلا: "وقد رأينا الإسبانيين فى القرن التاسع عشر والعشرين نهضوا نهضة لا بأس بها للبحث عن ماضيهم أو ماضى إسبانيا الإسلامية، وصرفوا فى ذلك وقتا ومالا، وتوفَّر على هذا العمل طائفة منهم حرصوا أجمل حرص على الأخذ من المدنية العربية ليكفِّروا عن سيئات أجدادهم، الذين عوَّروا بعملهم مصانع العرب وخططهم، وحرقوا ومزقوا أسفارهم وآثارهم". كما أشار، ، إلى عكوف بعض المستشرقين المتخصصين فى التاريخ الأندلسى على جمع تراث العرب والمسلمين فى تلك الديار من الكتب والفنون وإنشاء المؤسسات الخاصة بذلك كى يطلع عليه الجمهور ويعرف هذا الجانب المشرق من ماضيه. ومن ذلك مثلا الجزازات التى ورثها المستشرق آسين بلاسيوس من أستاذه المستشرق المشهور الإيطالى الأمير كايتانى، وتضم أسماء ثلاثين ألف عالم أندلسى، بغية تنشيط البحث فى التراث الأندلسى[52]. وينبغى أن نضيف إليهم بعض العلماء الغربيين الآخرين الذين أنصفوا الأندلسيين وأبرزوا إنجازاتهم العظيمة وفضلهم الحضارى والثقافى على أوربا أيام كانت أوربا تيعش فى ظلام حالك وتخلف مخيف، ومن هؤلاء العالم والمؤرخ الفرنسى جوستاف لوبون وجوزيف هل. وإذا رجعت إلى كتاب الأول الذى وضعه فى أواخر القرن التاسع عشر، وهو كتاب "حضارة العرب"، رأيت مدى صدق هذا العالم فى إنصاف المسلمين وحكمهم لإسبانيا ضمن إنصافه الحضارة العربية كلها. أما الآخر فرغم أننى لم أتعرض لما قاله فى حق حضارة الإسلام فى شبه الجزيرة الأيبيرية فإن الحق يقتضينى أن أعلن أنه، رغم ما أخذته عليه من إهمال الحديث عن المورسكيين وما تعرضوا له من معاملة وحشية بعكس لوبون، الذى سلط الضوء فى ذلك الوقت المبكر على ألوان الشقاء التى انصبت على رؤوسهم انصبابا، قد قال فى حقهم وفيما صنعوه للحضارة الإنسانية وما أَسْدَوْه من جميل عظيم لأوربا وقت انغماسها فى أوحال التخلف والهمجية كلاما طيبا لا بد أن أشيد به وبصاحبه مهما كان اختلافنا معه. وقد وضع كتابه هذا فى بداية القرن العشرين. وفى الفترة الأخيرة شهدت الساحة العلمية نشاطا ملحوظا يهدف إلى تسليط الضوء على ما وقع بالمورسكيين من مظالم وجرائم وحشية والعمل على رد الاعتبار إليهم بعد كل تلك القرون. وهناك مواقع ضوئية متعددة لمثل تلك الغاية. ومما طالعته فى بعض تلك المواقع المقال التالى الذى يعطينا فكرة عن ذلك الموضوع الحيوى الشديد الأهمية. كتب محمد العربي المساري بموقع "الأندلس- مورسكيون أندلسيون"[53] بتاريخ 11/ 9/ 2010م تحت عنوان "الموريسكيون" يقول: "لم أتمكن من المشاركة يوم السبت الماضي في السلسلة البشرية التي ربطت فيما بين المسجد الشهير والبيعة اليهودية في قرطبة الفيحاء. وكان الغرض هو التقاء بعض موقعي البيان الذي دعا مؤسسة "جائزة أمير أستورياس"، التي يرأسها ولي العهد الإسباني، إلى منح جائزة "الوفاق" في هذه السنة للمنحدرين من الموريسكيين، تكريما لهم بمناسبة الذكرى المائوية الرابعة لطرد آبائهم من إسبانيا. ففي أبريل 1609 صدر الأمر بالطرد النهائي لمن بقي في إسبانيا محافظا على ديانته، وهم الفوج الأخير من أولئك المسلمين في الخفاء الذين بدأ التخلص منهم منذ 1502. وقد اختيرت مائوية الطرد مناسبة لتجديد المطالبة بإعادة الاعتبار لأولئك المطرودين، وذلك ضمن محاولات تصالحية عديدة كان أبرزها مشروع توصية تقدم به الفريق النيابي الاشتراكي في الكورطيس سنة 2009 لإصدار تصريح للاعتراف رمزيا بالخطأ المرتكب في حق تلك الفئة. وفي سنة 2006 كان منصور إيسكوديرو، رئيس لجنة مسلمي إسبانيا، قد طلب من الرئيس ثاباطيرو منح أحفاد الموريسكيين الجنسية الإسبانية بالأفضلية أسوة بما تم اتخاذه في حق السيفرديين بمقتضى المادة 22.1 من قانون الهجرة المصادق عليه في 1985 على يد حكومة اشتراكية. وفي العام الماضي وقعت الدعوة إلى إحياء ذكرى إحراق الكتب العربية في باب الرملة بغرناطة. وهي دعوات قوبلت بالتجاهل، وأحيانا بالمقاومة الشديدة. والنص الذي تمت قراءته في قرطبة يوم السبت يقع في ثلاث صفحات، وهو مكتوب بالإسبانية، وكذلك بالعربية: اللغة التي كتبت بها صفحات نيرة من الثقافة العالمية، كتبها أبناء الأندلس، في زمن كان باقي أوربا يرزح في القرون الوسطى. ويقوم النص المشار إليه بصفة جوهرية على أن الذين نالهم قرار الطرد هم إسبان طردوا من أرضهم فقط لأنهم مسلمون. ويجب التأكيد أن الأمر يتعلق بأرض إسبانية. وأن مسلمي تلك الأرض قد أبدعوا ثقافة راقية سمحت بالتعددية الدينية والعرقية وبالتعايش والتسامح، وأن الإسلام حرك فيهم التعلق بمثل وقيم سامية انسجمت مع نبوغهم الخاص، الذي هو نبت تربة إسبانيا المعطاء. وحينما حل بعض أبنائهم بالمغرب على أفواج كان حلولهم به إضافة ثمينة تركت بصمتها في شتى مناحي حياته. وبعد قرون من ذلك، جاء إلى مراكش في 1924 بلاس إينفانطي، المسمى في ديباجة دستور منطقة الحكم الذاتي بالأندلسي: "أب الوطنية الأندلسية"، وحج إلى أغمات، ووقف على قبر المعتمد حيث نطق بالشهادة. وكانت تلك تجربة مشهودة دلته على حقيقة بدت له ساطعة. فقد كتب أنه في مراكش لم يشعر بأنه أجنبي. وكان من منظمي مبادرة بيان قرطبة الداعي لإنصاف الموريسكيين مؤسسة إينفانطي الراعية للقيم التي استشهد من أجلها بلاس إينفانطي بيريث دي برغاش في غشت 1936 في بداية الحرب الأهلية حيث اغتاله الفلانخيون بعد أربعة أسابيع من انطلاق انقلاب فرانكو بتطوان". وتحت عنوان " فتح ملف الموريسكيين" من مادة "مورسكيون" بـ"ويكيبيديا" العربية كلام مهم عن تلك القضية يحسن أن أورده هنا: "بعد أربعة قرون على حادث طرد المسلمين الموريسكيين من الأندلس في القرنالسابع عشر تحرك البرلمان الإسباني لكي يعيد فتح أبرز صفحات التاريخالأسود لإسبانيا التي لا زالت أشباحها تطارد الذاكرة الإسبانية اليوم. فقد وضع الفريق الاشتراكي أمام لجنة الخارجية في البرلمان مشروع قانون ينص على رد الاعتبار لأحفاد الموريسكيين الذين طردوا بشكل جماعي من إسبانيا. ويقدر عددهم في المغرب بحوالي 4 ملايين نسمة من أصل 35 مليونا (إحصاء 2007)، ويعيش حاليا معظمهم في شمال المغرب. بل إن بعضهم ما زال يسكن في قرى بمحاذاة السواحل المطلة على مضيق جبل طارق حيث يمكن مشاهدة السواحلالإسبانية من الضفة المغربية. وينص مشروع القانون على رد الاعتبار لأحفاد الموريسكيين، الموجودين اليوم في المغرب بشكل خاص، وفي بعض البلدان المغاربية بشكل عام، ويوصي بتقويةالعلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية معهم، لكنه لا يذهب إلى حد مطالبة الدولة بالاعتذار الرسمي عن تلك الجريمة، أو تعويض أحفاد المطرودين اليوم مقابل ممتلكات أجدادهم التي سلبت منهم، أو تمكينهم من الحصول علىالجنسية الإسبانية. ويرى بعض المسؤولين عن المنظمات الإسلامية في إسبانياأن المشروع، وإن كان يساويهمباليهود السفارديم الذين طردوا من الأندلس قبل خمسة قرون بعد صدور قانون بهذا الشأن عام 1982، إلا أنه لا يشير إلى ضرورة اعتذار إسبانيا للمسلمين مثلما اعتذرت لليهود الإسبان قبل عام 1992. و في عام 2012 أعلنت وزارة العدل الإسبانية أنمدريد قررت منح حق الحصول على الجنسية الإسبانية لأحفاد اليهود الذينطردوا من البلاد عام 1492. ويصعب تحديد عدد المستفيدين من القرار، لكن دراساتتشير إلى وجود 250 ألف شخص في العالم يتحدثون لهجة اليهود الإسبان.جاءت هذه الخطوة في سياق التحركات التي أصبح يقوم بها أحفاد الموريسكيين فيالمغرب وخارجه للتذكير بالتزاماتإسبانيا الحديثة تجاههم، كما أنه أيضا يأتي في سياق الانفتاح الذي بات يطبعالقراءات التاريخية المعاصرة لتجربة إسبانيا التاريخية بعيدا عن الانغلاقالقديم. فقد عقد الموريسكيون المغاربة في عام 2002 أول مؤتمر من نوعه حولهذا الموضوع بمدينةشفشاون طالبوا فيه إسبانيا بالاعتذار لهم، كما دعوا إلى الاهتمام بأوضاع تلك الفئة التي رَأَوْا أنها تشكل جزءا من تاريخ إسبانيا. كان المشروع خطوة أولى في الطريق الصحيح، كما يرى بعض المهتمين بالملف، مثل الدكتورعبد الواحد أكمير مدير "مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات"،الذي قال إن المشروع يعتبر نوعا من الاعتراف بأن الإسلام يشكل جزءا منالهوية الإسبانية. فالعديد من المؤرخين الإسبان اليوم أصبحوا ينكبون علىتلك المرحلة بالنقد والتحليل في اتجاه محو الصورة السلبية التي علقتبالذهنية الجماعية للإسبان عن الموريسكيين، ويعتبرون أن المسلمين الإسبانالذين طردوا قبل 400 عام لم يكونوا غرباء عن البلاد، بل كانوا إسبانااعتنقوا الإسلام، بل إن شريحة واسعة منهم، كما بينت الدراسات التاريخية،لم تكن تعرف حتى اللغة العربية، وذلك ردا على تلك الأطروحات التي تقول إنالموريسكيين هم عرب ومسلمون جاؤوا مستعمرين لإسبانيا من خارجها، وتم إرجاعهممن حيث أتوا بطردهم". أما فى النسخة الإنجليزية من ذات الموسوعة فنعرف أنه قد اكتشف مؤخرا فى بعض المناطق الريفية من إسبانيا جماعات مورسكية ما فتئت تمارس الإسلام بعد كل تلك القرون والاضطهادات وما حاق بها من قتل ونفى ومصادرة للممتلكات وتنصير إجبارى ممنهج وضغط وسحق ومحق، وإن لم يكن الإسلام الذى تمارسه هذه الجماعات هو الإسلام الصحيح. وهو أمر مفهوم بعد كل ما عانته تلك الجماعات من ضغوط جبارة لاإنسانية وعزلة خانقة فصلت تلك الجماعات عن المسلمين خارج إسبانيا طوال تلك القرون. تقول الموسوعة: "Unlike the Morisco diaspora in North Africa who have remained strongly aware and proud of their andalusi roots, Moriscos identity as a community was wiped out in Spain, be it via either expulsion or absorption by the dominant culture. Nevertheless, a journalistic investigation over the past years has uncovered existing communities in rural Spain (more specifically in the provinces of Murcia and Albacete) which seem to have maintained traces of their Islamic or Morisco identity, secretly practicing a debased form of Islam as late as the 20th century, as well as conserving Morisco customs and unusual Arabic vocabulary in their speech". وأخيرا فقد يشوق القراء المصريين أن يعرفوا أن فى مصر بعضا من سلالة الموريسكيين المنتشرين فى كل القارات[54]، فقد عرفت بمحض المصادفة اليوم فى صفحة د. جمال بن عمار الأحمر[55]، سليل أسرة "الأحمر" الأندلسية الشهيرة التى كان منها الملوك والأمراء فى شبه الجزيرة الأيبيرية أيام كانت للمسلمين السيادة عليها، أن فى محافظة الأقصر بصعيد مصر نجعا يسمى: "أولاد الحج" أسسه جماعة من الأندلسيين كانوا قد أَتَوْا من الأندلس وبلاد المغرب حجاجا، وأن بعضا من سلالة المورسكيين الموجودين فى مصر قد خدموا فى الجيش المصرى أيام محمد على باشا حسبما جاء فى المادة الخاصة بهم من نسخة "ويكيبيديا" العربية[56].

 

[1] ستانلى لين بول/ قصة العرب فى أسبانيا/ ترجمة على الجارم (ضمن "الأعمال النثرية الكاملة لعلى الجارم/ 305- 306.

[2]جرى على الجارم فى كل مرة تقريبا على ترجمة كلمة "The Moors" بـ"العرب".

[3] المرجع السابق/ 426.

[4] لست أقصد بهذا الكلام إلى القول بأن العرب يخلون من الفضائل العظيمة. وكيف أقصد هذا، وهم قد فتحوا البلاد فأحسنوا سياستها إلى حد بعيد، وكان حكمهم أفضل من حكم الإمبراطوريات الأخرى كثيرا جدا رغم كل شىء. إنما أعنى عيوبهم فى فترات الضعف والانحدار، وإلا فصجائف مجدهم وعظمتهم تنطق بفضلهم بأجلى بيان، وأبلغ لسان. إننا، حين نعيب العرب ونضيق بعيوبهم، إنما نفعل ذلك من باب الحب لهم والغيرة عليهم، إذ نريد لهم أن يظلوا متلألئين دائما، أقوياء دائما، منتصرين دائما، متحضرين دائما، أعزة كراما دائما.ولكن من يستطيع أن يكون هكذا طول الحياة؟ الواقع أنه ما من أمة علت وسادت إلا جاء يوم انحدرت فيه وهانت وصارت مَسُودَة. بيد أننا، فى غمرة حبنا لقومنا وألمنا لما حاق بهم، ننسى أنهم فى الأول والآخر بشر فيهم عيوب البشر، وسيئات البشر، وضعف البشر، وغرور البشر، وشهوات البشر، وميل البشر فى نهاية المطاف إلى الركون للدعة والراحة وترك الجهاد... إلخ. ومع هذا فمن الطبيعى أن يكره الإنسان الضعف والانهزام ويطمح إلى المثال الأعلى رغم معرفته أنه لا يمكن بلوغه دائما. ولولا هذا الطموح والتألم بعدم الاستمرار فى القمة ما استطاع البشر أن ينجزوا شيئا ولكانوا، متى ما انهزموا وانحدروا، يبقون فى انهزامهم وانحدارهم لا يقومون منه أبدا. وقد لمس على الجارم هذه المسألة فى كلمته التى أثبتها بين يدى ترجمته لكتاب ستانلى لين بول عن الحكم الإسلامى فى الأندلس، فقال معلقا على الاضطراب الذى شاب بعض فترات التاريخ الأندلسى: "ومن العجب أنك، على الرغم من هذا الاضطراب الشامل، تقرأ فى قصة الأندلس صحائف من ذهب تتجلى فيها مدنية العرب معجزة من المعجزات، وآية من الآيات. فقد كانت الأندلس فى العصور الوسطى شعلة النور، ومنار الهداية، وكانت جامعاتها بقرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها ملتقى طلاب العلم من الشرق والغرب، وكان فيها للأدب والشعر والفنون عامةً منزلةٌ لم تكد تصل إليها أمة... خفقت الجوانح بحب الأندلسيين على الرغم مما يزعمه التاريخ من أنهم أُعْطُوا مُلْكًا فلم يحسنوا سياسته، واستناموا إلى الشهوات، واستعان بعضهم على بعض بالأعداء. على أنه يجدر بأهل الرأى ألا يتعجلوا فى الحكم على أهل الأندلس، وهم لم يعيشوا فى بيئتهم، ولم يدرسوا أتم الدرس الأحوال التى ألمت بهم، ولم يدققوا النظر فى نظام الحكم الذى التزمته الأمم فى هذه الأزمان. إن المسلمين بالأندلس كانوا فى أرض غير أرضهم، وفى إقليم اجتمعت فيه كل صنوف الفتنة والجمال، وكان أعداؤهم من الإسبان يحيطون بهم من كل جانب، وأعداؤهم فى المشرق ينصبون لهم الحبائل. أفبعد هذا نصب عليهم اللوم جميعا، ونحمّلهم وزر تصاريف الزمان، وسيطرة الأحوال التى وضعتهم فيها يد القدر؟ إن العرب عاشوا فى هذه الفتن الجائحة نحو ثمانمائة عام قل أن تستطيع أمة سواهم البقاء فى مثلها. ليقل الشعوبية ما شاؤوا، ولْيَقْسُ ابن خلدون وأمثال ابن خلدون على العرب كما أرادوا. اليس من التجنى أن يدعى ابن خلدون أن العرب لا يصلحون لسياسة الأمم، وأنهم أمة جهل وتدمير، وأنهم إذا نزلوا بلدا أسرع إليه الخراب؟ إن سماحة حكم العرب بالأندلس وجمال مدنيتهم واتساع مدى ثقافتهم أسمى من أن يصل إليه إنكار منكر أو جحود جاحد. وإن فى آثارقرطبة وإشبيلية وغرناطة التى لا تزال ماثلة إلى اليوم من معجزات البناء والهندسة ما يخجل كل من يدعى أن أمة العرب أمة خراب وتدمير، وأنهم يهدمون القصور ليتخذوا من أحجارها أثافى للقدور، ومن خشبها أوتادا للخيام. أين هذه الأثافى، وأين تلك الخيام من جنات الأندلس الباسمات وقصورها الشامخات؟ ثم أين هى من عظمة دمشق وجمال بغداد فى حكم العباسيين، وازدهار القاهرة فى عهد الفاطميين؟ إن العرب يبنون ولايهدمون، وإن الهدامين لآثارهم ومدنياتهم إنما هم أعداؤهم من البربر والإفرنج والتتار وغيرهم. وإذا كانت دولة العرب قد مُنِيَتْ بالانحلال السريع فى الشرق والغرب فإن أكثر السبب فى هذا، فيما يغلب على الظن، إنما يعود إلى نظام الحكم الذى كان قائما لا إلى طبائع العرب أنفسهم. ولو نظرنا فى عهودهم إلى الأمم حولهم فى أقطار الأرض لرأينا أنها أصيبت بما أصيب به العرب" (ترجمة على الجارم لكتاب بول: "قصة العرب فى أسبانيا" ضمن "الأعمال النثرية الكاملة لعلى الجارم"/ 275- 277).

[5] انظر محمد عبد الله عنان/ دولة الإسلام فى الأندلس- ج4 نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصِّرين/ ط4/ مكتبة الخانجى/ القاهرة/ 1417هـ- 1997م/ 3- 8. وقد عاب ستانلى لين بول الحكام الإسبان قائلا إنهم لم يكونوا أمناء فى معاملة المسلمين فى الأندلس، إذ أكرهوهم على خلع أزيائهم الجميلة واستبدال قبعات النصارى وسراويلاتهم بها وهجر سُنَّة الغسل والاستحمام اقتداءً بهم فى الصبر على تراكم الأقذار على أجسادهم ونبذ لغتهم إلى لغة الإسبان وطرح عاداتهم وأسمائهم والتسمى، بدلا من ذلك، بأسماء أسبانية (انظر ترجمة على الجارم لكتاب بول: "قصة العرب فى أسبانيا" (ضمن "الأعمال النثرية الكاملة لعلى الجارم"/ 423).

[6] See Philip Hitti, The Arabs- A Short History, Princeton University Press, P. 168. وذكر محمد كرد على أن رجال الدين الكاثوليك فى أسبانيا قد حظروا على الناس الاستحمام لأنه يشبه الوضوء لدى المسلمين مما كانت نتيجته انتشار أمراض الجلد، وخاف الأطباء أن يوصوهم بالنظافة والاغتسال خشية وقوعهم تحت القصاص (انظر كتابه: "غابر الأندلس وحاضرها"/ المكتبة الأهلية/ القاهرة/ 1341هـ- 1923م/ 165).

[7] كانت المنشورات التى تحض الأوربيين على الهجوم على بيت المقدس وعلى كراهية المسلمين تنعتهم دائما بـ"الكفار". يرجع مثلا إلى المادة الخاصة بـ"الحروب الصليبية" فى النسخ المختلفة من "الويكبيديا". وقد أفتى بابا روما بأن قتل "الكفار"، أى المسلمين" لا يُعَدّ إثما: "le pape écrivit que ce n'était pas un péché de verser le sang des infidèles[" كما ذكر كاتب المادة فى النسخة الفرنسية من تلك الموسوعة.

[8] رغم أن الأوربيين إنما اقتبسوا الحمامات العمومية منا أثناء مُقَامهم فى بلادنا أيام الحروب الصليبية، ثم نشروها فى بلادهم بعد عودتهم (Philip Hitti, The Arabs- A Short History, P. 196).

[9] انظر محمد عبد الله عنان/ دولة الإسلام فى الأندلس- ج4 نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصِّرين/ 316/ هـ4. وهنا مفارقة أخرى، فقد صرنا نحن فى الفترة الأخيرة نكره الكتب والقراءة بشكلٍ وبائىٍّ مُخْزٍ، ونؤثر إراحة أدمغتنا من التفكير تجنبا لوجع الرأس، وهو أحد العوامل الأساسية لما نحن فيه من تخلف لا نفكر أبدا فى الخروج منه، وكأنه عمل صالح نتقرب به إلى المولى سبحانه، غير دارين أنه أحد السبل الأكيدة إلى النار: نار التقهقر والذلة فى الدنيا، ونار السعيرِ والهُونِ فى الآخرة.

[10] لعله من المناسب هنا أن نورد مقال الكاتب الإسرائيلى المعروف أوري أفنيري بعنوان "سيف محمد" مترجما إلى العربية كما وجدته فى عدد من المواقع الضوئية مع بعض التعديل اللغوى القليل. ففى هذا المقال (الذى رد به افنيرى على بابا روما منذ سنوات عندما اتهم الإسلام بأنه دين إرهابى) رد قوى على النفاق الغربى الذى يسول لأصحابه توجيه هذه التهمة الكاذبة للدين الحنيف فى الوقت الذى يمثلون هم فيه الإرهاب فى أبشع صوره. قال أفنيرى: "منذ أن كان قياصرة روما يقذفون بالمسيحيين إلى الحلبة فريسة للأسود شاهدت العلاقات بين القياصرة ورؤساء الكنيسة تقلبات كثيرة. لقد حوّل القيصر قسطنطين الأكبر، الذي ارتقى السلطة عام 306، قبل 1700 سنة بالضبط، الدين المسيحي إلى دين الإمبراطورية، التي كانت تضم أرض إسرائيل أيضا. ومع مرور الزمن انقسمت الكنيسة على ذاتها بين فرعيها: الشرقي (الأرثوذكسي) والغربي (الكاثوليكي). وقد طالب البطريرك الغربي، الذي أصبح البابا فيما بعد، من القيصر الاعتراف بسلطته العليا. لقد تصدرت النزاعات بين القيصر والبابا، في العديد من الأحيان، مركز تاريخ أوروبا وجزأت الشعوب. لقد عرفت هذه النزاعات مدا وجزرا. كان هناك قياصرة أقالوا البابا أو نَفَوْه، وكان هناك باباوات أقالوا أو نَفَوُا القيصر. وقد "ذهب إلى كانوسا" أحد القياصرة، وهو هاينريخ الرابع، ووقف هناك حافي القدمين على الثلج لمدة ثلاثة أيام متواصلة أمام مقر البابا حتى وافق الأخير على إلغاء النفي الذي فرضه عليه. غير أنه كانت هناك فترات طويلة تعايَشَ فيها القياصرة والباباوات بسلام. ونحن، في الفترة الحالية، نشهد انسجاما يثير الدهشة بين البابا الحالي، بندكتوس السادس عشر، والقيصر الحالي، بوش الثاني. وعلينا أن ننظر، على هذه الخلفية، إلى خطاب البابا الذي أثار ضجة عالمية. إنه يندمج بشكل جيش في الحملة الصليبية التي يقودها بوش ضد "الفاشية الإسلامية" في إطار "صراع الحضارات". وفي خطابه الذي ألقاه في جامعة ألمانية أراد البابا الخامس والستون بعد المائتين أن يثبت وجود فرق جوهري بين المسيحية والإسلام: فبينما ترتكز المسيحية على المنطق فإن الإسلام ينكره. وبينما يرى المسيحيون منطقا في أعمال الله ينكر المسلمون أي منطق في تلك الأعمال. وبصفتي ملحدا يهوديا فإني لا أنوي أن أحشر نفسي في هذا النقاش. فمن أنا لأتتبع منطق البابا؟ غير أني غير قادر على التزام الصمت حيال مقطع واحد من خطابه متعلق بي كإسرائيلي يعيش إلى جانب خط الجبهة في "حرب الحضارات". فلكي يثبت انعدام وجود المنطق في الإسلام يدعي البابا أن النبي محمدا قد أمر أتباعه بنشر دينه بقوة السيف، وهذا أمر غير منطقي، على حد تعبير البابا، لأن الروح هي مصدر الإيمان، وليس الجسد. وكيف يمكن للسيف أن يؤثر على الروح؟ لتدعيم أقواله اقتبس البابا أقوالا أدلى بها قيصر بيزنطي بالذات من أتباع الكنيسة الشرقية المنافسة. ففي أواخر القرن الرابع عشر ذكر القيصر عمانوئيل الثاني نقاشا أجراه، على حد زعمه (هذا الأمر مشكوك فيه)، مع مثقف فارسي مسلم مجهول. وفي خضم النقاش قال القيصر بخشونة (على حد قوله) أمام شريكه في الحديث: "أرني شيئا جديدا أتى به النبي محمد. وسترى أشياء سيئة وغير إنسانية فقط، كما فى أمره الخاص بنشر دينه بقوة السيف". تثير هذه الأقوال ثلاثة أسئلة: أ- لماذا قالها القيصر؟ ب- هل هي صحيحة؟ ج- لماذا كررها البابا الحالي؟ عندما سجل عمانوئيل الثاني هذه الأقوال كان مليكا على إمبراطورية آفلة. لقد ارتقى السلطة عام 1391 حيث كانت قد تبقت محافظات قليلة من الإمبراطورية العظيمة. وقد هدد الأتراك باحتلال هذه المناطق أيضا في أي لحظة. في تلك الفترة كان الأتراك قد وصلوا إلى ضفاف الدانوب بعد أن احتلوا بلغاريا وشمال اليونان، وهزموا الجيوش التي أرسلتها أوروبا مرتين بهدف إنقاذ القيصرية الشرقية. وفي عام 1452، بعد بضع سنوات فقط من موت عمانوئيل، احتل الأتراك عاصمته: القسطنطينية (إسطنبول اليوم) وكانوا سببا في نهاية الإمبراطورية التي دامت أكثر من ألف سنة. وفي أيام حكمه تجول القيصر عمانوئيل في عواصم أوروبا طلبا للمساعدة. لقد وعد بتوحيد الكنيسة من جديد. ولا شك في أنه كتب القصص عن نزاعاته الدينية ليثير حفيظة أوروبا ضد الأتراك وليقنعها بالخروج إلى حملات صليبية جديدة. كانت نيته سياسية، وما كانت اللاهوتية إلا لخدمة السياسة. إن الأمور، من هذه الناحية، تتوازى مع احتياجات القيصر الحالي جورج بوش، فهو أيضا يحاول توحيد العالم المسيحي ضد "محور الشر" الإسلامي. إضافة إلى ذلك فإن الأتراك أيضا يطرقون باب أوروبا، ولكن في هذه المرة بوسائل سلمية. ومن المعروف أن البابا يعارض القوى التي تطالب بانضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي. هل هناك حقيقة في ادعاء القيصر عمانوئيل؟ لقد شكك البابا ذاته بأقواله. كلاهوتي حقيقي له سمعته لا يمكنه أن يسمح لنفسه بتزييف ما هو مكتوب. لذلك ذكر أن النبي محمدا قد منع في القرآن بشكل واضح نشر الدين بقوة السيف. لقد اقتبس من سورة البقرة الآية 256 (صحيح أن البابا لا يخطئ، ولكنه أخطأ هنا: لقد قصد الآية 257. وقد جاء فيها: "لا إكراه في الدين!"). كيف يتجاهلون قولا بسيطا وقاطعا إلى هذا الحد؟ يدعي البابا أن هذه الآية قد كتبت في بداية مسيرة محمد حينما كان ما زال يفتقر إلى القوة، ولكن مع مرور الوقت أمر باستخدام السيف من أجل الدين. لكن لا يوجد لمثل هذه الوصية أي ذكر في القرآن. صحيح أن النبي محمدا قد دعا إلى استخدام السيف في معاركه ضد خصومه من القبائل المسيحية واليهودية في شبه الجزيرة العربية عندما كان يؤسس دولته، غير أن هذا كان عملا سياسيا وليس دينيا، معركة على الأرض لا على بساط الدين. من أقوال يسوع المسيح: "تعرفونهم من ثمارهم". وعلينا أن ننظر إلى تعامل الإسلام مع الديانات الأخرى حسب اختبار بسيط: كيف تصرفوا خلال أكثر من ألف سنة، بينما كانت القوة بين يديهم، وكان بمستطاعهم "نشر دينهم بقوة السيف"؟ هم لم يفعلوا ذلك. لقد سيطر المسلمون في اليونان طيلة مئات السنين، فهل اعتنق اليونانيون الإسلام؟ هل حاول أي شخص إدخالهم في الإسلام؟ على العكس لقد شغل اليونانيون وظائف كبيرة في الحكم العثماني. كما أن شعوب أوروبا المختلفة مثل البلغار والصرب والرومانيين والمجريين، الذين عاشوا فترات طويلة تحت حكم الأتراك، قد تشبثوا بدينهم المسيحي. إن أحدا لم يجبرهم على اعتناق الدين الإسلامي، وظلوا مسيحيين متدينين. لقد أسلم الألبان وكذلك البوسنيون، ولكن أحدا منهم لا يدعي بأنهم قد أكرهوا في ذلك. لقد اعتنقوا الدين الإسلامي ليكونوا محببين إلى السلطة وليتمتعوا بخيراتها. في عام 1099 احتل الصليبيون القدس وذبحوا سكانها المسلمين واليهود من دون تمييز، وكانت هذه الأمور تنفذ باسم يسوع الطاهر النفس. في تلك الفترة، وبعد 400 سنة من احتلال المسلمين للبلاد، كان ما زال معظم سكان البلاد من المسيحيين. طيلة كل تلك الفترة لم تجرى أية محاولة لفرض دين محمد على السكان. لكن بعد أن طُرِد الصليبيون من البلاد بدأ معظمهم يتبني اللغة العربية ويعتنق الدين الإسلامي. وكان معظم هؤلاء هم أجداد الفلسطينيين الحاليين. ولم تُعْرَف أية محاولة لفرض دين محمد على اليهود. لقد تمتع يهود أسبانيا، تحت حكم المسلمين، بازدهار لم يسبق له مثيل في حياة اليهود حتى أيامنا هذه تقريبا. وكان شعراء مثل يهودا هليفي يكتبون باللغة العربية، وكذلك الحاخام موشيه بن ميمون (الرمبام). كما كان اليهود في الأندلس المسلمة وزراء وشعراء وعلماء. وقد عمل في طلطيلية المسلمة مسلمون ويهود ومسيحيون معا على ترجمة كتب الفلسفة والعلوم اليونانية القديمة. وكان ذلك "عصرا ذهبيا" بالفعل. ترى كيف كان لهذا كله أن يحدث لو كان النبي محمد قد أمر أتباعه "بنشر الإيمان بقوة السيف"؟ لكن المهم هو ما حدث لاحقا حين احتل الكاثوليك أسبانيا واستولَوْا عليها من المسلمين، فقد بسطوا فيها حكما من الإرهاب الديني. لقد وقف اليهود والمسلمون أمام خيار قاس: اعتناق المسيحية أو الموت أو الهرب. وإلى أين هرب مئات آلاف اليهود الذين رفضوا تغيير دينهم؟ لقد استقبل معظمهم على الرحب والسعة في الدول الإسلامية. واستوطن "يهود الأندلس" بلادا تمتد من المغرب في الغرب إلى العراق في الشرق، ومن بلغاريا (تحت حكم الأتراك آنذاك) في الشمال إلى السودان في الجنوب. ولم تتم ملاحقتهم في أي مكان أو يواجهوا أي شيء يضاهي تعذيب محاكم التفتيش أو لهيب المحارق أو المجازر أو والطرد الذي ساد في معظم الدول المسيحية حتى حدوث الكارثة. لماذا؟ لأن محمدا قد منع بشكل واضح ملاحقة "أهل الكتاب". لقد تم تخصيص مكانة خاصة في المجتمع الإسلامي لليهود وللمسيحيين. ولم تكن هذه المكانة مساوية تماما لمكانة المسلمين، ولكنها كادت تكون كذلك. صحيح أنه كان يتوجب علهم دفع جزية خاصة، ولكنهم قد أُعْفُوا من الجيش مقابلها. وهذه الصفقة كانت مجدية جدا لليهود. يقال إن الحكام المسلمين قد عارضوا محاولات إدخال اليهود في الإسلام حتى بالوسائل اللطيفة لأن هذا الأمر كان معناه خسارة عائداتهم من الضرائب. لكن كل يهودي مستقيم يعرف تاريخ شعبه لا يمكنه إلا أن يشعر بالعرفان تجاه الإسلام، الذي حمى اليهود طيلة خمسين جيلا، في الوقت الذي كان العالم المسيحي فيه يلاحقهم، وحاول في العديد من المرات إجبارهم على تغيير دينهم "بالسيف". إن قصة "نشر دين محمد بالسيف" هي أسطورة موجهة، هى جزء من الأساطير التي نشأت في أوروبا أيام الحروب الكبيرة ضد المسلمين: إعادة احتلال أسبانيا من قبل المسيحيين والحروب الصليبية وملاحقة الأتراك، الذين كادوا يحتلون فيينا. وإني أشتبه في أن البابا الألماني الشريف يؤمن هو أيضا بهذه الأساطير عن إخلاص. وهذا يعني أن زعيم العالم المسيحي، وهو لاهوتي مسيحي هام بحد ذاته، لم يبذل جهدا في التعمق في تاريخ الأديان الأخرى. ترى لماذا صرح بهذه الأقوال علنا؟ ولماذا الآن بالذات؟ لا مناص من النظر إلى الأمور على خلفية الحملة الصليبية الجديدة التي يخوضها بوش ومؤيدوه الإنجيليون وحديثه عن "الفاشية الإسلامية" و"الحرب العالمية ضد الإرهاب"، بينما يتم توجيه كلمة "الإرهاب" إلى المسلمين. إن هذا الأمر بالنسبة لمن يوجه بوش هو محاولة ساخرة لتبرير الاستيلاء على مصادر النفط. وهذه ليست المرة الأولى التي تلبس فيها المصالح الاقتصادية الجرداء قناعا دينيا، وكذلك ليست المرة الأولى التي تتحول فيها حملة نهب إلى حملة صليبية. وإن خطاب البابا ليندمج بشكل جيد في هذه المساعي. ولا أحد يعرف ما هي النتائج الممكنة".

[11] تتبع د. حسن مؤنس أعداد العرب الذين وفدوا على الأندلس فألفاهم يقاربون الاثنين والعشرين ألفا ونصف الألف، وإن كان قد لفت النظر إلى خصوبتهم فى الإنجاب، مع ملاحظة أنهم أكثروا من الزواج بنساء البلاد، مضيفا أنهم كانوا يأتون إلى الأندلس دون زوجاتهم، وهو ما لا أوافقه عليه، إذ السؤال هو: هل كانوا يطلقون زوجاتهم قبل أن يفدوا على الأندلس أم هل كانوا يتركونهن معلقات طوال حياتهن ما دام الذى يذهب إلى هناك لا يعود عادة كما يقول هو نفسه (ص432/ هـ1)؟ ثم الأولاد، ماذا يحدث لهم بعد أن يتركهم آباؤهم إلى الأبد؟ لو كان هذا صحيحا لصار مشكلة اجتماعية وإنسانية لا يمكن أن تمر على العلماء والمؤرخين والفقهاء والحكام مرور الكرام. فأين الحديث فى كتب أسلافنا عن هذه القضية لو كان الأمر كما يقول؟ اللهم إلا إذا قلنا إنه لم يَكُ يأتى إلى الأندلس سوى العزاب. لكن أين الدليل؟ وهل هذا من سنة الحياة؟ بل هل هذه هى عادة العرب فيما فتحوه من بلاد؟ يمكن أن نقول إن كثيرا من الفاتحين كانوا يأتون وحدهم فى مبدإ الأمر، ثم بعد أن يستقروا يرسلون فى استقدام أسرهم: زوجات وأولادا. ثم هل كل الذين أتوا إلى الأندلس كانوا من الفاتحين ليس إلا؟ إن هناك من أَتَوْا فى فترات السلم، فلا يعقل أن يترك كل هؤلاء زوجاتهم أولادهم ويأتوا خفافا؟ وهناك أيضا الولاة وأمثالهم. فهل كان هؤلاء يفدون إلى الأندلس دون زوجات وأولاد؟ وعلى غير هذا النحو يصعب علىَّ تماما أن أتصور الأمر أو أتقبله (انظر كتاب د. مؤنس: "فجر الأندلس"/ العصر الحديث ودار المناهل/ بيروت/ 1423هـ- 2002م/ 408- 409، 418، 526). وقد نقل هو نفسه، ، عن ابن حزم أنه كان بالأندلس عرب لم يقترن أحد منهم بنساء الأندلس (ص418). ولا أظن هؤلاء هم الوحيدين الذى كانوا كذلك. والواقع أن عبارة د. شوقى ضيف أكثر دقة حين يقول إن كثيرين فى الجيش الفاتح كانوا يتزوجون من الإسبانيات (انظر كتابه: "تاريخ الأدب العربى- عصر الدول والإمارات (الأندلس)/ دار المعارف/ 46).

[12] انظر ص459- 461 من كتاب د. حسين مؤنس: "فجر الأنلس" لترى كيف كان انتشار الإسلام قويا فى تلك البلاد منذ فترة مبكرة. فما بالنا بعد أن استقرت الأمور للحكم الإسلامى هناك؟ ويضيف، ، فى مواضع أخرى من الكتاب (ص464- 465، 472، 526- 528) أن الإسبان قد أسلموا واستعربوا بسرعة كبيرة، فأصبح المسلمون يشكلون معظم السكان، وسجلت أعمالهم صفحة مشرقة فى تاريخ الإسلام. كما أدى التزاوج بين الفاتحين وأهل البلاد إلى أن صار الفصل بين الفريقين أمرا عسيرا.

[13]انظر مثلا د. على مظهر/ محاكم التفتيش فى أسبانيا والبرتغال وغيرها/ المكتبة العلمية/ 17. ويقدر البعض عدد من تم تعذيبهم من مسلمى غرناطة ثلاثة ملايين (المرجع السابق/ 22). وذكر ستانلى لين بول أن عدد من نُفِىَ (نُفِىَ فقط) من المسلمين بعد سقوط غرناطة ثلاثة ملايين (انظر ترجمة كتابه: "قصة العرب فى أسبانيا" بترجمة على الجارم ضمن "الأعمال النثرية الكاملة لعلى الجارم"/ 425). فهل يظن ظان أن العرب كانوا يشكلون فى غرناطة وحدها كل هذا العدد؟ ودعنا ممن قُتِل أو بقى هناك من المسلمين لم يغادر البلاد وتنصر أو كتم إسلامه وظل يمارسه سرا حتى مات. وحتى تتضح الصورة مزيدا من الاتضاح أنبه إلى أن المؤرخين يقدرون عدد سكان الأندلس (الأندلس كلها لا غرناظة فحسب) فى عهد المنصور بن ابى عامر، أى قبل انتهاء الحكم الإسلامى هناك بنحو خمسمائة عام، بثلاثين مليون نسمة تقريبا (انظر د. أسعد حومد/ محنة العرب فى الأندلس/ ط2/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت/ 1988م/ 6). وقد ذكر المؤرخون الغربيون أن نصارى الأندلس بعد عام 1171م قد صاروا نادرين. أى أن الدولة الإسلامية آنذاك كانت فى الأغلب الأعم مسلمة (المرجع السابق/ 196). هذا عن المسلمين فى غرناطة. فماذا عنهم فى المدن الأخرى التى سقطت فى أيدى النصارى قبل غرناطة؟ لم يكن الحال مختلفا كثيرا فى الواقع، وكان أمام المسلمين فى تلك المدن إما أن يَبْقَوْا فيتعرضوا للتنصير والعنت وإما أن يرحلوا. ولم يضع التنصر حلا لتعاستهم، إذ ظل النصارى يسخرون منهم ويعتدون عليهم. وإذا عاد أحدهم عن النصرانية التى أُكْرِه عليها حُكِمَ عليه بالقتل وصودرت أمواله. وكثيرا ما تم تحويل المساجد إلى كنائس. وما أسهل أن يتحول المسلم آنئذ إلى رقيق ليس له أية حقوق. وكان البابا فى روما يدعو حكام تلك الممالك إلى التنكر لما قطعوه مع المسلمين عند تسلمهم تلك المدن من عهود بحجة أن المسلمين كفرة، وينبغى ألا يقام أى اعتبار للعهود التى تُقْطَع معهم ولا للأيمان التى تُعْطَى لهم. وتمت عمليات تهجير جماعية للمسلمين الذين لم يتنصروا. أما عند اضطرار الدولة لترك المسلمين مؤقتا دون تهجير فقد كانت تخلى بين طوائف الشعب وبينهم كى تعتدى عليهم وتغتصب ممتلكاتهم وتسترقّهم دون أن تتدخل لحمايتهم وكأنها لا ترى ولا تسمع. ولم تؤد الاحتجاجات والثورات الإسلامية على هذه الأوضاع المجحفة إلى أى تغيير (السابق/ من 203 لعشرات الصفحات).

[14]See Philip Hitti, The Arabs- A Short History, P. 168.

[15] انظر محمد عبد الله عنان/ دولة الإسلام فى الأندلس- ج4 نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصِّرين/ 430.

[16]من مقدمة فارناند برودال لكتاب د. لوى كاردياك/ الموريسكيون المسلمون والمسيحيون- المجابهة الجدلية 1492- 1640 مع ملحق بدراسة عن الموريسيكيين بأمريكا/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى/ تونس/ 1983م/ 16.

[17] المرجع السابق/ 148/ هـ1.

[18] انظر المرجع السابق بدءا من ص 145 إلى آخر الكتاب حيث يدور الحديث عن المورسكيين فى أمريكا.

[19] وفى الترجمة التى قام بها ذوقان قرقوط لكتاب ليفى بروفنسال: "حضارة العرب فى الأندلس" (دار مكتبة الحياة/ بيروت/ 14) نقرأ: "ما من مدينة من مراكش على الإطلاق يأهل ولو جزءا منها الموريسك المسلمون المطرودون من أسبانيا إلا وتحتفظ بشغف حتى الآن بطابع مدينتها الأندلسية"، كما نجد (ص30) أن المصطلح المستخدم للمورسكيين الذين انتقلوا إلى بلاد المغرب العربى هو "الإسبان المسلمون" لا "العرب".

[20] انظر http://montadajbala.ahlamontada.net/t3602-topic وقد نقل د. شحلان هذا الكلام عن ليفى بروفنسال (E. Lévi-Provençal,L'Espagne musulmane au Xe siècle: Institutions et vie sociale, Larose, Paris, 1932, 1, P. 75 ).

[21] فى كتابه : "فجر الأندلس" (ص8) يذكر د. حسين مؤنس أن أمهات الغالية العظمى من العرب والبربر فى الأندلس كن أسبانيات.

[22] تحت عنوان "موريسكيون أم أندلسيون؟" كتب أحمد الطاهرى بموقع "الأندلس- مورسكيون أندلسيون" المغربى (http://moriscosandalusies.com/?p=441 بتاريخ 25/ 7/ 2014م) ما يلى: "لعل في إجماع الدارسين على تبنّي مُصْطلح "الموريسكيين"، اقتناعا أو تقليدا، ما يُؤكد تواطؤ النُّخَب العلمية الضّمني مع رجالات السياسة والكنيسة المسؤولين عن حدوث إحدى أكبر الفظائع في تاريخ الإنسانية. ولا يخفى عن مُطَّلِعٍ طابعُه المُتَحَيّزٌ الذي يُحِيل على مجموعة بشرية يُفْترض أنها أجنبية عن شبه جزيرة أيبيريا. ويتعلق الأمر بلفظٍ مُبْتَدَعٍ من طرف القطاعات الأكثر تعصّبا ضمن المجتمع الإسباني في وصف الأمة الأندلسية التي تعرّضت للمُصادَرة والتقتيل والتنكيل والطرد من بلدها. فعبارة "مُورُو"، والتصغير منها "مُورِيسْكو" الـمُسْتعْمَلان على أوسع نطاق بين النصارى الأيبيريين الكاثوليك لتمييز المُختلفين عنهم من المسلمين واليهود، تُحيل على أصل مغربي مُفترَض لكافة الأندلسيين باعتبارهم، طمْسا للحقائق، مُحْتلين لشبه الجزيرة، على إثر عبور طارق بن زياد وجنده البربري مضيق جبل طارق منذ نحو عشرة قرون خلت عن عملية طردهم النهائي خلال سنوات 1609 1614. ومن المعلوم أن الجذر اللغوي لِلّفظ مُشتق من موريطانية، وهو الاسم الأمازيغي القديم الذي كان يُطلق على بلاد المغرب المصاقِبة لشبه جزيرة أيبيريا. والجدير بالملاحظة أن الأندلسيين الذين تعرّضوا للتضييق والتنصير والطرد من وطنهم ما وافقوا يوما على تسميتهم: "الموريسكيين"، المُبتَدَعَة من طرف جلاديهم. ولا يخفى عن مُطّلِعٍ على تاريخهم كيف ظلوا مُسْتمْسِكين بهويتهم الأندلسية، مُفتخرين بكونهم ورثة حضارة وثقافة كوْنِيَتَيْن، سواء خلال مُقَامهم بالجزيرة الأيبيرية أو بعد طردهم منها. ولا تُعْوِزُنا الدلائل الكاشفة عن إصرارهم على نعْت أنفسهم بأهل الأندلس أو بـ"الأندلس المسلمين" حسبما ورد مُوَثقا في كتابات مشاهير نُخَبهم الناجية من محاكم التفتيش. وبالمثل فقد ظل مُعظم أهل القلم، مغاربة وأفارقة ومشارقة، طوال العصر الحديث ينعتونهم بـ"أهل الأندلس، وإن كانوا الآن نصارى ففيهم رأفة وتحَنُّّن ومَيْل إلى الإسلام" على حد توضيح أحدهم. وحتى بعد طرْدِهم واستقرار جماعاتهم بمختلف أنحاء دار الإسلام ظلت حوليات تاريخ المغرب وإفريقية وعامة الناس يصِفونهم بـ"الأندلسيين" أو بـ"الأمم الجالية من جزيرة الأندلس" حسب تعبير الشيخ محمد الباجي المسعودي صاحب كتاب "الخلاصة النقيّة في أمراء إفريقيّة". وغني عن البيان أن محاكم التفتيش الإسبانية هي التي دأبت على نعتهم بـ"النصارى الجُدُد الموريسكيين" أو"النصارى الجُدُد من المور" باعتباره المصطلح القانوني الذي يُمَيّز وضعية الأندلسيين الـمُنَصَّرين عمن سواهم من قدامى النصارى الأيبيريين. ولا يخفى كيف تحرّك المتطرفون من رجال الدين والمؤسسات الكنسية وقطاعات واسعة من النُّخَب المجتمعية المتشبِّعة بروح الكراهية تجاه الأندلسيين لعزلهم عن غيرهم من سكان شبه الجزيرة وتوجيه التهم والنعوت الصادمة لهم. وتزخر الوثائق الرّسمية والحوليات التاريخية الإسبانية بعبارات القذف في حقهم، من شاكلة "الكلاب من المور" و"العِرْق الموريسكي" و"البذرة العَفِنة"، إلى ما عدا ذلك من العبارات البذيئة التي يأنف المرء عن ذِكْرها. ولم يتردد الراهب فراي نيكولاس ذيل ريو عن وصف الأندلسيين بـ"الطائفة الخبيثة" ضمن التقرير الذي رفعه إلى الملك فليب الثاني يوم 13 يونية 1606. وسرعان ما تطورت الأمور في اتجاه عزل الأندلسيين سياسيا واتهامهم بـ"الطابور الخامس" المتآمر مع العثمانيين وأمراء بادس ببلاد الريف ضد الدولة الإسبانية. وهو الاتهام الخطير الذي تمّ تضمينه في قرار الطرد الملكي كالتالي: "إن هؤلاء الموريسكيين بعِنادهم وتصَلّبهم قد حاولوا التآمر ضد تاجي الملكي وضد الممالك الإسبانية، وقد طلبوا النجدة من السلطان التركي ومن أمراء آخرين". ويتعلق الأمر بتمهيد الرأي العام الإسباني والمسيحي على وجه العموم لقبول إحدى أخطر عمليات التطهير العرقي في التاريخ. وهو ما يتجلى بوضوح من خلال تصريح رجال الكنسية على لسان الأسقف الشهير مارتين ذي سالفاتييرا مُحفِّزًا الملك والسلطة السياسية للإقدام على تلك الخطوة المؤلمة بقوله: "إن من أعظم الواجبات الملقاة على جلالتكم تطهير كافة أنحاء هذه الممالك من الطائفة البغيضة من أتباع محمد". ولا يخفى كيف تمّ منع تداوُل اللغة العربية بكافة أنحاء شبه الجزيرة الأيبيرية، إذ صدرت الأوامر صارِمَةً عن محاكم التفتيش بَدْءًا من سنة 1561م بإحكام الرّقابة على الأندلسيين "ومَنْعهم من القراءة والكتابة بالعربية". أردَفت السّلطات الكنسية ذلك بشن إحدى أخْرَق حمَلات الاجتثاث الفكري في تاريخ الإنسانية، إذ كانت "النصارى تقتُل وتَحْرِق كل من يجِدُون عنده كتابا عربيا أو يعرفون أنه يقرأ بالعربية". وتزخر الحوليات التاريخية بالتفاصيل المعروفة لدى العموم عن المصير المؤلم الذي أَلَمَّ بآلاف الكتب والمصنفات العربية التي تعرّضت للإتلاف والإحراق ومَحْو الآثار في أحلك موجات الجهل والظلام التي هبّت رياحها عاصفة على شعوب المنطقة. ولا يَسَعُنا في هذا المقام إلا أن ندعو المختصين وعموم المهتمين إلى تصحيح المفاهيم، بدْءا بوضع مُصْطلح "الموريسكيين" المُبْتَدَع بإسبانيا العصور الوسطى ومحاكم التفتيش بين مزدوجتين، إذ فيه حُمُولة إيديلوجية ويفتقر إلى الموضوعية. ونقترح تعويضه بعبارة "الأندلسيين الـمُنَصَّرين" الأقرب إلى الحقيقة التاريخية. ولا يخفى كيف ترسّخ مفهوم "الموريسكيين" في الوسط الأكاديمي ولدى عموم الناس بسبب غياب وجهة النظر الأندلسية وعُقْم البحث في التاريخ الحديث بالجامعة المغربية. ولا مجال للاقتناع بالتصورات الشائعة التي اخْتَزَلت هذا الفصل الخطير من تاريخ شبه الجزيرة الأيبيرية باعتباره لدى أشهر المُختصين مُجَرّد قضية اجتماعية ومُشْكِل "أقلية بدون تاريخ وطني خاص". ونسْتغرب كيف تعْمد مؤسسة التراث الأندلسي المرموقة، في ظل الوضع الحالي للدراسات الأندلسية، إلى تنظيم مؤتمر دولي بغرناطة أيام 13- 16 ماي 2009 بمشاركة جامعيين مغاربة بعنوان "الموريسكيون: تاريخ أقلية"، مع العلم أن الأندلسيين في غرناطة بالذات لم يكونوا عند الشروع في طردهم أقلية ولا أكثرية بل أمّة متكاملة ضمن مملكة أندلسية قائمة. ولا يخفى الهدف الغير المعلن من هذا المنهاج الغير الموضوعي في التحليل. فما إن يتِمّ بتر الأصل الأندلسي وحَصْر الموضوع في إطار تاريخ إسبانيا الحديث حتى يتمّ تحويل القضية إلى ما اشتهر لدى الدارسين بـ"المشكلة الموريسكية"، التي واجهتها الدولة الإسبانية الحديثة في إحدى أكبر عمليات الطمْس التي تعرّض لها تاريخ البلد وماضي أهله. وما دام الأمر يتعلق بمشكلة فلا بأس من التماس الحلول لها وإن اقتضى الأمر الإقدام على إحدى أفظع الجرائم في تاريخ الأمم مُمَثَّلاً في تقتيل وطرد أمة بأكملها. واضح أن الأمر يتعلق بتوفير غطاء أكاديمي يُبرّر تنفيذ مرسوم الطرد الصادر عن الملك فليب الثالث يوم 22 شتنبر 1609م، إذ قال: "وللقيام بما لَزِمَنا من حِفْظ مملكتنا ودَفْع ما يعرض لها اتّفق نظرُنا... على إخراج جميع الموريسكيين الذين هُمْ في تلك السّلطنة، ويُلقى بهم في بلاد البربر". ويَحِق لنا أن نتساءل: وإذا كان الباحثون الأجانب قد اسْتَبْحَروا في تناول جزئيات هذا الموضوع وتوسّعوا في نشره وتلقينه لطلابهم ومباشرة إعداد الأطروحات والرسائل الجامعية للبحث في أدق مفاصله فما هي النتائج التي أسْفرت عنها أعمال الدارسين العرب، والباحثين المغاربة على وجه التحديد، بخصوص هذا الفصل المؤلم من تاريخ الأندلس؟ لا يخفى كيف ظلت أعمال المؤرخين المغاربة وغيرهم من المختصين العرب رهينة تصورات المدارس التاريخية الأجنبية، تتأرجح بين المتداول في هذا البلد أو ذاك بالألسِنة الموروثة حَصْرًا عن عهد الاستعمار: إنجليزيا كان أو فرنسيا أو إسبانيا. ولا يتردّدون في أحسن الحالات عن ترويج نتائج أبحاث رواد المختصين من أمثال باسكوال بورونات وهنري شارل لي وهنري لوبير وغيرهم. وها هم اليوم يتناقلون نتائج أعمال المجدّدين أمثال لويس كارْدِيَاك وبِرْنارْد فانْسُون ومِيكِيل ذي إبَالزا، دون أدنى قدرة على الاجتهاد بفكرة مفيدة. أما المهتمون بالدراسات الإسبانية في الجامعة المغربية فقد ظلوا مع استثناءات قليلة منشغلين بتدريس أبجديات اللغة وتلاوة مشاهير النصوص الأدبية، بينما ظلت أقلام المُتَرْجِمين المغاربة غافلة عن نقل أمهات المصادر الإسبانية إلى أوسع القراء والمهتمين بتاريخ الأندلس في العالم العربي. وغَنِيّ عن البيان أن معظم المادة التاريخية المرتبطة بالأندلسيين المنصَّرين إسبانية. ويتعلق الأمر بما يندّ عن الحصر من الوثائق الرسمية والكنَسِية والبلدية وسِجلات الـمُوَثِّقِين وغيرها مما لم يتمكن البحث التاريخي المعاصر إلى اليوم من استيعاب كافة مضامينها. ومن أبرز أصنافها على الإطلاق، نظرا لثراء محتوياتها، "وثائق محاكم التفتيش"، التي ما زال قسم كبير منها خارج دائرة التحليل التاريخي. ناهيك عن الحوليات التاريخية وكتب تقسيم الأراضي وغيرها من المصادر الإسبانية المصَنَّفة بالقشتالية والقطلانية والبلنسية وعجمية أرغون وغيرها من الأعجميات الأيبيرية التي لم تسْترعِ الانتباه المطلوب من طرف المؤرخين المغاربة المختصين في التاريخ الحديث بما فيهم أولئك الذين قدّموا أطروحاتهم عن الفصل الأخير من تاريخ الأندلس. وتزخر دُور الأرشيف بفرنسا وإيطاليا والبرتغال وتركيا وغيرها من البلدان بوثائق إضافية. وهي الوثائق التي استقطبت اهتمام مئات الباحثين من مختلف الجنسيات الذين أنجزوا أعمالا ذات شهرة واسعة في الأوساط الأكاديمية. وما كاد القلائل من الدارسين المغاربة ينتبهون إلى غزارة هذا الصّنف من الوثائق وشرعوا في قراءة بعض نصوصها لإنجاز رسائل وأطروحات بهدف الحصول على شواهد ورتب علمية حتى توقفوا عن البحث بمجرد ولوجهم الجامعات وترقيهم في أسلاكها دون تقديم أيّ اجتهادات في موضوع الأندلسيين المُنَصَّرين بإسبانيا والبرتغال. وباستثناء بعض النصوص ذات الأهمية اللغوية والمضامين الدينية يكاد صوت الأندلسيين المنصَّرين ينعدم وسط هذا الزَّخْم التوثيقي الإسباني. ولا يخفى كيف بادر رواد المستعربين إلى الكشف عن أهمية ما يُعْرَف ضمن الدراسات الأندلسية بـ"الأدب الأعجمي" و"الموريسكي" المكتوب بالأعجميات الإسبانية والرسم العربي. حدث ذلك على إثر اكتشاف محتويات مكتبة أندلسية كاملة خلال بدايات القرن الماضي بموضع ألموناسيد ذي لا سييرا بناحية سرقسطة. وما كاد بعض المهتمين بالدراسات الإسبانية من الجامعيين المغاربة ينتبهون متأخّرين إلى هذا الكنز المعرفي حتى توقفوا عن البحث في مضامينه مُكتفين بإصدار مقالات يتيمة لم تتجاوز تحليل بعض الكلمات والمفردات اللغوية. ولم يكن الدور الملحوظ الذي لعبه الأندلسيون المطرودون في صياغة تاريخ المغرب الحديث لِيَسْتَحِثّ هِمَم الشُّعَب المختصة في الجامعات المغربية للتعمّق في دراسة هذا الموضوع. وقد ظلت معارف المغاربة بخصوصه هزيلة إلى حدّ مُخْجِل. وما دامت مصادر المعرفة غائبة عن حقل البحث الأكاديمي فمن البديهي أن تُسْرِف الأقلام المهتمة بهذا الموضوع في ترديد العموميات والتعبير عن المشاعر وتركيب الجُمَل المزركشة بعبارات الأسى والتحَسّر. وسواء في كتاباتهم العربية أو الفرانكفونية ما زالوا إلى اليوم مُقلّدِين ما كتبه رّواد الباحثين الأجانب أمثال بيِيرْ دان ودو كاستري وكْوَانْدرو وكوثالبيس بوستو عن قراصنة سلا والجمهورية الأندلسية بالرباط، و"الموريسكيين" بالمغرب، دون تقديم إضافات تُذْكَر لا على مستوى مناهج البحث ولا بخصوص المادة التاريخية ولا بإثارة قضايا جديدة. غاية ما تفَتّقت عنه قريحة بعضهم تلوين الأساليب واستبدال بعض المفاهيم من شاكلة "القرصنة" بـ"الجهاد البحري والمقاومة" أو ما إلى ذلك من تعابير. وإذا كان المؤرخون والمستعربون الإسبان على اختلاف توجهاتهم الفكرية قد بذلوا جهدا كبيرا لتغطية هذه الفترة من تاريخ بلدهم وإثبات تصَوّراتهم عمّن اعتبروه بمفهومهم: "موريسكيين" فما زالت المكتبة المغربية إلى اليوم شبه فارغة من البحوث المفيدة عن مآل الأندلسيين المُهَجَّرين الذين استقرّوا بمختلف مدن ومناطق البلاد. وليس أدل على العُقْم المنهجي والركون للتقليد من عدم تحفظ الباحثين المغاربة وعموم الدارسين العرب المعاصرين من اقتباس مصطلح "الموريسكيين"، الذي ينِمّ ضِمْنيا عن التمييز العنصري والديني الذي ظل الإسبان الكاثوليك يكنّونه للأندلسيين: مسلمين ويهودا. ولم يتردد بعضهم عن الحديث عن "مقاومة عربية" و"طرد للعرب" من الأندلس إلى ما عدا ذلك من العبارات التي تنم عن إغفال أبجديات التاريخ الأندلسي. وغني عن البيان أن عرب الأندلس كانوا خلال القرون الهجرية الأولى مجرد عنصر متفاعل مع بقية العناصر الإثنية المغربية والأيبيرية، عجمية وبربرية. وهي العناصر التي تشكلت منها حينئذ هوية مجتمعية جامعة عُرِفت في دار الإسلام بـ"الهوية الأندلسية". ومن الفاضح تاريخيا أن نتحدث عن قومية أو مقاومة عربية بشبه الجزيرة الأيبيرية خلال بدايات العصر الحديث! وليس أقل افتِضاحا أن تظل أصوات جامعيين مغاربة مُسْتمسكة إلى اليوم في ندواتها ومقالاتها بترديد مفاهيم محاكم التفتيش الكاثوليكية دون أدنى تحفظ، متنكرة لذاكرة أمّة بأكملها من الأندلسيين المنصَّرين بحدّ السّيف والمُهَجَّرين قسْرا من بلدهم، وقد ظلوا مُسْتمسكين إلى حد الموت بهويتهم الأندلسية، رافضين نعتهم بـ"الموريسكيين". وما إن التَفَتْنا إلى هذا الموضوع الذي لا يَنْدَرج ضمن الحقل المعرفي الذي انصَبَّت عليه أبحاثنا المرتبطة بالعصر الوسيط حتى تجلى الفراغ الواسع الناتج عن إهمال الدارسين المغاربة المختصين في التاريخ الحديث وعجزهم عن أداء رسالتهم رغم أغلبيتهم العددية. ولذلك بادَرَت مؤسسة الإدريسي المغربية الإسبانية للبحث التاريخي والأثري والمعماري بالتعاون مع المركز الثقافي الإسلامي ببلنسية منذ سنة 2007 إلى تكوين مجموعة بحث مغربية إسبانية برتغالية وفق مقتضيات قانونها الأساسي لانتشال ما أمكن من ذاكرة الأندلسيين الشفوية. وقد عمدنا في سنة 2009 إلى تنظيم مؤتمر دولي بجامعة بلنسية حول "الموريسكيين" البلنسيين، ووقّعْنا اتفاقية تعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة تطوان على أمل أن نُقَدّم تكوينا مختصّا لطلاب العلم وفتح الآفاق أمام الدارسين والمهتمين للبحث في هذا الموضوع المُهْمَل والغامض. وفي نفس السياق شاركنا أيام 23- 30 مارس 2013 المنصرم في مهرجان تطوان الدولي التاسع عشر لسينما البحر الأبيض المتوسط بمائدة مستديرة مع أفلام وثائقية في موضوع "السينما وتاريخ الموريسكيين- وجهات نظر أخرى" بحضور خبراء ومُختصين منهم من أمضى نحو 12 سنة في التنقيب عن مضامين الوثائق المخطوطة وإحصاء أعقاب الأندلسيين المُنَصَّرين بأسبانيا. ولا نسْتغرب في ظل الفراغ العلمي الهائل أن تنزلق الأقلام غير المختصة من دائرة البحث التاريخي إلى ترديد مقالات الغير وخرْبشة الكلام بالأقاصيص المُسَلِّيَة وعقد المجامع لاجترار الهذر بمشاع القيل والقال. وها هي أصوات هؤلاء وأولئك صادحة بالجهالات في محاولة لتحويل الأندلسيين وحضارتهم من موضوع تاريخي إلى سلعة في أسواق السّاسة، تماما كما دأب أمثالهم من المنتفعين والمتسلقين وأشباه الباحثين على التسوّق بالنفخ في الكلام عن شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي وبطولات أهل الريف يُرَدّدُون مقالات غيرهم، وهُمْ أعجز الناس وأكسلهم عن البحث في التاريخ".

[23] ليفى برفنسال/ حضارة العرب فى الأندلس/ ترجمة ذوقان قرقوط/ 16- 17.

 

[24] سبق أن ناقشت د. حسين مؤنس بخصوص هذا الرأى، وبينت مدى مجافاته لمنطق الحياة والواقع.

 

[25] انظر د. أسعد حومد/ محنة العرب فى الأندلس/ 240.

[26] عادل سعيد بشتاوى/ الأندلسيون المواركة- دراسة في تاريخ الأندلسيين بعد سقوط غرناطة/ مطابع إنترناشيونال برس/ القاهرة/ 1403هـ- 1983م/ 258.

[27] انظر ص150 من كتاب د. لوى كاردياك: "الموريسكيون المسلمون والمسيحيون"/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى.

[28] Stanley Lane-Pool, TheMoors in Spain, New York & London, 1903, PP. 270- 271

[29] مشهورة جدا فى تاريخ الأندلس شكوى ألفارو القسيس القرطبي من شبان النصارى فى الأندلس، إذ يقول: "يطرب إخواني المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء و الفلاسفة المحمديين، لا لتفنيدها بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق. فأين نجد اليوم علمانيا يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ وا أسفا! إن شباب المسيحيين، الذين هم أبرز الناس مواهبَ، ليسوا على علم بأي أدب و لا أية لغة غير العربية، فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة. وإنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية إذا ذُكِرت الكتب المسيحية بأن تلك المؤلّفات غير جديرة بالتفاتهم. لقد نسي المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد منهم واحد في الألف قادر على إنشاء رسالة إلى صديق بلاتينية مستقيمة! ولكن إذا استدعى الأمر كتابة العربية فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة! بل لقد يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم" (جوستاف إ. فون جرونباوم/ حضارة الإسلام/ ترجمة عبد العزيز توفيق/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/ مكتبة الأسرة/ 1997م/ 81- 82). فإذا كان هذا هو موقف الشبان النصارى الإسبان من لغة القرآن فما بالنا بالشبان والرجال والشيوخ والنساء المسلمين؟ وما بالنا بموقف المبدعين من تلك اللغة؟ ولقد كان كثير من أولئك المبدعين يهودا ونصارى، فما بالنا بالمبدعين المسلمين؟ وانظر مثلا ما كتبه المستشرق الإسبانى آنخل جنثالث بالنثيا عن الشعراء والكتاب اليهود فى الأندلس واتخاذهم اللغة العربية وسيلتهم فى هذا الإبداع وعكوفهم على الثقافة العربية حتى بعد انطفاء الحكم الإسلامى فى الأندلس، وكذلك تصويره لانكباب النصارى على الثقافة العربية على نفس النحو (تاريخ الفكر الأندلسى/ ترجمة د. حسن مؤنس/ 26- 29، 486 وما يليها).

[30] فى "تاريخ الفكر الأندلسى" يؤكد المستشرق الإسبانى آنخل جونثالث بالنثيا أن أهل البلاد، أى الأوربيين من سكان شبه الجزيرةا لأيبيرية، قد تعلموا اللغة العربية، إذ كانت لغة الدولة والدين فى الإسلام، وأقبلوا على اعتناق الإسلام فى حرية ورضا، وتم التزاوج فى سهولة ويسر بينهم وبين العرب الفاتحين، ووجدوا فى الإسلام الطمأنينة والكرامة. بل لم يمض على فتح البلاد الكثير حتى انصهر المستعربون فى الفاتحين العرب إلى درجة قاربت التلاشى والذوبان فيهم، ولم يعودوا يعرفون سوى اللغة العربية ومطالعة آثارها والكتابه بها مما أثار فزع بعض رجال دينهم (انظر الكتاب المذكور/ ترجمة د. حسن مؤنس/ 1- 2، 5).

[31] "In the early 17th century the Spanish inquisitors turned their attention to Muslims. Between 1609 and 1614 more than 250,000 Spanish Muslims were driven out of Spain. Later, the Spanish Inquisition sought to discipline persons suspected of practicing Protestantism".

[32] "(Spanish: “Little Moor”), one of the Spanish Muslims (or their descendants) who became baptized Christians...Though they were racially indistinguishable from their Old Christian neighbours (Christians who had retained their faith under Muslim rule), they continued to speak, write, and dress like Muslims".

[33] إنتاج 2005م.

 

[34] أشعر بالرضا وأنا أقرأ ما يقوله بعض كبار المتخصصين فى هذا الموضوع من أن الأغلبية الساحقة للمورسكييين هم مسلمون من أهل شبه الجزيرة الأيبيرية، وليسوا عربا فقط. لقد كنت أكرر ذلك دائما فى محاضراتى وكتاباتى، لكنى لم أعكف على دراسته إلا فى الأيام الأخيرة، فألفيت عددا مهما من الباحثين يقولون ما كنت أقوله من قبل اعتمادا على مجرد المنطق العقلى المهتدى بخطوط التاريخ الأندلسى العامة.

[35] ومن هنا رأينا السلطات الإسبانية تفرض عليهم بعد التنصير أسماء أسبانية: فمثلا سُمِّىَ الأميران سعد ونصر، من أمراء البيت الحاكم لغرناطة قبيل سقوطها، بالدوق فرناندو دى جرانادا ودون خوان دى جرانادا، وقائد ألمرية يحيى النيار باسم الدون بيدرو دى جرانادا، وابنه على باسم الدون ألونسو دى جرانادا فنيجاس، وعميد آل الثغرى باسم جونثالفو فرنانديث ثجرى، وشابّ من سلالة الأمويين حكام الأندلس القدامى باسم فرناندو دى كردوفا وفالور، وابن عبو باسم ديجو لوبيث... إلخ (محمد عبد الله عنان/ دولة الإسلام فى الأندلس/ 4/ 315، 366، 269). وهناك أيضا دييجو هرنانديز، وهو اسم رجل مسلم من طليطلة أُجْبِر على التنصر وقُدِّمَتْ فيه شكوى لمحكمة التفتيش. ومثله إنيجو هرارو، الذى كان يتأذى من نوم كلبة زوجته النصرانية معهما فى الفراش، فشكته إلى نفس المحكمة. ولدينا أيضا اسم السيدة جوانا دى توريس، والصياد جينيس دياز، والعبد جوان بوتستا، والمحارب القديم أندريس لوبيز، وألكسندر كاستالانو، ومارونيمو دى كاريون، وألفارو دى كوردوبا، ورودريجو إل روبيو، وماريانا فرانكو، وبرينادا سواريز، ولوب هنستروسا، وماتيو بيريز، وبدرو زامورانو، وجوان كاراتون، والفقيه ميجويل كافانى... إلخ (د. لوى كاردياك/ الموريسكيون المسلمون والمسيحيون/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى/ 20- 22، 64، 69- 70، 72- 74، 78).

[36]انظر د.على مظهر/ محاكم التفتيش/ 26 وما بعدها، 82، ومحمد عبد الله عنان/ دولة الإسلام فى الأندلس- ج4 نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصِّرين/ الفصل الثانى كله من الكتاب الثالث بدءا من ص328، وهو بعنوان "ديوان التحقيق الإسبانى ومهمته فى إبادة الأمة الأندلسية".

[37]انظر د. لوى كاردياك/ الموريسكيون المسلمون والمسيحيون/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى/ 27، 32، 44، 81- 82، 90 وما بعدها، وكتابى: "نظرات إسلامية فى الموسوعة العربية الميسرة"/ مكتبة السوادى للتوزيع/ جدة/ 1415هـ- 1995م/ 66- 69.

[38]انظر د.على مظهر/ محاكم التفتيش/53- 54، 84- 86، 97- 98، ومحمد عبد الله عنان/ دولة الإسلام فى الأندلس- ج4 نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصِّرين/ الفصل الثانى كله من الكتاب الثالث بدءا من ص328، وهو بعنوان "ديوان التحقيق الإسبانى ومهمته فى إبادة الأمة الأندلسية". وكان مسلمو أسبانيا يصفون محاكم التفتيش بأنها محاكم الشيطان، وأنها تقوم على العجرفة والاختلاس واللواط والفجور والسباب والجحود والغرور والتكبر والاستبداد والسرقة والجهل والظلم والظلام، وأن رجالها حلفاء الشيطان (انظر لوى كاردياك/ الموريسكيون المسلمون والمسيحيون/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى/ 103- 104). والواقع أن هذه الصفات لا تمثل واحدا على المليون من الحقيقة البشعة لتلك المحاكم الإبليسبة طبقا لما ذكره المؤرخون من الإسبان والأوربيين أنفسهم، وهم الذين عرفنا وعرف العالم كله منهم حقيقة أمرها.

[39]انظر لوى كاردياك/ الموريسكيون المسلمون والمسيحيون/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى/ 111- 113.

[40]انظر كتابى: "الحضارة الإسلامية- نصوص من القرآن والحديث ولمحات من التاريخ"/ دار الفردوس/ 1432هـ-2011م/ 70- 71.

[41] عندمرور أربعة قرون على سقوط الأندلس أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا، وأصدرمرسوما سنة 1808 م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الإسبانية. ولنستمع إلى هذه القصة التي يرويها لنا أحد ضباط الجيش الفرنسي الذي دخلإلى إسبانيا بعد الثورة الفرنسية، وهو الكولونيلليموتسكي أحد ضباط الحملة الفرنسية في إسبانيا: "كنت سنة 1809 ملحقا بالجيشالفرنسي الذي يقاتل في إسبانيا، وكانت فرقتي بين فرق الجيش الذي احتل مدريد العاصمة، وكان الإمبراطور نابيلون أصدر مرسوما سنة 1808 بإلغاء دواوين التفتيش فيالمملكة الإسبانية. غير أن هذا الأمر أُهْمِل العمل به للحالة والاضطرابات السياسية التي سادت وقتئذ. وصمم الرهبان الجزوبت أصحاب الديوان الملغى على قتل وتعذيب كل فرنسي يقع في أيديهم انتقاما من القرار الصادر وإلقاءً للرعب فيقلوب الفرنسيين حتى يضطروا إلى إخلاء البلاد فيخلوا لهم الجو. وبينما أسير في إحدى الليالي أجتاز شارعا يقل المرور فيه من شوارع مدريد إذ باثنين مسلحين قد هجما عليّ يبغيان قتلي، فدافعت عن حياتي دفاعا شديدا، ولم ينجني من القتل إلا قدوم سرية من جيشنا مكلفة بالتطواف في المدينة، وهي كوكبة من الفرسانتحمل المصابيح وتبيت الليل ساهرة على حفظ النظام. فما إن شاهدها القاتلان حتى لاذا بالهرب. وتبين من ملابسهما أنهما من جنود ديوان التفتيش. فأسرعت إلى المارشال سولتالحاكم العسكري لمدريد وقصصت عليه النبأ، وقال: لا شك بأن من يُقْتَل من جنودنا كل ليلة إنما هو من صنع أولئك الأشرار. لا بد من معاقبتهم وتنفيذ قرار الإمبراطور بحل ديوانهم. والآن خذ معك ألف جندي وأربع مدافع وهاجم دير الديوان واقبض على هؤلاء الرهبان الأبالسة". ثم يتابع قائلا: "أصدرتُ الأمر لجنودي بالقبض على أولئك القساوسة جميعا وعلى جنودهم الحراس توطئةً لتقديمهم إلى مجلس عسكري، ثم أخذنا نبحث بين قاعات وكراسيّ هزازة وسجاجيد فارسية وصور ومكاتب كبيرة. وقد صنعت أرض هذه الغرفة من الخشب المصقولالمدهون بالشمع. وكان شذى العطر يعبق أرجاء الغرف فتبدو الساحة كلها أشبه بأبهاءالقصور الفخمة التي لا يسكنها إلاملوك قصروا حياتهم على الترف واللهو. وعلمنا بعد أنَّ تلكالروائح المعطرة تنبعث من شمع يوقد أمام صور الرهبان. ويظهر أن هذا الشمع قد خلط بهماء الورد. وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب. إننا فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها، فلم نجد شيئا يدل على وجود ديوان للتفتيش، فعزمنا على الخروج من الدير يائسين. كان الرهبانأثناء التفتيش يُقْسِمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهما باطلة، وأنشأزعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس توشك عيناه أن تطفرا بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير. لكن اللفتنانت ديليل استمهلني قائلا: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنته حتى الآن؟قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئا مريبا. فماذا تريد يا لفتنانت؟ قال: إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف، فإن قلبي يحدثني بأنالسر تحتها. عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أنيرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفةعلى حدة. وكنا نرقب الماء، فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف. فصفق الضابطدي ليل من شدة فرحه، وقال: ها هو الباب،. انظروا. فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف. كانقطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتبرئيس الدير. أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق، فاصفرت وجوهالرهبان، وعلتها الغبرة. وفُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعتإلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيشالسابقين. ولما هممت بالنزول وضع راهب يسوعى يده على كتفي متلطفا، وقال لي: يابني، لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال. إنها شمعة مقدسة. قلت له: يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء. وسنرى من النجس فينا، ومن القاتل السفاك. وهبطتعلى دَرَج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام به حلقة حديدية ضخمة، ورُبِطَتْ بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها. وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاةلمحاكمة الأبرياء. ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدتعلى مسافات كبيرة تحت الأرض. رأيت فيها ما يستفز نفسي ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي. رأينا غرفا صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفا على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممدا بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان.ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاءالخارجي. وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها. كان السجناء رجالا ونساءً تتراوحأعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين. وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء وتحطيم أغلالهم، وهم في الرمق الأخير من الحياة. كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب. وكان السجناء جميعا عرايا حتى اضْطُرّ جنودنا إلى أن يخلعواأرديتهم ويستروا بها بعض السجناء. أخرجنا السجناء إلى النور تدريجيا حتى لا تذهب أبصارهم. كانوا يبكون فرحا، وهم يقبّلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذابالرهيب وأعادوهم إلى الحياة. كان مشهدا يبكي الصخور. ثم انتقلنا إلى غرف أخرى فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان. عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب منها آلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري. كانوا يبدؤون بسحق عظام الأرجل ثم عظام الصدر والرأس واليدينتدريجيا حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم. هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين. ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماما يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة. وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة. وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلكحتى يموت. وآلةأخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة. كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره. فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين،وقطعه إِرْبًا إِرْبًا.كما تم العثور على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍحتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين. وتم العثور على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبونوهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم".

[42]وفى المادة المخصصة فى النسخة العربية من موسوعة "ويكيبيديا" للشهاب الحجرى، وهو مسلم موريسكى هرب من أسبانيا بعد سقوطها فى يد النصارى، واستقر فى بلاد المغرب حيث عمل مترجما ودبلوماسيا بالبلاط السلطانى هناك، أنه أجرى فى هولندا مفاوضات مع الأمير الهولندى موريس من أورانج حول إمكانية حدوث تحالف بين هولندا والإمبراطورية العثمانية والمغرب والموريسكيين، ضد العدو المشترك: أسبانيا، إذ كان أكبر هَمّ أفوقاى هو استرجاع الأندلس وإقناع الحكام بالتوجه إلى تحريره، لكنه فشل في ذلك. وكتب أفوقاى قائلا: "جزيرة الأندلس استردادها سهل، و استرجاعها قريب... ولما دخلت في أيام المنصور مراكش وجدت عنده من الخيل نحو ستة و عشرين ألفا. فلو تحركت هذه لَفَتَحَها واستولت عليها في الحين". وأضاف محرر المادة أن هذه الدعوة لم تصدر من الشهاب الحجرى وحده، بل كان أغلب القادة العسكريين الأندلسيين فى الجيش المغربي يضغطون ويمهدون لدخول أسبانيا، خصوصا بعد هزيمة الأرمادا، لكن السلطان عد هذه المغامرة تهورا، وبدلا من ذلك صرف طاقة الجيش في الحرب المغربية السونغية فى الصحراء الكبرى. وقد فصل محمد عبد الله عنان بعض الشىء فى الكلام عن حياة الشهاب الحجرى ومغامرته فى الهروب من أسبانيا والاضطهادات الشنيعة التى وقعت على المسلمين هناك (انظر كتابه: "دولة الإسلام فى الأندلس- ج4 نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصِّرين/ 502- 504). وقد صدرت رحلة أفوقاى المعروف بـ"اشهاب الحجرى" عام 2004م عن دار السويدى بأبو ظبى والمؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، بعنوان "رحلة أفوقاى الأندلسى- مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب" فى سلسلة "ارتياد الآفاق" بتحرير د. محمد رزوق. أما بالنسبة إلى استغاثات الأندلسيين بحكام الإسلام الأقوياء فإليك ما كتبه أشهر متخصص فى تاريخ الأندلس، الأستاذ محمد عبد الله عنان، عن مصير الاستغاثة التى بعثوا بها إلى السلطان فى مصر: "وحاول المسلمون فى يأسهم أن يلجأوا إلى معاونة سلطان مصر، فأرسلوا إليه كتبهم يصفون إكراههم على التنصر، ويطلبون إليه أن ينذر ملك أسبانيا بأنه سوف ينكل بالنصارى المقيمين فى مملكته إذا لم يكف عنهم. فنزل سلطان مصر عند هذه الرغبة وأرسل إلى فرناندو يخطره بما تقدم. وانتهز فرناندو هذه الفرصة فأوفد إلى بلاط القاهرة سنة1501 سفارته التى كان سفيره فيها بيترو مارتيرى الحبر الكاتب والمؤرخ، فأدى مارتيرى سفارته ببراعة، واستطاع إقناع السلطان بما يلقاه مسلمون الأندلسمن من الرعاية، وأن يطمئنه على مصيرهم" (دولة الإسلام فى الأندلس/ 4/ 325).

[43] ومن ذلك قول ابن إياس فى تاريخه لَدُنْ تدوينه حوادث شهر صفر 906هـ (أغسطس1500م) "عقب محنة التنصير بأشهر قلائل" كما يقول محمد عبد الله عنان (دولة الإسلام فى الأندلس/ 4/ 322): "وفيه جاءت الأخبار من المغرب بأن الفرنج قد اسْتَوْلَوْا على غرناطة، التى هى دار ملك الأندلس، ووضعوا فيها السيف بالمسلمين، وقالوا: من دخل ديننا تركناه، ومن لم يدخل قتلناه. فدخل فى دينهم جماعة كثيرة من المغاربة خوفا على أنفسهم من القتل. ثم ثار عليهم المسلمون ثانيا وانتصفوا عليهم بعض شىء، واستمرت الحرب بينهم. والأمر لله تعالى فى ذلك". وهذا كل ما كتبه ابن إياس، وهو واحد من أكبر وأشهر مؤرخى عصره. وكان الله يحب المحسنين! وبالنسبة إلى سياسة التنصير القسرى الذى اتبعتها السلطات الحكومية والكنسية فى أسبانيا آنذاك هناك كتب ودراسات كثيرة فى هذا الصدد. وآخر ما قرأت منها دراسة يوسف العلوى (Youssef El Alaoui): "L’évangélisation des morisques ou comment effacer les frontières religieuses"، وهى موجودة فى العدد 79 من مجلة "Les Cahiers de la Méditerranée" لعام 2009م/ 51- 72.

[44] وفى الفترة الحالية ينشط بعض العرب بغية الحصول على شىء من التعويض، وإن كان متأخرا، وهو مجرد تعويض معنوى، فتراهم ينبشون الرماد ليكشفوا الجمرات المحمرة تحته وينفخوا فيها بغية لفت الأنظار إلى ما حاق بأجدادنا الأندلسيين من مآس لا تفوقها سوى مآسى الهنود الحمر فى الأمريكتين، وعلى يد الإسبان وأمثالهم من الأوربيين القساة القلوب المتحجرى المشاعر. والمقال التالى، وهو للدكتور عبد الجليل التميمى الناشط فى هذا المجال، يطلعنا على لمحة من ذلك النشاط المستحدث، منشور فى صفحة الأستاذ الدكتور على المشباك، وعنوانه: "خيانة الأمة العربية والإسلامية للذاكرة الموريسكية الجريحة!"، وتاريخ نشره ‏19 فبراير، 2014م: "حملت إلينا الأنباء هذه الأيام (منتصف شهر فيفري 2014) أن البرلمان الإسباني أقر قانونا جديدا يمنح بموجبه الجنسية الإسبانية لليهود السفاريد الذين طردوا من الأندلس في مارس 1492. ووفقا للتقاريرالصحفية فإن هناك حوالي ثلاثة ملايين من اليهود سيتزاحمون على السفارات والقنصليات الإسبانية عبر العالم للحصول على الجنسية الإسبانية الموعود. وهذا ما يترجم عنقوة الخط التصاعدي للإعلام الدولي المهيمن والمتعاطف مع إسرائيل للتأثير المباشر على البرلمانيين الإسبان للموافقة على هذا القانون الجديد. وللتذكير فقط، ومع الرجع التاريخي، فقد ألقى جلالة الملك الإسباني خوان كارلوس خطابا في مارس 1992 قدم فيه اعتذارا لليهود لطردهم التعسفي من الأندلس، وأن جلالته يرفض حتى يومنا هذا أي اعتذار للمسلمين، الذين أَهْدَوْا لأسبانيا منظومة حضارية متكاملة. وللعلم كنت وجهت منذ 22 سنة إلى جلالته ثلاث رسائل في هذا المعنى راجيا من جلالته التفضل بإقرار أن ما حصل من مأساة طرد الموريسكيين لا يمكن قبوله إطلاقا وأن الدولة الإسبانية عليها واجب الاعتراف بذلك والاعتذار علانية للعالم العربي والإسلامي. إن عدم الاهتمام بالمطالبة بهذا الاعتذار المغيَّب أصلا من تفكيرنا وسلوكنا ومناهجنا التربوية والجامعية هو إدانة مباشرة لوجودنا السياسي وتنكرنا المطلق للذاكرة الموريسكية الجريحة حول تراجيديا طرد الموريسكيين من الأندلس سنة 1609. وفي هذا السياق فإن جامعات العالم العربي والإسلامي ومراكزه العديدة ومنظماته سجلت غيابها فلم تساهم للمطالبة بهذا الاعتذار، وقد طالبنا الجميع بمنح هذه الحقبة الزمنية كل الاهتمام بتدريسها وإدخالها في مناهجنا التربوية بالمعاهد وأقسام التاريخ، إلا أن أحدا لم يعر نداءنا منذ ثلاثة عقود أي اهتمام على الإطلاق سواء أكان ذلك في الجامعات العربية أو المنظمات المعنية بالثقافة والتربية والعلوم وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي. ومن المخجل لنا حقا أن يقوم أحد أبرز الأساتذة في هذا الاختصاص، وهو العلامة الفرنسي لوي كاردياك، الذي تجاوز سن الثمانين مسخرا حياته لخدمة التاريخ الموريسكي، بالمطالبة بحملة إعلامية جماعية من أجل هذا الحق التاريخي. وإنه سيكون أكثر سعادة وامتنانا إذا ما تحقق هذا المطلب. وعلى الرغم من تجاوزه سن الثمانين ونيف في خدمة التاريخ الموريسكي، سيحتفل بطريقته الخاصة! وعليه كم هو بائس حقا موقف العرب والمسلمين الذين، بحكم عدم مطالبتهم أسبانيا رسميا بالاعتذار لما حصل لطرد الموريسكيين من أندلسيتهم، ساهموا بصمتهم وعدم مطالبتهم بحزم وإصرار أسبانيا بهذا الاعتذار الحضاري وأنهم يتحملون المسؤولية الكاملة في هذا الموقف. وهي لعمري وصمة عار في جبينهم جميعا ودون استثناء. ومع هذا لم نطلب من أسبانيا منح المائة ألف موريسكي الذين احتضنتهم تونس يومئذ ووفرت لهم الأمن والأمان، وكذا الخمسين ألف الذين احتضنهم المغرب الأقصى، والثلاثين ألف الذين احتضنتهم الجزائر، وهناك بضعة آلاف احتضنتهم الدولة العثمانية، منحهم الجنسية الإسبانية، إذ مطلبنا يندرج فقط في السياق الحضاري والإنساني، وأن ما قدمه العرب لإسبانيا خلال ثمانية قرون هو أبلغ وأثمن رسالة حضارية لأسبانيا والإنسانية جمعاء. وهي مفخرتنا جميعا، بل أذهب إلى الاعتقاد أن العرب المسلمين قد خانوا تاريخهم الأندلسي والموريسكي بصفة أخص وتنكروا له، وتساؤلي: هل سيستفيق ضميرالعرب والمسلمين يوما ما لتشكيل وعي جماعي فاعل ويطالب البرلمانيين الإسبانيين أن يتبنوا موقفا مشرفا ونبيلا ويأخذوا قرارا جريئا وتاريخيا بتقديم الاعتذار الذي سوف نبقى نطالب به على الدوام؟ والتساؤل المحير: هل سيستفيق هذا الضمير العربي والإسلامي بعد هاته الأحداث الأخيرة ليتبنواموقفا تاريخيا؟ إني، مع أسفي العميق، أشكك أن يكون العرب والمسلمون في موعد مع التاريخ".

[45] انظر، على سبيل المثال، د. لوى كاردياك/ الموريسكيون المسلمون والمسيحيون/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى/ 83-86 حيث نراهم يحيطون علما بما وقع من معارك بين الإسبان والجزائر، ويتجاوبون جيدا مع ما يأتيهم من هناك من أنباء تتعلق بسير المعركة.

[46] المرجع السابق/ 91- 93، 124.

[47] انظر المرجع السابق/ 133 وما بعدها.

[48]انظر "مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب"/ 35- 36، 38.

[49]ص47.

[50]انظر محمد عبد الله عنان/ دولة المسلمين فى الأندلس- العصر الرابع/ 308- 309.

[51]وهناك موضوع آخر لا أعرف أن المسلمين المعاصرين له قد كتبوا فيه أو أشاروا له، ألا وهو الثورات الإنجليزية والفرنسية والأمريكية. ولم نعرف إلا من رفاعة الطهطاوى شيئا عن الثورة الفرنسية الثانية فى عشرينات القرن التاسع عشر حين كان رفاعة هناك إماما للبعثة المصرية التعليمية الموجودة فى باريس وواحدا من طلابها، إذ خصص، للكلام عن تلك الثورة وما شاهده من وقائعها، صفحات من كتابه: "تخليص الإبريز فى تلخيص باريز".

[52]محمد كرد على/ غابر الأندلس وحاضرها/ 47- 50.

[53] الموريسكيون | مورسكيون أندلسيون

[54][54][54] يستطيع القراء أن يقتفوا بعض آثار المورسكيين فى القارات المختلفة من خلال ما هو مكتوب عنهم فى موقع "World Organization Of Andalusian People"، الذى يشرف عليه د. جمال الأحمر. وهو، بالمناسبة، من سلالة المورسكيين. وقد تتبع بحث لقيته على المشباك عنوانه "Les morisques: expulsés ou exterminés? " البلاد التى هاجر إليها المورسكيون، فذكر منها بلاد المغرب والإمبراطورية العثمانية وفرنسا وإيطاليا والهند وبلاد ما وراء الصحراء الكبرى، وبخاصة مالى. وهو فى هذا يعتمد على ما كتبه برونو إتيين فى سلسلة مقالاته المنشورة فى عدد إبريل ومايو 2004م من "le Nouvel Observateur" بعنوان "Nos ancêtres les Sarrasins". والبحث المشار إليه منشور عام 2014 فى "journal albayane":http://www.albayane.press.ma/index.php?option=com_content&view=art icle&id=13726:etude--les-morisquesn-expulses-ou-exterminesn&catid=54:special&وفى كتاب "السفر إلى المؤتمر" لشيخ العروبة المرحوم أحمد زكى كلام عن التجاء جماعة من الأندلسيين المنفيين، إلى فرنسا حيث انصهروا فى شعبها ونفعوه بما كانوا عليه من خبرة وتفوق فى العلم والصناعة والمدنية (انظر الكتاب المشار إليه/ ط2/ المطبة الأميرية/ القاهرة/ 1311هـ- 1894م/ 434). ولعل أحمد زكى، فى هذا الكتاب الذى ألفه فى أواخر 1892م وبداية 1983م، أول من فتح الكلام عن الأندلس بعد طول صمت (انظر ص445- 446). وفيما يتعلق بتوجه طوائف من المسلمين المنفيين قسرا إلى فرنسا قرأت أن أعداد الذين خرجوا من برجوس إلى فرنسا تقدر بـ16723 تقريبا على مرتين، خلا من تسللوا إليها سرا من أراجون (انظر د. أسعد حومد/ محنة العرب فى الأندلس/ 368- 369).

[55]عرفت د. الأحمر، وهو أستاذ جامعى مغربى، منذ عدة سنوات دون أن نتقابل، يوم كنا نحن الاثنين ننشر مقالاتنا ودراساتنا بموقع "الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب" (واتا) كل من بلده، فلفت نظرى ما كان ينشره فى ذلك الموقع حول قضية المورسكيين ومطالبته هو وبعض رفاقه، بوصفهم أحفاد هؤلاء القوم، الحكومة الإسبانية بالاعتراف بحقوق المسلمين الذين طُرِدوا من الأندلس أو نُصِّروا قسرا وإكراها، واغتُصِبَتْ أموالهم. ولم أظن وقتها أننى سوف أكتب فى يوم من الأيام فصلا طويلا كهذا الفصل عن المورسكيين.

[56]فى كتاب "غابر الأندلس وحاضرها" لمحمد كرد على (ص138- 139) أن جماعة من مسلمى الأندلس المهجَّرين قد وصلوا إلى مصر والشام والقسطنطينية وغيرها من بلاد المسلمين.

ماجد مسفر العتيبي معجبٌ بهذه المشاركة.

رد مع اقتباس

إبراهيم عوض • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: صفر 1426

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

189

220

طارق منينة

07/10/1435 - 03/08/2014, 10:42 pm

2

0

إعجابات

جزاكم الله خيرا يادكتور إبراهيم عوض.

والنص هو من كتاب للدكتور إبراهيم ، لم يصدر بعد بحسب ما أعلمني أو مافهمت من الدكتور حفظه الله.

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

موراني

08/10/1435 - 04/08/2014, 12:06 am

3

0

إعجابات

دراسة طويلة . المقصود منها غير معروف لسبب واحد :

أين ذكْر المصادر الأصلية الأندلسية من ذلك العصر ، باللغة العربية ، [وهي كثيرة جدا ! ] ؟ المصادر بالمعنى: التراث الأندلسي الأصيل ، مثل الوثائق والأحكام الفقهية ، والأدب والشعر ... وهلّم جرا....

رد مع اقتباس

موراني • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: ربيع الأول 1425

التخصص: تأريخ الفقه المالكي ، تفسير

دكتوراه في الدراسات الاسلامية

ألمانيا

1,236

325

بمناسبة ما يجرى على ارض البطولة والفداء والكرامة: فلسطين

إبراهيم عوض

08/10/1435 - 04/08/2014, 01:56 am

4

2

إعجابات

اوليفر تويست وفضيحة إسرائيل

د. هشام الحمامي

 

هل تذكرون (فايجن) اليهودى فاقد الضمبر فى رواية (اوليفر تويست)، التى كتبها تشارلز ديكنز عام 1838م والتى أراد من خلال هذه الرواية أن يبين مخاطر(الشخصية اليهودية) على المجتمع الإنجليزى... يقولون إن ديكنز رسم صورة( فايجن) من خلال معرفته الدقيقة كفيلسوف اجتماعى قبل أن يكون أديبًا ثاقب الفكر من خلال متابعة دقيقة لسلوكيات وأخلاقيات الشخصية اليهودية.. فدخل فى أدغالها ووصفها لنا فى الرواية على أوضح ما يكون التوصيف. سنرى صفحة وجهة تعكس ما يفور ويمور بداخله من ضغن وكراهية.. (متغضن الوجه طاعن فى السن كان وجهه المنفر الناضح بالشر محجوبًا وراء كتلة من الشعر الأحمر المتلبد مقطب الجبين شاحب الوجه محمر العينين محتقنهما إلى درجة بدا معها لا رجلاً من الرجال ولكنه شبح رهيب غادر القبر منذ لحظة). سنجده شديد الحذر شديد الخوف شديد البخل مولعًا بالمال (ما هذا الذى أراك منهمكًا فيه أتسىء معاملة الغلمان أيها اللص العجوز الجشع الشحيح الذى لا يشبع). شديد القسوة والعنف فى حال القوة واستضعاف الخصم.. عنيف غاضب متوعد متجهم.. عندما تمس مصالحه أو تهدد خاصة إذا كان الطرف الآخر ضعيفًا ولا يخشى جانبه ولا يتوقع غضبه وثورته. فعندما ظن أن الولد البائس أوليفر، رأى صندوقه وجواهره حمل سكينًا وهدده (ما هذا؟ لماذا تراقبنى ؟ لماذا أفقت من نومك؟ تكلم أيها الغلام، عجل عجل إذا شئت الاحتفاظ بحياتك). وعندما عادت العصابة واختطفت أوليفر من جديد بعد فراره منها كان فايجن فظًا غليظًا معه (سدد اليهودى إلى كتفى أوليفر ضربة بالقضيب عنيفة) وأراد مواصلة الضرب لولا تدخل الفتاة نانسى التى ساهمت فى اختطاف الفتى من جديد. سنرى كيف هو شديد الخوف والركون عند مواجهة خصم قوي.. فعندما اشتد الشجار بين فايجن والشابين اللذين عادا من دون أوليفر ضرب أحدهما بقدر وصادف هذا الأمر دخول (سايكس) الذى لاحظ ما يقوم به قال له:( أيها اللص العجوز الجشع الشحيح الذى لا يشبع؟ إنى لأعجب لماذا لا يقتلونك لقد كان خليقًا بى أن أفعل لو كنت فى مكانهم لو كنت غلامًا يعمل فى خدمتك إذن لأقدمت على ذلك منذ عهد بعيد ولن يكون فى ميسورى بعد ذلك أن أبيعك لأنك لا تصلح إلا للوضع فى زجاجة كنموذج نادر للبشاعة) ولم يغضب فايجن من هذا الكلام لأنه أمام خصم معاند أقوى منه فاكتفى بالقول: (صه صه! يا مستر سايكس لا تتكلم بصوت عال إلى هذا الحد ). وعندما زجره سايكس رافضًا مناداته بمستر لأن نيته ليست صادقة فى ذلك رد على كلامه فى خضوع خسيس. الخوف الشديد من الموت كمن يتغلغل فى الظلمات الداجية ذلك أن إيمان كثير من اليهود باليوم الآخر أمر شكلى إلى حد بعيد رغم أنه موجود من الناحية النظرية فى كتبهم وقد أشار القرآن الكريم إلى حبهم للدنيا ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) (سورة البقرة آية: 96)أى حياة مهما بدت ذليلة وقذرة وحقيرة. فى آخر الرواية وبعد أن قبضت الشرطة على فايجن، وصف ديكنز ببراعة وإسهاب آخر لياليه وهو ينتظر تنفيذ حكم الإعدام ( فقد كان يهذى ويتكلم مع نفسه ويستعرض حياته السابقة ساعة بساعة). وعندما زاره مستر براونلو _الذى كشف العصابة وأنقذ اوليفر _ وصف ديكنزحال فايجن (كان قاعدًا على سريره متمايلا ذات اليمين وذات الشمال وقد غلبت على وجهه سيماء جعلته أقرب إلى وجوه الوحوش العالقة فى الأشراك منه إلى وجوه بنى البشر، كان ذهنه شاردًا يعيش فى دنيا حياته الماضية). ولم يكن عنده وقت ولا عقل لتذكر دينه فهو دائم الهيجان والتفكير فى الموت ونهاية الحياة فعندما (أقبل رجال موقّرون من أهل دينه للصلاة من أجله طردهم راشقًا إياهم بضروب اللعنات وحين جددوا جهودهم الخيرة أوسعهم ضربا).. ليس ديكنز فقط من اهتم بكشف الطبيعة الجوهرية (للشخصية اليهودية).. هكذا أيضًا كان تولستوى وتورجنيف وغوغول فى روسيا.. بل إن واحدًا من أعظم الروائيين فى العالم وليس فى روسيا فقط, وهو دوستويفسكى كرس جزءًا مهمًا من أعماله خاصة (منزل الأموات) لنقد الشخصية اليهودية ..وقد اعتبروا هذه الأعمال المؤسس الحقيقى لما يسمونه (معادة السامية) . فى رواية كبنلج (خبز فوق سطح الماء) رأينا اليهودى الوغد المرابى ورأينا شايلوك.. شكسبير فى(تاجر البندقية). رأينا الشخصية المتآمرة الإجرامية فى رواية كولن ولسون (الشك) فى شخصية (جوستاف) الذى عمل سكرتيرا لأكثر من مليونير قتلهم جميعًا!! ..وكما فى رواية جراهام جرين (قطار اسطنبول) عبر شخصية( ميات). ..... حين وقعت كارثة الموت الأسود 1347 التى راح ضحيتها الآلاف فى أوروبا اتهم اليهود بأنهم سمموا الآبار فأنزلوا بهم مذابح رهيبة ألجأتهم إلى الهجرة لشرق أوروبا التى رحبت بهم للاستفادة من (دورهم الوظيفي) فى القيام بالأعمال التى يأنفون منها .. ..... تلكم هى شخصية اليهودى فى الوعى الغربى، والتى عكسها المفكرون والأدباء فى كتاباتهم ..سنعرف لاحقًا شيئًا متممًا للصورة التى تكون المشهد الحالى فى غزة .. وهى أن التوسع السريع لمحمد على فى المشرق العربى لتكوين (إمبراطورية إسلامية) مركزها مصر والشام هو ما جعل القوى الأوروبية تفكر بجدية شديدة وسرعة فى عزل مصر عن الشرق بالاستيطان اليهودى فى فلسطين.. كان هذا قبل وعد بلفور (1918م) لذلك لم يكن غريبًا أن يصبح بالمرستون أهم نصير سياسى لمشروع (إسرائيل) كما كان أول من اكتشف( الفكرة السياسية فى صلب الحلم الدينى البروتستانتي). لم يكن بالمرستون بروتستانتيا، مؤمنًا كما يصفه المؤرخون لكنه كان سياسيًا محنكًا وهام هيامًا بالفكرة منذ توليه وزارة الخارجية البريطانية ثم رئاسة الوزارة فيما بعد.. وكان يكن كراهية شديدة لمحمد على وكان له دور كبير فى حشد القوى الأوروبية كلها ضده حتى معاهدة (1840م) التى حصرت محمد على فى مصر والسودان وقال قولته الشهيرة إن (بعث الأمة اليهودية سيعطى القوة للسياسة الإنجليزية) وأصدر تعليماته إلى القنصل البريطانى فى القدس بمنح اليهود فى فلسطين الحماية البريطانية لضمان سلامتهم وصيانة ممتلكاتهم وأموالهم وبتوجيهه انتشرت الدعوات لتكوين دولة يهودية مستقلة فى فلسطين عند توفر عدد كاف من المهاجرين. وبعد توقيع معاهدة 1840 أرسل إلى السفير البريطانى فى تركيا رسالة قال فيها (يقوم بين اليهود الآن المبعثرين فى كل أوروبا شعور قوى بأن الوقت الذى ستعود إليه أمتهم إلى فلسطين آخذ فى الاقتراب.. ومن المعروف جيدًا أن يهود أوروبا يمتلكون ثروات كبيرة ومن الواضح أن أى قطر يختار أعداداً كبيرة من اليهود أن يستوطنوه سيحصل على فوائد كبيرة من الثروات التى سيجلبها معهم هؤلاء اليهود.. فإذا عاد الشعب اليهودى تحت حماية ومباركة السلطان فسيكون فى هذا حائلاً بين محمد على ومن يخلفه وبين تحقيق خطته الشريرة فى المستقبل) . سيقول لنا الشاعر اليونانى الكبير كازانتزاكس(1883-1957م) عندما يزور فلسطين عام 1926 لحضور الاحتفال بعيد الفصح وكمراسل صحفى (أن الكوارث التى ستقع على العالم أجمع هى نتيجة لهذه الحركة) قاصدًا حركة هجرة اليهود. حقيقة الحقائق فى وجود إسرائيل والتى مازال الأفق عندنا معتمًا حولها.. هى الخلاص من(الشخصية اليهودية) التى رأينا كم كان وجودها فى أوروبا مزعجًا من خلال كتابات المفكرين والأدباء.. ومنع قيام (قوة عربية كبرى) يكون مركزها مصر والشام.. كما رأينا من بالمرستون.. وتلكم هى المحصلة الاستراتيجية للحملات الصليبية التسع (1096-1291م) التى انتهت بالفشل.. نحن أمام خيط التاريخ المتصل أيها السادة... هذه هى الخلفية التاريخية الكبرى لما يحدث فى غزة الآن.. المسألة ليست أنفاق ولا صواريخ ..!!المسألة تتعلق بالوعى الحقيقى ثبوتا ولزوما الذى تستبطنه (حماس) فى فهمها لحركة التاريخ .. من بالمرستون لبلفور لأوباما وكاميرون .... دعونا نقول مع محمود درويش: ويا صديقي!... أرضنا ليست بعاقر.. كل أرض... ولها ميلادها.. كل فجر... وله موعد ثائر..

 

اقرأ المقال الاصلى فى المصريون : (اوليفر تويست) وفضيحة إسرائيل - المصريون

طارق منينة و عبدالرزاق بن اسماعيل هرماس معجبان بهذه المشاركة.

رد مع اقتباس

إبراهيم عوض • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: صفر 1426

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

189

220

زمزم بيان

08/10/1435 - 04/08/2014, 10:31 am

5

0

إعجابات

احترامي و تقديري للدكتور الفاضل ابراهيم عوض.

كرما لا أمرا:

ما علاقة المشاركة رقم (١) بالمشاركة رقم (٢)؟

ما علاقة المشاركة رقم (١و ٢) بقسم ملتقى الانتصار للقران في ملتقى اهل التفسير؟

أرجو التوضيح... جزاك الله خيرا.

رد مع اقتباس

زمزم بيان • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: ربيع الثاني 1433

التخصص: دراسات اسلامية

بكالوريوس

جدة

576

395

موراني

08/10/1435 - 04/08/2014, 10:18 pm

6

0

إعجابات

المشاركتان بالقلم د. إبراهيم عوض المحترم لا علاقة لهما بهذا الرابط ولا بهذا الملتقى على الاطلاق .

إلا أنّ ممارسة حرية التعبير عما يشاء صاحبها يجب أن تبقى مكفولة حتى ولو كانت في غير مكانها ، في نظري .

يتركز صاحب المشاركة الأولى على بعض الظواهر في تأريخ الأندلس ويتحدث عنها بمنتهى التحيّز كما يبدو ذلك لجميع القراء الواعين في هذا الرابط . إنّ الأمانة العلمية التي تعدم في عرض د. عوض تدعوني إلى ذكر جانبا آخر في الموضوع (وهو في غير مكانه في هذا الملتقي ، في نظري) ، وهو جانب الوثائق التأريخية الكثيرة في العلاقات بين سكان الأندلس في ذلك الوقت والتي تحدث عنها صاحب المشاركة استغلالا حريته للتعبير بتحيز صريح .

أما أنا فلا أتخذ موقفا من هذا وذاك ، بل أقدّم للقاريء الواعي وثيقة من «الجانب الآخر» الذي يقدمه لنا د . عوض مجرد ضحايا التأريخ .

رسالة بأمر سلطان غرناطة المحروسة ....نصره الله وكافة عبيده المسلمين المجاهدين في سبيل الله...مولانا أبو الحجاج الناصر لدين الله يوسف بن يوسف بن محمد... [ سلطان غرناطة بين ١٤٠٨ - ١٤١٧ م] . طلب هجرة المسلمين «أن يفرّ بنفسه وماله وأولاده من الجور والكفر لله ولرسوله...» طالبا من الجميع الجهاد ضد الإسبان .

حسن! هذا هو التأريخ...

ويأتي بعد ذلك وصف مدينة غرناطة كما يلي :

يا جملة الاخوان من المسلمين لا مثل مدينة غرناطة شبه ولا مثال بلد للرّباط والجهاد كما جاء في الحديث الصحيح عنه أنه قال: الأندلوس (كذا بواو) حيّها سعيد وميتها شهيد ،

مدينةٌ تساق إليها عمرها النصارى أسارى كما تقدم لها من قبل الخمسة الالف والستة الالف وكثر المائة مأسورين بحول الله وذلك كله من فضل ربّنا علينا...» .

أقول : هذا هو التأريخ وله جوانب ، وتجاهلها اعتداء على الأمانة العلمية عند رسم الأمور التأريخية مثل ما فعل د. عوض . الفردوس الأندلسي أيضا له جوانب يمكن اقتباسها من الوثائق والنوازل والأحكام مطبوعا ومخطوطا ، ومن هنا نبدأ .

رد مع اقتباس

موراني • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: ربيع الأول 1425

التخصص: تأريخ الفقه المالكي ، تفسير

دكتوراه في الدراسات الاسلامية

ألمانيا

1,236

325

طارق منينة

09/10/1435 - 05/08/2014, 07:25 pm

7

0

إعجابات

السيد المحترم دكتور موراني هل تظن ان تلك الحضارة الموارة التي كان يعيش فيها مسلمون ويهود ومسيحيون في بلاد اسلامية اوروبية وكانت هي البداية لتحرير اوروبا من الخرافات، هل تظن ان تلك الحضارة كانت تُحارب ولاتفعل شئ تجاه من يحاربها؟ إنه لمن الطبيعي أن تكون تلك الحضارة قوية عسكرياً ودولياً، ومعلوم أن في أي حرب قتلى وأسرى، ولكن الداخل الإسلامي كان يعيش فيه المسيحي واليهودي في ظل التسامح الإسلامي بل المواطنة التي شارك اتباع تلك الديانات في الدفع بتلك الحضارة للأمام لأنهم رأوا فيها النفع العام للبشرية ، حضرتك أتيت لنا بجانب الحرب والأسرى، ولكنك لم تأت بكامل الصورة التي شكلت مجتمعا متسامحا في الداخل يشارك أهله من المسلمين واليهود والمسيحيين في ازدهار أخلاقي وعلمي وتجريبي من أعظم ماحكى لنا عنه التاريخ العام للبشرية، وهذا هو غرض ماقاله الدكتور إبراهيم عوض حفظه الله مع العلم أنه يربط نشأة هذه الحضارة الموارة التي انتفعت بها أوروبا ،يربطها بأصلها وأصولها وهو الوحي القرآني والنصوص الربانية الفرقانية القرآنية، ووضعه لهذا الفضل في ملتقانا هنا يشير الى هذا الرباط الوثيق الذي أراد كثير من المستشرقين قديماً نفيه ويحاول العلمانيون اليوم أيضاً عزله وتقديم أقوال أخرى تنفي تلك الحقيقة التاريخية الناصعة وهي أنه لولا الإسلام لما تمتعت البشرية من بعد محمد رسول الله برحمة العيش وبتيسير في الحياة وبدواء متطور وشفاء للاجساد (على الأقل)، وغير ذلك من تعليم العقل وتحرير الناس من الاساطير

لقد كانت الحرب الإسلامية وماتقوم به من اسر للمحاربين لها هو عمل ضد القوى الظلامية الكنسية-يومذاك- المتربصة بها، والتي كانت تريد ان تهدم كل اصول العلم الذي كانت عليه تلك الحضارة والذي أخذت به أوروبا نفسها بعد ذلك، وهذا من أعجب العجب!!

لو كانت أوروبا تخلصت ووأدت وأنتهت من تلك الحضارة من أول نشأتها في شبه جزيرة إيبيريا-اسبانيا والبرتغال- وحواضر أوروبية أخرى(في المانيا وصقلية ) لما تعلمت اوروبا علوم الطبيعة والحياة بتلك الصورة المتشابكة التي كانت عليها العلوم المجانية للمسلمين يومذاك، والتي شفت أوروبا من أمراض الأجساد والعقول معاً، فتعلمت طب المسلمين وجراحة المسلمين واستخدمت في علاج مرضاها دواء وصيدليات المسلمين وغير ذلك مما فتنت به اوروبا وتغيرت به من حال الى حال.

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

09/10/1435 - 05/08/2014, 07:58 pm

8

0

إعجابات

دليلي على الربط بين الحضارة والقرآن من كلام الدكتور إبراهيم عوض نفسه، وفي بداية الفصل

... بروح الإنصاف التى يتصف بها ذلك المستشرق فى كلامه عن حكم المسلمين لشبه الجزيرة الأيبيرية. وها هى ذى بعض السطور التى تصور هذا الإنصاف وترينا كيف كان حكم أجدادنا لتلك البلاد، وكيف استطاعوا أن يجعلوا منها جنة من جنان المولى سبحانه فى أرضه.... أولئك الأجداد الذين خرجوا من جزيرتهم وهم يفتقرون إلى كل شىء من أدوات الحضارة ونظمها وأوضاعها، اللهم إلا شيئا واحدا فيه كل شىء لمن عنده قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ألا وهو القرآن

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

موراني

10/10/1435 - 06/08/2014, 07:24 pm

9

0

إعجابات

السيد طارق منينة المحترم ،

لا يسعني إلا أنْ أرحّب بعرض موقفكم الشخصي المتحمس المتعلق بالمشاركة وصف الفردوس الأندلسي المفقود...؛ غير أنه يعدم الموضوعيةَ في تأملاتنا على التأريخ ، كما هو الحال في المشاركة المذكورة بقلم السيد د. عوض .

لا أحد من الباحثين المهتمين بتأريخ الأندلس ينكر التبادل العلمي المثمر بين سكان البلاد وعلى المستويات العلمية العالية بـمناسبات اللقاءا ت والأعمال المشتركة بين الجوانب المعنية في ميادين العلوم .

تقولون لي تنبيها :

ولكنك لم تأت بكامل الصورة التي شكلت مجتمعا متسامحا في الداخل يشارك أهله من المسلمين واليهود والمسيحيين في ازدهار أخلاقي وعلمي وتجريبي من أعظم ما حكى لنا عنه التاريخ العام للبشرية .

نعم لم أعرض كامل الصورة عن ذلك [المجتمع المتسامح ] ، وإليك لذلك تكميلا تلك الصورة بوثيقة تأريخية أخرى . وهي تعود إلى المجموعة للوثاق في القضاء المعروفة بكتاب [الأحكام الكبرى] لعيسى بن سهل القرطبي المتوفى عام ٤٨٦ . ونقل المؤلف في كتابه هذا أحكاما تعود كثير منها إلى أحكام القاضي أحمد بن محمد بن زياد القرطبي ، المسمّى بـالحبيب (حتى عام ٣١٢ هـ) . ومن المعروف أيضا من خلال أبحاث استشراقية عديدة أنّ هذا القاضي قد اعتمد في أحكامه على أراء الفقهاء الـمُشاوَرِين في مجالسه . بين يدينا أيضا نسخة مخطوطة منقولة من تلك الأحكام ، وهي مبتورة ، جاء فيها ما نجده أيضا لدى ابن سهل . الباب هو:

 

في الشَّنوغة

(وهي اسم كنيسة اليهود]

ونصه :

فهمنا ، وفّق الله القاضي ما وقعت به الشهادات عنده في الشنوغة الـمُحْدَثَةِ عند باب اليهود من خارج ، فرأينا شهادات توجب هدْم الشنوغة بعد الإعذار إلى أهلها . وليس من هدمتهم إحداث أهل الذمة من اليهود والنصارى كنائس ولا شنوغات في مدائن المسلمين وبين أظهرهم . وهذا ما يستنكره الأمير ، أعزّه الله ، ويـمتعض من إحداث مثل هذا في أيامه مما لم يكونوا أقدموا به قبله . قاله محمد بن عمر بن لبابة وغيره.

 

(هذا هو النص في المخطوط من أحكام زياد)؛ وتجد هذا الحكم أيضا في المعيار المعرب للونشريسي عن ابن سهل ، ج ٢ ، ص ٢٤٦ .

أما النص في المخطوط: وليس من هدمتهم إحداث أهل الذمة ...إلخ. يأتي عند ابن سهل :وليس في شرائع الإسلام إحداث أهل الذمة...

ويأتي عند الونشريسي كما جاء عند ابن سهل لكن بالشرح الوجيز : معناه : ليس في مذاهب الإسلام إحداثها...

أما باب اليهود وهو في شمال سور المدينة ، مسمى أيضا بباب ليون (Leon) ، لأن الطريق يؤدي من هناك إلى تلك مدينة شمال قرطبة . سماه العرب: باب الهدى (ربما بتبديل ترتيب الحروف ؟ - هذا لا يهم هنا) . أما مدينة قرطبة فهي ليست من [مدائن المسلمين] لأنهم لم يختطّوها كما هو معروف أيضا . لكن ذلك أيضا لا يهم كثيرا هنا .

 

طارق منينة المحترم : لا أودّ أن أقوم بتحليلات أخرى لمداخلتك المتحمسة ، بل أتركز على ما ذكرتم أعلاه باشارة إلى التسامح ، والعبارة تجري على ألسنة كثيرة منذ عقود ، فلا بأس بذلك . التسامح ، كما رأينا هنا ، والأمثلة كثيرة جدا ومرعبة حتى في الوثائق المذكورة ، ينتهي ولا يمارَس عند الحدود المرسومة في قضاء الحاكم مهما كان اسمه وأصله أو دينه ، بل هو يقضي على الآخر حسب قضائه الذي يراه أنه الحق المطلق . هكذا كان وهكذا يجري اليوم : لا حكم قضائي على حساب الحاكم أو ما يعارض القضاء إسلاميا كان أو نصرانيا أو غير ذلك ؛ ولا أستثني من ذلك حكام النصارى [الكنيسة] في ذلك العصر كما لا أبحث عن التبرير لهذا أو ذاك . .. والإنحياز ، دينيا كان أو ثقافيا متعصبا أو متفوّقا ، ليس نقطة الانطلاق في تأملاتنا على التأريخ . وهذا هو الانحياز الذي تتميز به المشاركة للدكتور عوض من ناحية ومشاركتكم أعلاه من ناحية أخرى . ومثل هذا العرض لن يؤدي إلى شيء ما زال صاحبه يتجاهل فيه الأمور الحيوية واليومية التي شغلت المجتمع الأندلسي وكان يعاني منها في ذلك الفردس المفقود طوال القرون.

رد مع اقتباس

موراني • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: ربيع الأول 1425

التخصص: تأريخ الفقه المالكي ، تفسير

دكتوراه في الدراسات الاسلامية

ألمانيا

1,236

325

طارق منينة

10/10/1435 - 06/08/2014, 10:22 pm

10

0

إعجابات

أنا آتي لك بالوثائق التي تعرضها الألمانية التي لم تسلم لكنها كانت منصفة، وهي زيغريد هونكه، وإني لأعلم موقفك منها، كما تكلمنا في موضع آخر من هذا الملتقى الكريم، ويبدو أن موقفك منها مرتبط بنفس القضية التي تحاور فيها الدكتور إبراهيم عوض هنا، وعلى كل إلى أن يرد عليك الدكتور إن سمحت ظروفه فإني سأخوض معك أمر هذه المسألة ، وهذا أول نص من هونكه وبداخله نص آخر يعرض فيه صاحبه موقف المسلمين العام من المسيحيين.

فليكن هذا أول كلامنا ثم أتبعه بغيره إن شاء الله

تقول هونكه:" ولاننسى هنا أن نشير إلى تسامح وسماحة الخليفة هارون الرشيد (تقصد المؤلفة: الحاكم بأمر الله الفاطمي وليس هارون الرشيدي كما علق المترجم) الذي كان قد عهد شخصيا إل القيصر الألماني كارل ببسط حمايته الشرفية للكنيسة ذاتها ، وسلم بطريركها الأكبر مفاتيح البقاع المقدسة ، مما أسهم في خلق جو تسوده السماحة. ولنا أن نقرأ الرسالة التي تلقاها ، بعد مضي عام على تلك الحادثة التاريخية ،الإسقف أجتاتيوس في بيزنطة من اخيه الروحي البطريرك تيودوسيوس من بيت المقدس:" إن العرب هنا هم رؤوساؤنا الحكام ، وهم لايحاربون النصرانية بل على العكس من ذلك يحمونها ، ويذودون عنها ، ويوقرون قساوستنا ورهباننا ويجلون قديسينا" . ولايكاد المرء يصدق هذا الذي يسمع ، إذ كان ذلك إبان الأفق المعتم الذس يتربص فيه الموت بالمسلمين في كل مكان ، كانت الساحة حبلى بالحروب الصليبية ... والحق أن المسلمين العرب والمسلمين غير العرب كالأتراك وغيرهم قد التزموا منذ عهد محمد صلة الله عليه وسلم بضمان سلامة النصارى الذين يسعون إلى حج الأرض المقدسة ، لايصدونهم عنها أبدا ، إلا إذا استثنينا بعض الوقائع المنفردة ، التي أملتها ظروف وملابسات معينة "(الله ليس كذلك لزيغريد هونكه ص 20-21)

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

10/10/1435 - 06/08/2014, 10:44 pm

11

0

إعجابات

وقد كتب المؤرخين المعاصرين للتسامح الاسلامي الفرق بين الغرب يومذاك ومن يمثل العالم الإسلامي أيضا يومذاك فهذا ويل ديورانت ينقل عن العلامة الغربي هلفشيوس مايبين لك الصورة العامة لما نتكلم فيه، ولا أريد أن أنقل لك وحشية مافعلته أوروبا المسيحية في بيت المقدس مما نقلته هونكه وغيرها

 

يقول ديورانت في كتابه الضخم قصة الحضارة ج38 ،ص118-119:" ويضيف هلفشيوس ثمانية فصول عن التسامح. "أنه التعصب أم عدم التسامح الديني هو ربيب الطمع الكهنوتي وسرعة التصديق الغبي الأحمق... أليس الأتراك، ودينهم دين جهاد وحرب، أكثر تسامحاً منا؟ إننا نشهد الكنائس في القسطنطينية ولكنا لا نرى مساجد في باريس"

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

10/10/1435 - 06/08/2014, 10:49 pm

12

0

إعجابات

أما وضع الغرب المسيحي يومذاك ومقارنته بالاتراك والمقارنة بموضوع الكنائس والمساجد فقد عرضه المؤرخ الغربي نفسه، لنقرأ

يقول ويل ديورانت في كتابه قصة الحضارة، ج38 ص 118):" ويميل هلفشيوس إلى القول باستثناء واحد في جانب التعصب، حيث يقول: "هناك سبب واحد يمكن أن يكون فيه التعصب ضاراً بالشعب، حيث يكون التسامح مع عقيدة تتسم بالتعصب مثل الكاثوليكية. فإن مثل هذه العقيدة التي تصبح أقوى ما تكون في دولة ما سوف تسفك دائماً دماء حماتها الأغبياء. لا تسمحوا للكاثوليك المتملقين أن يستغلوا البروتستنت. إن القساوسة الذين يعتبرون التعصب في بروسيا أمراً بغيضاً وخرقاً للقانون الطبيعي والسماوي ينظرون إلى التسامح في فرنسا على أنه جريمة وهرطقة. وماذا يجعل الإنسان مختلفاً عن غيره في مختلف الأقطار؟ ليس إلا ضعفه في بروسيا وقوته في فرنسا. وإذا تأملنا في سلوك المسيحيين الكاثوليك، لوجدنا أنهم في البداية حين يكونون ضعافاً يبدون وكأنهم حملان وديعة حتى إذا أصبحوا أقوياء كانوا وحوشاً ضارية

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

موراني

10/10/1435 - 06/08/2014, 10:53 pm

13

0

إعجابات

السيد طارق منينة ،

لقد ذكرت لك في هذا الرابط وثيقتين تأريخيتين ولك تحليلهما ووضعهما إلى مكان حسب نيّتك .

وأنتم تجيبون على تلك الوثائق بكلام هونكه . الأمر غريب جدا ويخلو عن الموضوعية . وشكرا لك على المشاركة .

رد مع اقتباس

موراني • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: ربيع الأول 1425

التخصص: تأريخ الفقه المالكي ، تفسير

دكتوراه في الدراسات الاسلامية

ألمانيا

1,236

325

طارق منينة

10/10/1435 - 06/08/2014, 10:55 pm

14

0

إعجابات

هذا هو نفسه ماجعل الفلاسفة الغربيون لعصر فولتير أن يلفظوا المسيحية أو على الأقل يناوشوها صراحة أو ضمنا، وذلك ياسيد موراني لايمكن أن يكون حدث بدون تأثير من المثال الحي للتسامح الاسلامي والعلم الاسلامي والانتاج الاسلامي في مجالات الطب والرياضة والصيدلة والجراحة والفلك وغير ذلك

يقول ديورانت في قصة الحضارة عن الكتاب الذي تكلم فيه هلفشيوس عن الكنائس في العالم الاسلامي مما قدمته لك(ج38 ص 124):" وضعت الفئات الفرنسية المتعلمة المثقفة في الربع الثالث من القرن الثامن عشر هلفشيوس في منزلة سواء تقريباً مع فولتير وروسو وديدرو، ورحبت بكتابه الأول وهللت له مما كاد لا يحظى به كتاب غيره في ذاك العصر. وقال برونيتييز "إن أي كتاب غيره لم يحث مثل هذه الضجة في زمانه، ولم ينشر في الخارج أفكاراً أكثر أخذت تشق طريقها إلى العالم بأسره... وصرح بنتام بأنه "مدين لكتاب هلفشيوس "الذكاء" بكثير من أفكاره"-بما في ذلك مبدأ المنفعة بالتماس أعظم السعادة لأكبر عدد من الناس في الأخلاق وفي التعليم"

 

إن في كتابه هذا الشهادة التي قدمناها لك وتأثير واقعها على الفيلسوف الشبه علماني!

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

10/10/1435 - 06/08/2014, 11:03 pm

15

1

إعجابات

لو مضينا يادكتور موراني مع وثائقك فليس فيها الا منع بناء كنائس ، أما وجود كنائس فقد كانت موجودة ، أما وجود مسيحيين فكانوا، أما اشتراكهم في البناء والعمران مع المسلمين في ظل هذا اللون من التسامح فقد كان، وعلى أشده كما إعترفت أنت فيما تقدم، أما هجرة الاوروبيين الى بلاد الاسلام وهم في حالة ذعر من القتل الذي قام به اصحاب الفرق المسيحية الكبرى يومذاك فحدث عن ذلك ولاحرج.

ولاتنسى أنه عند فتح مصر كما ذكر كثير من المؤرخين اعطى عمر ابن العاص الكنائس الرومية(التابعة للإمبراطورية الهاربة والمهزومة) للمسيحيين المصريين، ولو أراد كغالب أن يجعلها مساجد لفعل، اليس في ذلك دليل على أن التسامح وصل الى أن رجال الفتوحات الكبرى منحوا بنايات عظيمة ومنتشرة في ربوع مصر لنصارى مصر بعد أن ارجعوا لهم حقوقهم المسلوبة؟

ارجوك لاتنظر بنظارة ضعيفة التناول للصور والأحداث الكبرى والعامة..لاتتبع الأمور الأقل...

الامين الهلالي معجبٌ بهذه المشاركة.

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

10/10/1435 - 06/08/2014, 11:14 pm

16

0

إعجابات

أما مايدعم قولي الأخير هذا، ومافيه من أعظم واقعة تاريخية لحظة خروج الإسلام من الجزيرة العربية، فهو قول هونكه تلك السيدة الألمانية، التي علمنا الآن لماذا تعصبت ضدها ايها السيد المحترم موراني، لنقرأ لها قولها التالي

قالت في كتابها "إبل على بلاط قيصر(وهو بالمناسبة طبعة دار العبيكان السعودية والكتاب في حوزتي)- قد استشهدت على كلامها التالي بالآية الكريمة "لاإكراه في الدين" قالت:" ذلك أن محمدا يطالب بالإستقلال وحق تقرير المصير لكل الناس حيث تعلن السورة الخامسة من القرآن (آية 48) مايلي"فاحكم بينهم لما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولوشاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" من هنا كان التكليف منذ محمد حتى اليوم هو ضمان الاستقلال الديني والقانوني لكل طائفة غير مسلمة داخل الدولة الإسلامية. ومن هنا كان ذلك الإستعداد لدى الفاتحين المسلمين الأوائل في أن يبقوا على الشعوب التي تغلبوا عليها ، وأن يمدوا إليها أيديهم ، وألا يمسوا ديانتهم ودور العبادة ورجال الدين لديهم سواء كانوا مسيحيين أو يهودا أو من الصابئة بسوء. ليس ذلك فحسب، ولكن أيضا العمل على توفير الأمان لهم ، ومنحهم حقوقهم والحماية التي يطلبونها ، ولايسمحون أن يلحق بهم الأذى طالما أنهم يدفعون الضرائب كما تقضي بذلك شروط التسليم للجيوش الظافرة خلال الفتوح العالمية في القرن السابع. وقد كانت هذه الضرائب أقل كثيرا من التي كانوا يدفعونها حتى ذلك الحين ... كما أن من يعنيهم الأمر كانوا يرون أن التسامح الذي لم يعهدوه من قبل حتى الآن، هو عمل خيري ومعتاد:" فقد كتب أحد أساقفة جماعة النساطرة التي كانت قد تعرضت للاضطهاد من جانب الكنيسة البيزنطية إلأى صديق له كلمات تفوح فيها رائحة الإرتياح: وحتى حين بلغت محاولات الإثارة الدينية قمة الغليان أثناء الحروب الصليبية كان السلاطين المسلمين يدعمون المستشفيات المسيحية بالهبات المالية التي وضعت خطأ في الصورة العكسية بكشل أن تلك الأفكار متطرفة للغاية بواسطة الدعاية المعادية طوال كل القرون الماضية حتى يومنا هذا كان هناك مثل لها غير معروف ولايحبذ المرء الإعتراف به، وكان ذلك لدى أسلافنا الجرمان الذين ينسب إليهم الرواة المعادون لهم نفس مانسب إلى العرب من القساوة التي لاحدود لها ، والفظاعة البربرية ، والدمار الشبيه بما يشبه الجراد من إفساد في الأرض وهلاك للإنسان وإفناء لكل حضارة"(الإبل على بلاط قيصر لزيغريد هونكه، ص 131-132)

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

11/10/1435 - 07/08/2014, 09:52 pm

17

1

إعجابات

يدعم قضية التسامح والحرية والتعايش والمتعة الروحية والأدبية التي تمتع بها الجميع في ظل حكم إسلامي في دولة إسلامية كبرى في الغرب ما أورده الدكتور إبراهيم عوض في الهامش رقم(29) ولعل ذلك ما أثار حفيظة الدكتور المحترم موراني لأنه يعكر صفو أدلته الإستثنائية عن بعض الأمور التي حدثت في التاريخ ، يقول الدكتور إبراهيم عوض:" مشهورة جدا فى تاريخ الأندلس شكوى ألفارو القسيس القرطبي من شبان النصارى فى الأندلس، إذ يقول: "يطرب إخواني المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء و الفلاسفة المحمديين، لا لتفنيدها بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق. فأين نجد اليوم علمانيا يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ وا أسفا! إن شباب المسيحيين، الذين هم أبرز الناس مواهبَ، ليسوا على علم بأي أدب و لا أية لغة غير العربية، فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة. وإنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية إذا ذُكِرت الكتب المسيحية بأن تلك المؤلّفات غير جديرة بالتفاتهم. لقد نسي المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد منهم واحد في الألف قادر على إنشاء رسالة إلى صديق بلاتينية مستقيمة! ولكن إذا استدعى الأمر كتابة العربية فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة! بل لقد يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم" (جوستاف إ. فون جرونباوم/ حضارة الإسلام/ ترجمة عبد العزيز توفيق/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/ مكتبة الأسرة/ 1997م/ 81- 82). فإذا كان هذا هو موقف الشبان النصارى الإسبان من لغة القرآن فما بالنا بالشبان والرجال والشيوخ والنساء المسلمين؟ وما بالنا بموقف المبدعين من تلك اللغة؟ ولقد كان كثير من أولئك المبدعين يهودا ونصارى، فما بالنا بالمبدعين المسلمين؟ وانظر مثلا ما كتبه المستشرق الإسبانى آنخل جنثالث بالنثيا عن الشعراء والكتاب اليهود فى الأندلس واتخاذهم اللغة العربية وسيلتهم فى هذا الإبداع وعكوفهم على الثقافة العربية حتى بعد انطفاء الحكم الإسلامى فى الأندلس، وكذلك تصويره لانكباب النصارى على الثقافة العربية على نفس النحو (تاريخ الفكر الأندلسى/ ترجمة د. حسن مؤنس/ 26- 29، 486 وما يليها).

الامين الهلالي معجبٌ بهذه المشاركة.

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

موراني

12/10/1435 - 08/08/2014, 09:51 am

18

0

إعجابات

السيد طاريق منينة ،

يمكنك طبعا أن تملأ الصفحات بتلك الاقتباسات من الكتب مثل هونكة وفون جرونباوم وغيرهما . ومن هذا الأخير ؟ لم أتعرف عليه بسبب كتابة الاسم بالعربية . هل يذكر هؤلاء المؤلفون مصادر تأريخية ووثائق أصلية ؟

عند نظر إلي التأريخ أنتم تعتمدون على تلك الكتابات وأنا أفضل قراءة مؤلفي الأندلس المعاصرين والوثائق التي أشرت إلى بعضها . وماء جاء فيها ليس من الأدلة الاستثنائية كما تزعم . كما ذكرتُ : لا أحد ينكر التبادل الثقافي والعلمي بين السكان البلاد ومن الحق أن يقال هذا لكن بذكر المصادر الأصلية ولا على شكل الأساطير وبالاتحياز وبالتالي بتجاهل الجوانب أخرى غير الاستثنائية التي قد يتبلور لكم من خلال قراءة الكتب المعاصرة والوثائق لا نهاية لها .

وأتمنى لكم قراءة والدراسة ناجحة في هذا الميدان الواسع .

رد مع اقتباس

موراني • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: ربيع الأول 1425

التخصص: تأريخ الفقه المالكي ، تفسير

دكتوراه في الدراسات الاسلامية

ألمانيا

1,236

325

طارق منينة

12/10/1435 - 08/08/2014, 01:45 pm

19

0

إعجابات

بالرجوع لكتب ليس (زيغريد هونكه) فقط ولكن كل من كتب عن تاريخ الاندلس وتسامحه الداخلي من مثل ويل ديورانت وهونكه ومن ذكرهم استاذنا الدكتور إبراهيم عوض يتبين أنهم ملؤوا كتبهم بالمصادر الغربية خصوصاً ويل ديورانت في قصة الحضارة وهو بالعربي 42 مجلد وعندي 2 مجلد باللغة الهولندية.

ثم أجدك يادكتور موراني قد كررت كلمات مثل (كما ذكرتُ : لا أحد ينكر التبادل الثقافي والعلمي بين السكان البلاد ومن الحق أن يقال هذا لكن بذكر المصادر الأصلية) (لا أحد من الباحثين المهتمين بتأريخ الأندلس ينكر التبادل العلمي المثمر بين سكان البلاد وعلى المستويات العلمية العالية بـمناسبات اللقاءا ت والأعمال المشتركة بين الجوانب المعنية في ميادين العلوم )

والملفت أنك تتكلم عن تبادل علمي وأنا أقول لك هل هذه التعابير تخفي وراءها عملية كتمان واسعة وإزاحة لجملة من الحقائق كان يمكن لو أبقيت كما هي ناضجة أصيلة وأصلية أن تغير العالم اليوم.

فأولا حتى لو قبلنا هذه المفهوم أي (التبادل العلمي داخل الأندلس بين المسلمين وغيرهم، فإننا نسأل بالمقابل اليس المسلمون هم من قعدوا مبادئ هذا العيش الكريم حتى وصل لتبادل وحالة علمية وثقافية فريدة، ثم السؤال المرتبط بهذا هو هل خُلق المسلمون في كوكب علمي آخر له قواعد في البحث والنظر والحركة بالعلم في واقع نافر، أم أنهم جاؤوا من علم الغيب، والوحي القرآني الذي أنشأهم في هذا إنشاءا؟

إن القرآن هو الذي لفت نظرهم لشكل للكون كان جديداً على العالم القديم، ولغة جديدة لم توجد في الكتب القديمة، ومفاهيم شاملة لم توجد في الفلسفات، وهو أمر احتاج قاعدة مادية ومناخ علمي واجتماعي واسع وحر ومتسامح وهو ما أنشأه المسلمون بدينهم انشاءا حتى صار الأمر في الأندلس الى(تبادل!) والكلمة تعني أن أهل الأندلس من اليهود والنصارى كانوا يعيشون جوا من الإزدهار الاجتماعي عال المستوى، أو الى (اشتراك جماعي بتصورات اسلامية علمية مادية كونية) كانت تقود الجميع حتى وإن اختلفت تصوراتهم الغيبية عن ما تنزل به الغيب القرآني أي الوحي في شأن الكون والأسباب والقوانين عن العلاقة بين الأشياء والآيات أو الأسباب.

هنا يبدو أن كلمة(التبادل) تلغي الإيحاء الموراني بموضوع الأسر والأسرى!

التي جلب لنا عنه (الأسر والأسرى) وثائق اعتبرها ثمينة، وكأنه بذلك أراد أن يهدم موضوع( التبادل) الذي أقره بموضوع( الأسر) الذي عكر به صفو المسائل الكبرى التي أثارها الدكتور إبراهيم عوض.

دعني أقول لك أو أسأل حضرتك بكامل الاحترام لماذا لم تقدم انت دليلاً على اتهاماتك التالية للدكتور إبراهيم عوض، تقول: يتركز صاحب المشاركة الأولى على بعض الظواهر في تأريخ الأندلس ويتحدث عنها بمنتهى التحيّز كما يبدو ذلك لجميع القراء الواعين في هذا الرابط...العلاقات بين سكان الأندلس في ذلك الوقت والتي تحدث عنها صاحب المشاركة استغلالا حريته للتعبير بتحيز صريح .انتهى كلامكم

ودعني أطيل الكلام معك هنا فألخص لك مقال الدكتور إبراهيم في نقاط معدودة وهي نقاط لم أرى فيها أي تحيز ،ففي الحقيقة لا أعرف ماذا ينقم الدكتور موراني على موضوع الدكتور إبراهيم عوض، موضوع الرابط هنا، فليس فيه أصلاً تطرق لموضوع بناء الكنائس ولا الحرب والقتال والأسرى، وإنما فيه الكلام عن موضوع إزدهار الأندلس، وهو مالم ينكره الدكتور المحترم موراني، ولا عيش غير المسلمين في الأندلس في ظل عيش كريم اشترك فيه اليهود والمسيحيون في اهتمامات حضارة الإسلام بالعلم والكتاب والترجمة والعلوم الطبيعية والكونية وداروا مع المسلمين فيما داروا حوله من الآفاق الكونية والمدارات الفلكية والأسباب الأرضية والعالم الجسدي للإنسان في الطب والجراجة وغير ذلك، فلو كان هناك شعور عنيف بالعنصرية والقهر لما ظهر فيهم رواد في كافة العلوم.

وعموماُ يمكننا أن نلخص مقال الدكتور إبراهيم في التالي فربما لم يقرءه الدكتور موراني كاملاُ

أولا يرى الدكتور أن الأندلس وعاصمتها قرطبة كانت جنة عاش فيه غير المسلمين في دعة وهدوء ونعيم دنيوي وأخلاق رفيعة، ونقل من كلام ستانلى لين بول قوله:" كانوا فى أشد الحاجة إلى القدرة على أن يعيشوا حياتهم فى أمن ورغد. وقد منحهم سادتهم المسلمون هذين" ستانلى لين بول/ قصة العرب فى أسبانيا/ ترجمة على الجارم (ضمن "الأعمال النثرية الكاملة لعلى الجارم/ 305- 306. كما أورد الدكتور إبراهيم التعبير التصويري الذي ضربه عقل ستانلى لين بول كمثال على التسامح والغنى للجميع في بلاد الأندلس، وهي قوله:" "لكن الإسبان لم يدركوا أنهم قتلوا الإوزة التى تبيض بيضة من ذهب فى كل يوم، فقد بقيت إسبانيا قرونا فى حكم العرب" وقوله:" وإنا لنحس فضل العرب وعظم آثار مجدهم حينما نرى بإسبانيا الأراضى المهجورة القاحلة التى كانت فى أيام المسلمين جناتٍ تجرى من تحتها الأنهار تزدهر بما فيها من الكروم والزيتون وسنابل القمح الذهبية،"( المرجع السابق/ 426)

ثانيا علم المسلمون الغرب الطهارة، ومن المعلوم أن نهاية الطهارة في الأندلس كانت بعد طردهم:" إذ أكرهوهم على خلع أزيائهم الجميلة واستبدال قبعات النصارى وسراويلاتهم بها وهجر سُنَّة الغسل والاستحمام اقتداءً بهم فى الصبر على تراكم الأقذار على أجسادهم ونبذ لغتهم إلى لغة الإسبان وطرح عاداتهم وأسمائهم والتسمى، بدلا من ذلك، بأسماء أسبانية (انظر ترجمة على الجارم لكتاب بول: "قصة العرب فى أسبانيا" (ضمن "الأعمال النثرية الكاملة لعلى الجارم"/ 423). وذكر محمد كرد –كما يقول الدكتور إبراهيم عوض في بحثه الدقيق المسمى الفردوس الأندلسى المفقود ومأساة المورسكيين -على أن رجال الدين الكاثوليك فى أسبانيا قد حظروا على الناس الاستحمام لأنه يشبه الوضوء لدى المسلمين مما كانت نتيجته انتشار أمراض الجلد، وخاف الأطباء أن يوصوهم بالنظافة والاغتسال خشية وقوعهم تحت القصاص (انظر كتابه: "غابر الأندلس وحاضرها"/ المكتبة الأهلية/ القاهرة/ 1341هـ- 1923م/ 165). وكما يقول الدكتور إبراهيم عو نقلا عن محمد عبد الله عنان:"فمن بين الوسائل التى لجأت إليها السلطات الملكية والكنسية هَدْم الحمامات عنوان النظافة، تلك التى يعدها الإسلام شطرا من الإيمان، وكان شعارهم الذى رفعوه سببا لتدميرها أنها من تراث عصر الكفر ً يقصدون أن المسلمين كفار، وأن توحيدهم الخالص من كل شائبةٍ كفرٌ، وأن النظافة شعيرة من شعائر الكفر![7] ذلك أن الأوربيين لم يكونوا فى ذلك الوقت يعرفون للنظافة معنى"(أشار الدكتور في الهامش فقال: انظر محمد عبد الله عنان/ دولة الإسلام فى الأندلس- ج4 نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصِّرين/ ط4/ مكتبة الخانجى/ القاهرة/ 1417هـ- 1997م/ 3- 8)

ثالثاً سكان الأندلس من العرب كانوا قلة وكان الأكثرية من اهل الغرب أنفسهم، وكان سكان قرطبة وحد\ها حوالي 4 ملايين نسمة. ونقلا عنه :" لقد كانت أعداد العرب فى الأندلس بالآلاف، بينما كان تعداد السكان بالملايين، وكان المسلمون يشكلون الأغلبية من هذه الملايين. ولكى تتضح لك الأوضاع أذكر لك أن عدد سكان مملكة غرناطة وحدها فى أواخر حكم المسلمين هناك كان أربعة ملايين" فكم كان عدد السكان فى شبه جزيرة أيبريا كلها؟ وماذا كانت نسبة العرب الأقحاح بينهم؟

رابعاً كما أنه لايمكن أن يكون أصل المصريين اليوم عرباً فكذلك لم يكن أصل اهل الأندلس عرباً وإن حدث تزاوج بين أهل الأندلس والعرب، وهذا يعني أن انتشار الإسلام لم يكن بعمل الأقلية العربية وإنما قام به جميع أهل الأندلس من المسلمين. :" أريد أن أقول إن المسلمين فى مصر هم مصريون أصلاء تركوا دياناتهم السابقة من نصرانية ووثنية ويهودية واعتنقوا الإسلام، مثلما كانت الأغلبية الكبيرة من مسلمى الأندلس إسبانية أصيلة، أما مسلمو العرب والبربر فلم يكونوا يشكلون سوى نسبة محدودة من سكان تلك البلاد"

خامساً (والكلام للدكتور إبرهيم عوض:"وحتى تتصور أبعاد الأمر يكفى أن تعرف أن حرق الشخص حيا هو أحد أساليب التنكيل فى مثل تلك الأحوال. كما كان على المسلمين أن يتركوا أبواب بيوتهم على الدوام مفتوحة حتى يمكن النصارى اقتحامها فى أى وقت لمعرفة ما يتم بداخلها أملا فى القبض على أهلها وهم يمارسون شعيرة إسلامية أو يتصرفون كما يتصرف العرب. وعندئذ ينزل بهم التنكيل الرهيب[37]. وكانت سجون محاكم التفتيش وأساليب التعذيب المتبعة فيها من الفظاعة بما لا يمكن تخيله(انظر د. لوى كاردياك/ الموريسكيون المسلمون والمسيحيون/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى/ 27، 32، 44، 81- 82، 90 وما بعدها، وكتابى: "نظرات إسلامية فى الموسوعة العربية الميسرة"/ مكتبة السوادى للتوزيع/ جدة/ 1415هـ- 1995م/ 66- 69، أضاف حفظه الله في الهامش:" وكان مسلمو أسبانيا يصفون محاكم التفتيش بأنها محاكم الشيطان، وأنها تقوم على العجرفة والاختلاس واللواط والفجور والسباب والجحود والغرور والتكبر والاستبداد والسرقة والجهل والظلم والظلام، وأن رجالها حلفاء الشيطان (انظر لوى كاردياك/ الموريسكيون المسلمون والمسيحيون/ ترجمة د. عبد الجليل التميمى/ 103- 104)" ونقل من كلام لوبون مايشرح الحالة:" ويلخص جوستاف لوبون المستشرق الفرنسى فى كتابه: "La civilisation des Arabes" بعض الأهوال التي تعرض لها المسلمون في الاندلس بعد سقوط غرناطة، مؤكدا أنه من المستحيل علينا قراءة قصص التعذيب والاضطهاد الذى صبه المسيحيون المنتصرون على رؤوس المسلمين المنهزمين دون أن ترتعد منا الفرائص: فقد عمّدوهم عَنْوة، وسلّموهم لدواوين التفتيش لتحرق منهم ما استطاعت إحراقه. ورأى القس بيلدا القضاء على جميع العرب ممن لم يكونوا قد اعتنقوا المسيحية بعد بما فيهم النساء والأطفال. وبهذه الطريقة أُبِيد وأُبْعِد ثلاثة ملايين عربى. وكان ذلك الراهب قد قتل في قافلة واحدة للمهاجرين العرب قرابة مائة ألف في أكمنةٍ نصبها مع أتباعه. بل لقد طالب بقتل جميع العرب في إسبانيا حتى المتنصرين منهم بحجة أنه من المتعذر التفرقة بين الصادقين والكاذبين، ومن ثم يتعين قتلهم جميعا ليحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى، فيُدْخِل غير الصادقين منهم نار الجحيم"(وفي الهامش: انظر كتابى: "الحضارة الإسلامية- نصوص من القرآن والحديث ولمحات من التاريخ"/ دار الفردوس/ 1432هـ-2011م/ 70- 71.)

وقد يكون ما أثار حفيظة الدكتور موراني الألماني تحليل الدكتور إبراهيم عوض التالي:" واللافت للانتباه أن المستشرق الألمانى جوزيف هِلْ لم يتطرق إلى تلك الصفحات البشعة من تاريخ المسلمين فى الأندلس رغم تخصيصه فصلا كاملا لرصد إنجازاتهم الحضارية فيها وفى بلاد المغرب. وهذه ثغرة معيبة، لأن مثل تلك الصفحات لا يمكن طيها هكذا دون تمكين القارئ من إلقاء نظرة على الأقل عليها. أما تجاهلها والقفز فوقها وكأنها لا وجود لها فنقص معيب. ويلفت النظر أكثر من ذلك خلو كتابات العرب والمسلمين القدامى من الكلام عن هذه الإجراءات الوحشية الإجرامية التى قضت على الإسلام والمسلمين تماما فى بلاد الأندلس. أترى العالم الإسلامى لم يكن يعلم بما يجرى للمسلمين هناك من كوارث؟ إن هذه لو صحت لكارثة أخرى" مضيفاً ما قد يكون من شأنه أن يرفع حفيظة الدكتور موراني إن كانت قد ارتفع ضغط دمها:" والغريب أن يقوم دبلوماسى مغربى ذو أصل أندلسى فى أواخر القرن السابع عشر برحلة سفارية إلى البلاط الإسبانى لتحرير عدد من الأسارى المسلمين، فيكتب فى ذلك كتابا يصف فيه ما صنعه فى تلك الرحلة، ثم لا يتطرق إلى مأساة المسلمين الذين بَقُوا فى ذلك البلد مع محاكم التفتيش رغم أنه قد أشار مرة إلى ما كان ينتظر أحد اليهود الكبار هناك من محاكمة وعقاب رهيب إن ثبتت عليه التهمة التى زُنَّ بها. وهذا الدبلوماسى المغربى ذو الأصل الأندلسى هو محمد الغسانى الأندلسى، وكتابه هو: "رحلة الوزير فى افتكاك الأسير".

وأخيراً فقد يكون ما أثار حفيظة الدكتور موراني هو مانقله الدكتور إبراهيم عوض من كلام علي الجارم:" وقد لمس على الجارم هذه المسألة فى كلمته التى أثبتها بين يدى ترجمته لكتاب ستانلى لين بول عن الحكم الإسلامى فى الأندلس، فقال معلقا على الاضطراب الذى شاب بعض فترات التاريخ الأندلسى: "ومن العجب أنك، على الرغم من هذا الاضطراب الشامل، تقرأ فى قصة الأندلس صحائف من ذهب تتجلى فيها مدنية العرب معجزة من المعجزات، وآية من الآيات. فقد كانت الأندلس فى العصور الوسطى شعلة النور، ومنار الهداية، وكانت جامعاتها بقرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها ملتقى طلاب العلم من الشرق والغرب، وكان فيها للأدب والشعر والفنون عامةً منزلةٌ لم تكد تصل إليها أمة... خفقت الجوانح بحب الأندلسيين على الرغم مما يزعمه التاريخ من أنهم أُعْطُوا مُلْكًا فلم يحسنوا سياسته، واستناموا إلى الشهوات، واستعان بعضهم على بعض بالأعداء. على أنه يجدر بأهل الرأى ألا يتعجلوا فى الحكم على أهل الأندلس، وهم لم يعيشوا فى بيئتهم، ولم يدرسوا أتم الدرس الأحوال التى ألمت بهم، ولم يدققوا النظر فى نظام الحكم الذى التزمته الأمم فى هذه الأزمان. إن المسلمين بالأندلس كانوا فى أرض غير أرضهم، وفى إقليم اجتمعت فيه كل صنوف الفتنة والجمال، وكان أعداؤهم من الإسبان يحيطون بهم من كل جانب، وأعداؤهم فى المشرق ينصبون لهم الحبائل. أفبعد هذا نصب عليهم اللوم جميعا، ونحمّلهم وزر تصاريف الزمان، وسيطرة الأحوال التى وضعتهم فيها يد القدر؟ إن العرب عاشوا فى هذه الفتن الجائحة نحو ثمانمائة عام قل أن تستطيع أمة سواهم البقاء فى مثلها. ليقل الشعوبية ما شاؤوا، ولْيَقْسُ ابن خلدون وأمثال ابن خلدون على العرب كما أرادوا. اليس من التجنى أن يدعى ابن خلدون أن العرب لا يصلحون لسياسة الأمم، وأنهم أمة جهل وتدمير، وأنهم إذا نزلوا بلدا أسرع إليه الخراب؟ إن سماحة حكم العرب بالأندلس وجمال مدنيتهم واتساع مدى ثقافتهم أسمى من أن يصل إليه إنكار منكر أو جحود جاحد. وإن فى آثارقرطبة وإشبيلية وغرناطة التى لا تزال ماثلة إلى اليوم من معجزات البناء والهندسة ما يخجل كل من يدعى أن أمة العرب أمة خراب وتدمير، وأنهم يهدمون القصور ليتخذوا من أحجارها أثافى للقدور، ومن خشبها أوتادا للخيام. أين هذه الأثافى، وأين تلك الخيام من جنات الأندلس الباسمات وقصورها الشامخات؟ ثم أين هى من عظمة دمشق وجمال بغداد فى حكم العباسيين، وازدهار القاهرة فى عهد الفاطميين؟ إن العرب يبنون ولايهدمون، وإن الهدامين لآثارهم ومدنياتهم إنما هم أعداؤهم من البربر والإفرنج والتتار وغيرهم. وإذا كانت دولة العرب قد مُنِيَتْ بالانحلال السريع فى الشرق والغرب فإن أكثر السبب فى هذا، فيما يغلب على الظن، إنما يعود إلى نظام الحكم الذى كان قائما لا إلى طبائع العرب أنفسهم. ولو نظرنا فى عهودهم إلى الأمم حولهم فى أقطار الأرض لرأينا أنها أصيبت بما أصيب به العرب" (ترجمة على الجارم لكتاب بول: "قصة العرب فى أسبانيا" ضمن "الأعمال النثرية الكاملة لعلى الجارم"/ 275- 277).

وقد يكون ما أثار حفيظة الدكتور المحترم موراني هو ماورد في الهامس(11) وهو التالي وهو من كلام الدكتور إبراهيم عوض:" لعله من المناسب هنا أن نورد مقال الكاتب الإسرائيلى المعروف أوري أفنيري بعنوان "سيف محمد" مترجما إلى العربية كما وجدته فى عدد من المواقع الضوئية مع بعض التعديل اللغوى القليل. ففى هذا المقال (الذى رد به افنيرى على بابا روما منذ سنوات عندما اتهم الإسلام بأنه دين إرهابى) رد قوى على النفاق الغربى الذى يسول لأصحابه توجيه هذه التهمة الكاذبة للدين الحنيف فى الوقت الذى يمثلون هم فيه الإرهاب فى أبشع صوره. قال أفنيرى: "منذ أن كان قياصرة روما يقذفون بالمسيحيين إلى الحلبة فريسة للأسود شاهدت العلاقات بين القياصرة ورؤساء الكنيسة تقلبات كثيرة. لقد حوّل القيصر قسطنطين الأكبر، الذي ارتقى السلطة عام 306، قبل 1700 سنة بالضبط، الدين المسيحي إلى دين الإمبراطورية، التي كانت تضم أرض إسرائيل أيضا. ومع مرور الزمن انقسمت الكنيسة على ذاتها بين فرعيها: الشرقي (الأرثوذكسي) والغربي (الكاثوليكي). وقد طالب البطريرك الغربي، الذي أصبح البابا فيما بعد، من القيصر الاعتراف بسلطته العليا. لقد تصدرت النزاعات بين القيصر والبابا، في العديد من الأحيان، مركز تاريخ أوروبا وجزأت الشعوب. لقد عرفت هذه النزاعات مدا وجزرا. كان هناك قياصرة أقالوا البابا أو نَفَوْه، وكان هناك باباوات أقالوا أو نَفَوُا القيصر. وقد "ذهب إلى كانوسا" أحد القياصرة، وهو هاينريخ الرابع، ووقف هناك حافي القدمين على الثلج لمدة ثلاثة أيام متواصلة أمام مقر البابا حتى وافق الأخير على إلغاء النفي الذي فرضه عليه. غير أنه كانت هناك فترات طويلة تعايَشَ فيها القياصرة والباباوات بسلام. ونحن، في الفترة الحالية، نشهد انسجاما يثير الدهشة بين البابا الحالي، بندكتوس السادس عشر، والقيصر الحالي، بوش الثاني. وعلينا أن ننظر، على هذه الخلفية، إلى خطاب البابا الذي أثار ضجة عالمية. إنه يندمج بشكل جيش في الحملة الصليبية التي يقودها بوش ضد "الفاشية الإسلامية" في إطار "صراع الحضارات". وفي خطابه الذي ألقاه في جامعة ألمانية أراد البابا الخامس والستون بعد المائتين أن يثبت وجود فرق جوهري بين المسيحية والإسلام: فبينما ترتكز المسيحية على المنطق فإن الإسلام ينكره. وبينما يرى المسيحيون منطقا في أعمال الله ينكر المسلمون أي منطق في تلك الأعمال. وبصفتي ملحدا يهوديا فإني لا أنوي أن أحشر نفسي في هذا النقاش. فمن أنا لأتتبع منطق البابا؟ غير أني غير قادر على التزام الصمت حيال مقطع واحد من خطابه متعلق بي كإسرائيلي يعيش إلى جانب خط الجبهة في "حرب الحضارات". فلكي يثبت انعدام وجود المنطق في الإسلام يدعي البابا أن النبي محمدا قد أمر أتباعه بنشر دينه بقوة السيف، وهذا أمر غير منطقي، على حد تعبير البابا، لأن الروح هي مصدر الإيمان، وليس الجسد. وكيف يمكن للسيف أن يؤثر على الروح؟ لتدعيم أقواله اقتبس البابا أقوالا أدلى بها قيصر بيزنطي بالذات من أتباع الكنيسة الشرقية المنافسة. ففي أواخر القرن الرابع عشر ذكر القيصر عمانوئيل الثاني نقاشا أجراه، على حد زعمه (هذا الأمر مشكوك فيه)، مع مثقف فارسي مسلم مجهول. وفي خضم النقاش قال القيصر بخشونة (على حد قوله) أمام شريكه في الحديث: "أرني شيئا جديدا أتى به النبي محمد. وسترى أشياء سيئة وغير إنسانية فقط، كما فى أمره الخاص بنشر دينه بقوة السيف". تثير هذه الأقوال ثلاثة أسئلة: أ- لماذا قالها القيصر؟ ب- هل هي صحيحة؟ ج- لماذا كررها البابا الحالي؟ عندما سجل عمانوئيل الثاني هذه الأقوال كان مليكا على إمبراطورية آفلة. لقد ارتقى السلطة عام 1391 حيث كانت قد تبقت محافظات قليلة من الإمبراطورية العظيمة. وقد هدد الأتراك باحتلال هذه المناطق أيضا في أي لحظة. في تلك الفترة كان الأتراك قد وصلوا إلى ضفاف الدانوب بعد أن احتلوا بلغاريا وشمال اليونان، وهزموا الجيوش التي أرسلتها أوروبا مرتين بهدف إنقاذ القيصرية الشرقية. وفي عام 1452، بعد بضع سنوات فقط من موت عمانوئيل، احتل الأتراك عاصمته: القسطنطينية (إسطنبول اليوم) وكانوا سببا في نهاية الإمبراطورية التي دامت أكثر من ألف سنة. وفي أيام حكمه تجول القيصر عمانوئيل في عواصم أوروبا طلبا للمساعدة. لقد وعد بتوحيد الكنيسة من جديد. ولا شك في أنه كتب القصص عن نزاعاته الدينية ليثير حفيظة أوروبا ضد الأتراك وليقنعها بالخروج إلى حملات صليبية جديدة. كانت نيته سياسية، وما كانت اللاهوتية إلا لخدمة السياسة. إن الأمور، من هذه الناحية، تتوازى مع احتياجات القيصر الحالي جورج بوش، فهو أيضا يحاول توحيد العالم المسيحي ضد "محور الشر" الإسلامي. إضافة إلى ذلك فإن الأتراك أيضا يطرقون باب أوروبا، ولكن في هذه المرة بوسائل سلمية. ومن المعروف أن البابا يعارض القوى التي تطالب بانضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي. هل هناك حقيقة في ادعاء القيصر عمانوئيل؟ لقد شكك البابا ذاته بأقواله. كلاهوتي حقيقي له سمعته لا يمكنه أن يسمح لنفسه بتزييف ما هو مكتوب. لذلك ذكر أن النبي محمدا قد منع في القرآن بشكل واضح نشر الدين بقوة السيف. لقد اقتبس من سورة البقرة الآية 256 (صحيح أن البابا لا يخطئ، ولكنه أخطأ هنا: لقد قصد الآية 257. وقد جاء فيها: "لا إكراه في الدين!"). كيف يتجاهلون قولا بسيطا وقاطعا إلى هذا الحد؟ يدعي البابا أن هذه الآية قد كتبت في بداية مسيرة محمد حينما كان ما زال يفتقر إلى القوة، ولكن مع مرور الوقت أمر باستخدام السيف من أجل الدين. لكن لا يوجد لمثل هذه الوصية أي ذكر في القرآن. صحيح أن النبي محمدا قد دعا إلى استخدام السيف في معاركه ضد خصومه من القبائل المسيحية واليهودية في شبه الجزيرة العربية عندما كان يؤسس دولته، غير أن هذا كان عملا سياسيا وليس دينيا، معركة على الأرض لا على بساط الدين. من أقوال يسوع المسيح: "تعرفونهم من ثمارهم". وعلينا أن ننظر إلى تعامل الإسلام مع الديانات الأخرى حسب اختبار بسيط: كيف تصرفوا خلال أكثر من ألف سنة، بينما كانت القوة بين يديهم، وكان بمستطاعهم "نشر دينهم بقوة السيف"؟ هم لم يفعلوا ذلك. لقد سيطر المسلمون في اليونان طيلة مئات السنين، فهل اعتنق اليونانيون الإسلام؟ هل حاول أي شخص إدخالهم في الإسلام؟ على العكس لقد شغل اليونانيون وظائف كبيرة في الحكم العثماني. كما أن شعوب أوروبا المختلفة مثل البلغار والصرب والرومانيين والمجريين، الذين عاشوا فترات طويلة تحت حكم الأتراك، قد تشبثوا بدينهم المسيحي. إن أحدا لم يجبرهم على اعتناق الدين الإسلامي، وظلوا مسيحيين متدينين. لقد أسلم الألبان وكذلك البوسنيون، ولكن أحدا منهم لا يدعي بأنهم قد أكرهوا في ذلك. لقد اعتنقوا الدين الإسلامي ليكونوا محببين إلى السلطة وليتمتعوا بخيراتها. في عام 1099 احتل الصليبيون القدس وذبحوا سكانها المسلمين واليهود من دون تمييز، وكانت هذه الأمور تنفذ باسم يسوع الطاهر النفس. في تلك الفترة، وبعد 400 سنة من احتلال المسلمين للبلاد، كان ما زال معظم سكان البلاد من المسيحيين. طيلة كل تلك الفترة لم تجرى أية محاولة لفرض دين محمد على السكان. لكن بعد أن طُرِد الصليبيون من البلاد بدأ معظمهم يتبني اللغة العربية ويعتنق الدين الإسلامي. وكان معظم هؤلاء هم أجداد الفلسطينيين الحاليين. ولم تُعْرَف أية محاولة لفرض دين محمد على اليهود. لقد تمتع يهود أسبانيا، تحت حكم المسلمين، بازدهار لم يسبق له مثيل في حياة اليهود حتى أيامنا هذه تقريبا. وكان شعراء مثل يهودا هليفي يكتبون باللغة العربية، وكذلك الحاخام موشيه بن ميمون (الرمبام). كما كان اليهود في الأندلس المسلمة وزراء وشعراء وعلماء. وقد عمل في طلطيلية المسلمة مسلمون ويهود ومسيحيون معا على ترجمة كتب الفلسفة والعلوم اليونانية القديمة. وكان ذلك "عصرا ذهبيا" بالفعل. ترى كيف كان لهذا كله أن يحدث لو كان النبي محمد قد أمر أتباعه "بنشر الإيمان بقوة السيف"؟ لكن المهم هو ما حدث لاحقا حين احتل الكاثوليك أسبانيا واستولَوْا عليها من المسلمين، فقد بسطوا فيها حكما من الإرهاب الديني. لقد وقف اليهود والمسلمون أمام خيار قاس: اعتناق المسيحية أو الموت أو الهرب. وإلى أين هرب مئات آلاف اليهود الذين رفضوا تغيير دينهم؟ لقد استقبل معظمهم على الرحب والسعة في الدول الإسلامية. واستوطن "يهود الأندلس" بلادا تمتد من المغرب في الغرب إلى العراق في الشرق، ومن بلغاريا (تحت حكم الأتراك آنذاك) في الشمال إلى السودان في الجنوب. ولم تتم ملاحقتهم في أي مكان أو يواجهوا أي شيء يضاهي تعذيب محاكم التفتيش أو لهيب المحارق أو المجازر أو والطرد الذي ساد في معظم الدول المسيحية حتى حدوث الكارثة. لماذا؟ لأن محمدا قد منع بشكل واضح ملاحقة "أهل الكتاب". لقد تم تخصيص مكانة خاصة في المجتمع الإسلامي لليهود وللمسيحيين. ولم تكن هذه المكانة مساوية تماما لمكانة المسلمين، ولكنها كادت تكون كذلك. صحيح أنه كان يتوجب علهم دفع جزية خاصة، ولكنهم قد أُعْفُوا من الجيش مقابلها. وهذه الصفقة كانت مجدية جدا لليهود. يقال إن الحكام المسلمين قد عارضوا محاولات إدخال اليهود في الإسلام حتى بالوسائل اللطيفة لأن هذا الأمر كان معناه خسارة عائداتهم من الضرائب. لكن كل يهودي مستقيم يعرف تاريخ شعبه لا يمكنه إلا أن يشعر بالعرفان تجاه الإسلام، الذي حمى اليهود طيلة خمسين جيلا، في الوقت الذي كان العالم المسيحي فيه يلاحقهم، وحاول في العديد من المرات إجبارهم على تغيير دينهم "بالسيف". إن قصة "نشر دين محمد بالسيف" هي أسطورة موجهة، هى جزء من الأساطير التي نشأت في أوروبا أيام الحروب الكبيرة ضد المسلمين: إعادة احتلال أسبانيا من قبل المسيحيين والحروب الصليبية وملاحقة الأتراك، الذين كادوا يحتلون فيينا. وإني أشتبه في أن البابا الألماني الشريف يؤمن هو أيضا بهذه الأساطير عن إخلاص. وهذا يعني أن زعيم العالم المسيحي، وهو لاهوتي مسيحي هام بحد ذاته، لم يبذل جهدا في التعمق في تاريخ الأديان الأخرى. ترى لماذا صرح بهذه الأقوال علنا؟ ولماذا الآن بالذات؟ لا مناص من النظر إلى الأمور على خلفية الحملة الصليبية الجديدة التي يخوضها بوش ومؤيدوه الإنجيليون وحديثه عن "الفاشية الإسلامية" و"الحرب العالمية ضد الإرهاب"، بينما يتم توجيه كلمة "الإرهاب" إلى المسلمين. إن هذا الأمر بالنسبة لمن يوجه بوش هو محاولة ساخرة لتبرير الاستيلاء على مصادر النفط. وهذه ليست المرة الأولى التي تلبس فيها المصالح الاقتصادية الجرداء قناعا دينيا، وكذلك ليست المرة الأولى التي تتحول فيها حملة نهب إلى حملة صليبية. وإن خطاب البابا ليندمج بشكل جيد في هذه المساعي. ولا أحد يعرف ما هي النتائج الممكنة".

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

موراني

13/10/1435 - 09/08/2014, 12:43 pm

20

0

إعجابات

السيد طارق منينة ، هذا الوصف القصصي والتكرار ما فيه من جانبكم الكريم ليس في محل البحث العلمي حول تأريخ الأندلس بل يناسب العنوان الأصلي فقط : الفردوس الأندلسي...إلخ .

ربما تتفضل بإلقاء نظرة إلى البيان المغرب لابن عذارى حول الظروف اليومية عبر العصور ، وفيما يتعلق بالنظافة والصحة في هذا الفردوس ربما تستفيد بما جاء بقلم لسان الدين ابن الخطيب تحت العنون : مقنعة السائل عن المرض الهائل ، وهي رسالة كما هو معلوم عن الطاعون الجارف الذي امتحن به الأندلس وغيره في منتصف القرن الثامن الهجري . هذا ، وربما تتركز على هذا الفردوس بالتعمق في قراءة الأصول بدلا من هونكة والآخرين ، مثلLe Bon صاحب العلوم الاجتماعية حتى إلى الثلاثينات في القرن الماضي و بغير توسيع القضية على الصليبيين حتى البابا السابق و إلى بوش.... إلخ .

رد مع اقتباس

موراني • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: ربيع الأول 1425

التخصص: تأريخ الفقه المالكي ، تفسير

دكتوراه في الدراسات الاسلامية

ألمانيا

1,236

325

طارق منينة

13/10/1435 - 09/08/2014, 10:21 pm

21

0

إعجابات

لاأعرف كيف يشتغل عقل الدكتور المحترم موراني إذا تعلق الأمر بالإسلام وحضارته؟

فاذا تكلمنا عن حقيقة الحضارة بما فيها من قيم ونظافة مال الرجل الى أن يأتينا بنصوص تراثية فيها -فيما يخص النظافة -أمراض انتشرت وطاعون تفشى ونظافة افتقدت وغير ذلك مما يصيب الأمم والحضارات في أزمنة ومواضع أثناء سيرها وصعودها أو هبوطها .

وسؤالي العلمي هو :هل كان يمكن أن تواصل حضارة علمية، تقنية وتكنولوجية، مسارها العلمي والفكري، والأخلاقي والإنساني، بدون أن تكون على مستوى عال من النظافة والعلمية؟

وهل ذلك كله يمنع وجود مخالفات وأخطاء، وأمراض وغير ذلك مما عرضه العلماء في كتبهم؟

لأضرب للدكتور المحترم موراني مثالاً معاصراً دلالة على ماأقول.

فألمانيا أو لنجعلها هولندا لأني أكثر خبرة بها، 25 عاماً من الحياة فيها، هي كما تعلم بلد متقدمة جداً وأنا أوافق على ذلك، فيها العلم والنظافة، والتنظيم والتطوير، والصحة والقوة، لكن هل توافقني يادكتور-وهنا سوف اخوض خوضك إلزاماً لك!- على أن الشباب-احيانا - يبول على جدران الكنائس ومحطات الترام في منظر لافت ربما نتيجة شرب البيرة او السكر او غير ذلك ، وعلى أن الدعارة هي في وسط المدينة، شوارع كاملة مقامة في احتفالية اذلال يومي للنساء الغربيات!، وعلى مداخل تلك الشوارع الغربية مبولة للرجال، وأنها مرتع للأمراض ومنها مرض الإيدز مع أنهم يقومون بالكشف الطبي الدوري على تلك المواخير الوسخة، ألا توافقني على أن الأمراض النفسية وصلت لحدود جنونية؟ وعلى أن نسبة الإنتحار عالية، ألا توافقني على أن بيع الأجساد وصل لحد تجاوز حدود التطرف الطبيعي(!!)، ألا توافقني على أنه وعلى الرغم من الرعاية الصحية الفريدة من نوعها في عصرنا،-وهنا اتكلم بعقل اكثر هدوءا!- فإن أمراض وفيروسات البطن والجسد والإيدز منتشرة وأنها تحدث بصورة دورية، ويمكنني أن ادخل معك من مدخل أشد وطأ ألا وهو ألا ترى أن تلك الحضارة(الغربية) وعلى الرغم من تطورها الفريد من الناحية المادية إلا أنها نفسها مرت بحروب داخلية هائلة من حرب الثلاثين عاما وماقبلها ثم الحرب العالمية الأولى والثانية، وتدمير هائل في الحرب لألمانيا وهولندا وبولندا وهلم جرا.

ناهيك عن دكتاتوريات حديثة في روسيا واسبانيا والمانيا(هتلر-موسوليني- ستالين)

لو شئت لكتبت لك كتاباً من (عشرون مجلداً ) عن تلك الأمراض والحروب الهائلة التي يمكن القول أنها همجية ووحشية وقاتلة، ومع ذلك فإننا نحكم على الحضارة المادية أو على جانب إنساني فيها أنها مزدهرة وهو سبب قيامها ولولا ذلك لإنهارت منذ زمن!؟

أنت يادكتور موراني تأخذ هذا الجانب الأخير من حضارتنا!، وتجعل الفأر فيلاً، والقليل تجعله هو الكثير، ويمكن على ذلك أن يكون حوارنا حوار الطرشان بلا أي تقابل في عناصر مهمة.

وأخيرا فإن على أن أنقل لك نصاً ثمينا، تاريخياً موثقاً، وورد في التاريخ الأوروبي نفسه، بل الألماني نفسه، وهو النص الذي أوردته غريمتكم الألمانية السيدة هونكه، فالشهادة غربية، بعيون غربية، وهي لاتنفي الجانب السلبي بالمعنى الهيجلي الذي نعرفه عن حركة الحياة.

هاهو النص الذي أنقله لك مباشرة من النسخة الورقية التي عندي، وهو من كتاب زيغريد هونكه(إبل على بلاط قيصر) وتقصد به القيصر الألماني!،تنقل أو تحكي أو تنقل الحكاية:

ماشاهده رسولا الملك"أوتو" حاكم المانيا العظيم إلى مدينة قرطبة في يونيه-حزيران959م، واسم الروسولان هما يوهانس جورتز وجارامانوس :"أمضى الرسولان الملكيان في "مدينة المدائن" هذه أكثر من عامين .كانت المدينة تعد أكبر المدن وأكثرها جمالا بين كل مدن أوروبا، وتمتد بطول شاطيء نهر الوادي الكبير ولها 28 ضاحية ويبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة يعيشون في 113000 منزل ماعدا مساكن الوزراء والموظفين، وكانت قرطبة تضم ستمئة مسجد، وثلاثمئة حمام ساحن ،وثمانين مدرسةعامة، وسبعة عشر معهدا دراسيا، بجانب المدارس العليا الأخرى التي يدرس بها في القرن التاسع طلاب الطب والرياضة، ونحو 4000 طالب من دارسي الفقه. وكذلك كانت قرطبة تزخر بعشرين مكتبة عامة مفتوحة أ/ام طبقات الشعب كله ولم تكن أيى مدينة في ألمانيا أو غيرها من بلاد أوروبا تضم على أكثر تقدير سوى بضعة آلاف من الناس ، كما لم تكن بها مستشفيات أو مدارس، وبالطبع لم تكن بها مكتبات أو حمامات عامة ، بل وصل الأمر إلأى حد أن الكتب التي كانت بالأديرة كانت لندرتها تثبت بالسلاسل، وبينما كانت شوارع المدن الواقعة شمال البرانس غير مرصوفة تغطيها أكوام القاذورات والأوحال، فإن الراهبين الألمانيين كانا يسيران هنا في قرطبة على طرق مرصوفة نظيفة، وتقوم على نظافتها عربات تجرها الثيران، بل إنها كانت تضاء ليلا بواسطة مصابيح مثبتة على جدران المنازل. وأبدى الألمانيان إعجابهما بتلك الثقافة العالمية التي شاهدا ملامحها في كل مكان ، وبالتسامح الذي يبديه الخليفة والتاجر والصانع البسيط، وبقلوبهم الكبيرة وكانت المفاجأة التي أخذت بمجامع قلوبهما هي تلك الحرية التي يتمتع بها المسيحيون هنا في أداء شعائر دينهم، بل لقد كان في وسعهم أن يتقلدوا أعلى مناصب الدولة... ويمكن أن نلخص كلامنا فنقول :إنهما قد تنسما عبير ذلك الجو الذي يكتنفه أرق الأحاسيس، الجو الروحي القريب من الحواس، الجو الذي يخلب تلك الحواس يرضي الروح ويشبعها في وقت واحد...إن هذه الصورة الرائعة التي عاد بها إلى وطنه واحد ممن إنتشى بخمر ذلك العالم الغريب الذي لايدين بالمسيحية، قد انعكست على قصيدة المديح التي صاغتها الراهبة" روسفيتا فون جاندر سهايم" باللغة اللاتينية وبإحساس دافق في بلاط القيصر، وهي تشدو بعبارة تمتليء حماسا بقرطبة البعيدة: درة الدنيا الناصغة- المدينة الفتية الرائعة- فخورة بمنعتها- شهيرة بمباهجها مشرقة فيما تحوز عليه من كل الأشياء "(الإبل على بلاط قيصر لزيغريد هونكه ص 32-34)

ودمتم بخير

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

محمد عبدالله آل الأشرف

13/10/1435 - 09/08/2014, 11:51 pm

22

1

إعجابات

يقول المؤرخ الكبير المعاصر James Reston,Jr في مؤلفه Columbus ,the Inquisition,and the Defeat of the Moors وهو مؤلفه الرابع بعد مؤلفاته ( النبؤة الأخيرة و أوروبة في سنة ألف و مقاتلون في سبيل الله ) وكان اعتماده في تأريخه على ماحوته المؤسسات والمكتبات العلمية الأمريكية من مراجع ومخطوطات وكذلك في إسبانيا والبرتغال :

كانت الأندلس منارة تنير أوروبة ، فقد كانت الزراعة في سهول أنهار Guadalquivir و Guadiana قد تجاوزت كل بقاع أوروبة ، واشتهرت في الأندلس أعمال صياغة الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة والصناعات الجلدية . أما في مجال الهندسة فقد كانت مهارات الأندلسيين لا تجارى ولا تبارى ، وقد تجلت مهارات وفنون العمران في معالم عمرانية مدهشة وكثيرة جدا مثل - وشرع في ذكر بعضها ..... - إلى أن قال : ومن أمجاد هذه الحضارة العظيمة تألقها في الفنون والآداب والرياضيات والعلوم والتاريخ والفلسفة . انتهى النقل .

وللمؤلف وصف لا يقل عن هذا في ثنايا كتابه يصف كيف كانت عليه الأندلس قمة في الحضارة والتسامح الديني التي لم تعرفها أوروبا قبل غلبة النصارى على المسلمين وانتزاعهم حكم الأندلس منهم .

طارق منينة معجبٌ بهذه المشاركة.

رد مع اقتباس

محمد عبدالله آل الأشرف • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: جمادي الثاني 1432

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

1,189

520

طارق منينة

14/10/1435 - 10/08/2014, 07:15 am

23

0

إعجابات

في هذا السياق اي صعود الحضارة الاسلامية وازدهارها لابد من عرض ماكان يحدث في الغرب حتى الى وقت فولتير ومابعده من قذارة في كل مكان

وهذا يستدعي كما قال الدكتور موراني ان نعرض حقيقته الموثقة وان شاء الله اليوم اضع النصوص الموثقة عن هذا الأمر

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

موراني

14/10/1435 - 10/08/2014, 11:04 pm

24

0

إعجابات

السيد طارق منينة

انتم تضربون لنا أمثلة لا علاقة لها بالموضوع وهو الانحياز في وصف الفردوس الأندلسي

غير أنكم تواصلون في العرض بهذا الاتجاه وكما قلت من الصليبيين الى البابا والرئيس بوش السابق والآن الى الظروف في هولندا وغيرها في مجالات مختلفة الخ

اما أنا فلا أعارض الا هذا الوصف المتحيز الذي جرى على لسان السيد عوض بغير ذكر المصادر المعتمدة في علم التاريخ ويجري الان على لسانكم انتم بامثلة لا علاقة لها بالأمر

لو ذكرت ان علم الكلام كان مذموما في ذلك الفردوس بحرق كتب ابن رشد ونفيه من البلاد لاقتربت من الوصف الحقيقي

لما أنا بصدده في عصر من عصور ذلك الحديقة

بدلا من ذلك علينا قراءة تلك الظروف الطيبة وازدهار الفلسفة وهلم جرا ونترك الغطاء فوق الظروف التى أدى الى نفي هذا العالم والى عفوه في العام الاخير في حياته في ٠٠٠٠٠٠مراكش

في حقيقة الامر : سئمت من هذه الأساليب في عرض لما لم يكن المقصود منه اصلا ٠ وهذا يدفعني بعذركم الى عدم التواصل في قراءة ما تاتون به من الأمثلة الكثيرة والغريبة وبعيدة عن الموضوع كل البعد

ولكم الخير والعافية

 

 

[تمت المشاركة باستخدام تطبيق ملتقى أهل التفسير]

رد مع اقتباس

موراني • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: ربيع الأول 1425

التخصص: تأريخ الفقه المالكي ، تفسير

دكتوراه في الدراسات الاسلامية

ألمانيا

1,236

325

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 05:36 am

25

0

إعجابات

لنحاول مرة أخرى أن نفهم اعتراض الدكتور موراني على مقال الدكتور إبراهيم عوض حول الأندلس وماكان فيه من علم وتسامح وحضارة وهو الشأن الذي ميز حضارة الأندلس على الرغم مما حدث فيها من أخطاء ومعاصي وماحدث لابن رشد أو غيره.

يقول الدكتور موراني إن هناك تحيز في مقال الدكتور إبراهيم عوض للأندلس والخير الذي كان فيها واستفادت منه أولا اليهود والنصارى وقتذاك أي في زمن يطول حتى يصل الى 800 عام، ثم استفادت منه أوروبا فيما بعد(لايريد الدكتور موراني أن يرى هذا الوجه المشرق مع أنه هو الوجه الذي صير أوروبا متمدنة فيما بعد بعد أن كانت قذرة وظلمات في الجهل وهو ماسنقيم عليه بعض الأدلة اليوم إن شاء الله

اما لماذا الدكتور إبراهيم متحيز فقد قال الدكتور موراني لأنه لم يذكر أمثلة عدم النظافة في الاندلس كما لم يذكر ماحدث لابن رشد!

هل هذا هو كل شئ؟

انه يريدنا أن نعرض لأسباب غروب شمس تلك الحضارة بدلاً من الكلام عن ما انتجته من اشراق وازدهار وتمدين للعالم

مع ان هناك مئات الكتب التي تكلمت عن نهاية الاندلس بل ان الدكتور إبراهيم عوض تكلم عن شيئاً من ذلك في مقاله، أي عن النهاية وانزياح المسلمين المغاربة الى المغرب العربي.

ومعلوم أن الدكتور إبراهيم لم يكن بصدد عرض أسباب الإنهيار وإنما أسباب الإزدهار، وهو مايناسب غرض هذا الملتقى من الإنتصار للقرآن الكريم ، وهو الكتاب الذي أنشأ تلك الحضارة لا إنهيارها!

مع أنه لو ذكر أسباب إنهيارها لكان في ذلك أيضا انتصار للقرآن أو تصديق له ولقيمه وتعاليمهلأن القرآن دعانا الى تفادي أسباب الإنهيار والفرقة والفشل!

وعلى كل فليسأم الدكتور موراني كيف يشاء فإننا بصدد عرض حقيقة ما أنتجه القرآن وشكله من حضارة وقيم تأثرت بها أوروبا نفسها في العقل والعلم والنظافة والنظر في الكون والأسباب.

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 11:26 am

26

0

إعجابات

القمامة والقذارة في انجلترا

قال ديورانت في قصة الحضارة( ج35 ص88 ):" ولكن لم يتح لندن نظام مجار عام إلا سنة 1860. أما المداخن فيطهرها منظفو المداخن، الذين يتسلقونها بضغط كيعانهم وركبهم على جدرانها الداخلية المصنوعة من الطوب أو الحجر، واستمر هذا التشويه القاسي لأجسام الأطفال حتى عام 1817. وكان شطر كبير من السكان يحشرون في أحياء فقيرة مزدحمة تلوثها القمامة والفضلات فتولد عشرات الأمراض(40). وفي حيين من أحياء لندن-هما وابنح ولايمهاوس - كان واحد من كل اثنين من السكان تقريباً يعيش عيش الكفاف، معتمداً على الإحسان، أو السرقة، أو البغاء، في الحصول على المسكن والطعام. أما الأطفال فيجرون حفاة قذرين شعثاً في الشوارع لا تسترهم غير أسمال ولا يتعلمون غير الإجرام. في هذه الشوارع الفقيرة ندر أن اهتم الرجال والنساء بالزواج فالعلاقات الجنسية حدث عابر، وسلعة تسوق دون احتفال أو قانون. ولم يكد يوجد في هذه الأحياء كنائس على الإطلاق، أما دكاكين الجعة والحانات فكثيرة. وفيها أيضاً كانت بؤر اللصوص، والنشالين، وقطاع الطرق، والقتلة المحترفين. وكان كثير من المجرمين ينتظمون في عصابات. فإذا تعرض لهم الحراس جدعوا أنوفهم. وألفت جماعة منهم يدعون "الموهوك" أن يخرجوا إلى الشوارع سكارى، ويخزوا المارة بالسيوف، ويكرهوا النساء على الوقوف على رءوسهن، ويسلموا عيون من يقاومونهم من ضحاياهم. أما لصوص العصابات الأقل ضراوة فكانوا يقنعون بكسر نوافذ الدكاكين والبيوت. ذكر سموليت في 1730 "أن اللصوص والسارقين أصبحوا الآن أشد استهتاراً وضراوة مما كانوا في أي عهد منذ عرف البشر الحضارة(41)". وفي 1744 حرر عمدة لندن وحاكمها خطاباً للملك قراراً فيه أن "عصابات شتى قوامها أعداد كبيرة من الأشخاص ذوي النزعة الشريرة، المسلحين بالهراوات، والطبنجات، والسيوف، وغيرها من الأسلحة الخطرة، يعيثون فساداً لا في الأزقة والممرات الخاصة فحسب، بل في الشوارع العامة وأماكن الاحتشاد العادية، ويقترفون أخطر الاعتداءات على أشخاص رعايا جلالتكم(42)". وقال هوراس ولبول في 1752: "إن المرء ليضطر إلى السفر، حتى في الظهيرة، وكأنه ماض إلى ساحة قتال(43)".

وكانت العاصمة الكبرى بالطبع شيئاً أكثر كثيراً من هذه الحصيلة المتكاثرة من الفقر والجريمة، فلقد كانت إلى ذلك بلد البرلمان والقصور الملكية، ووطن ألف محام وتاجر وصحفي وشاعر روائي وفنان وموسيقى ومعلم وكاهن ورجل بلاط. ويجب ونحن ماضون في طريقنا أن نضيف غلى رؤيتنا للندن القرن الثامن عشر بيوت الطبقات المتعلمة الفخمة وأخلاقها وعاداتها، وجمهور المصلين في الكنائس، والشكاك، والعلماء، والفلاسفة، وظرفاء "المجتمع الراقي" وحسانه وعشاقه

قال ديورانت ج35 ص87-88 ):" ولعل جونسون أحب شوارع لندن أكثر حتى من حبه لنهرها، مع أنها كانت لا تزال سيئة الإضاءة رديئة الصرف، لا ينظفها في الغالب سوى ماء المطر الهاطل عليها.(يقصد ديورانت ان ذلك تقريبا في 1648م) وكان قد تقرر في 1684 نظام لإضاءة الشوارع يقام بمقتضاه مصباح مضاء بالشمع عند كل عاشر بيت، ولكن المصابيح لم تضاء إلا في الليالي التي يحتجب فيها القمر، وحتى منتصف الليل فقط، ومن عيد الملاك ميخائيل (29 سبتمبر) إلى عيد السيدة العذراء فقط (25 مارس). وفي 1736 وافقت سلطات المدينة على إقامة خمسة عشر ألف مصباح زيتي في أنحاء لندن كلها، تظل مضيئة من غروب الشمس إلى شروقها، وكان هذا حدثاً مشهوداً في حياة العاصمة حسن كثيراً من أمن شوارعها في الليل... وبدأ تثبيت أرقام الشوارع على البيوت في سنة 1708. وكان أكثرها في سنة 1750 مزوداً بالمياه الجارية. وأخذت وسائل النظافة تتحسن. وكان القانون يطالب رب كل أسرة بأن يحتفظ برصيف الشارع نظيفاً أمام بيته، ولكل حي زبال ينظم جمع القمامة."

هذا بينما كانت قرطبة مثلا قبل ذلك بقرون

(الأرقام في النصوص التي أنقلها هي اشارة للمراجع التي نقل عنها ويل ديورانت وهي مراجع اوروبية تماما!)

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 12:39 pm

27

0

إعجابات

انجلترا والفقر والشعوذة والمرض والطاعون والقذارة

 

وقال ويل ديورانت في كتابه قصة الحضارة( ج37 ص274-275 ):" وتنافست العقاقير، والجراحة، والشعوذة، على مال المريض. وظل الفصد الدواء الذي يصلح لك الأدواء، وقد قدر طبيب في 1754 أن أربعين ألف شخص يموتون كل عام في فرنسا من جراءالإفراط في الحجامة(28). وفي أخريات القرن تصاعدت الاحتجاجات على هذا الدواء ووجدتلها صوتا فعالا في كتاب ولشتين "تعليقات على الفصد" وتكاثرت العقاقير.وقد نبذت فارماكوبيا لندن الرسمية الصادرة في 1746 الوصفات المؤلفة من نسيج العنكبوت، وقرون الثور الوحشي، ولبن العذراء، ولكنها احتفظت بالترياق، وعيونالسرطان، وقمل الصوف والأفاعي، واللآلئ، زعما منها أنها تؤلف مزائج شافية. ..وأثرىأفراد من "الأدوية المملوكة لأصحابها"-المركبة من وصفات سرية مسجلة.وهكذا ابتلعت إنجلترا أطناناً من "إكسير ستوتن" و"زيوت بتن البريطانية" و"حبوب هوبر للنساء" و "أقراص الدود" لتشنج.وكان دجاجلة الطب ومشعوذوه عنصرا محببا في المسرح الطبي"...

 

وكما تعلمت اوروبا علوم الطب من المسلمين فقدسبقت الأستانة انجلترا وغيرها في التطعيم ،وكان طب اوروبا للقرن السابع عشر خليطا من الشعوذة والعلم والخرافة والجهل، يقول ديورانت :" فلم يزل جو الطب يخيم عليه ظلمات السرية، والشعوذة،والنظريات التي كان ينبغي أن تتوارى خجلاً منذ زمن نتيجة للخبرة... وأخذت العلاجاتالمعجزة تفقد سمعتها، وانتصارات الطب تقوم بدورها الهادئ في ذلك الصراع الأساسيبين الدين والعقل، وهو صراع راح يحتل مكان الصدارة في حياة الذهن.."(قصةالحضارة ج37 ص 287)

(ويقول ديورانت في قصة الحضارة، المجلد 37 ص276-277) ):" وفي1714 وصفت رسالة من الدكتور ايمانويل تيموني، قرأت على جمعية لندن الملكية،"الحصول على الجدري بالحز أو التطعيم، كما مورس منذ زمن طويل في الأستانة.كتبت ليدي ماري ورتلي مونتاجيو من الأستانة في أول أبريل 1717: "أن الجدري،ذلك المرض الشديد الفتك والانتشار بيننا (نحن البريطانيين) قد جعله اختراع التطعيمسليم العاقبة تماما... وفي كل عام تجرى العملية لألوف الناس... وليس هناك حالةواحدة لشخص مات منها. وقد تصدق أنني مطمئنة جداً لسلامة التجربة إذا علمت أننيأنوي تطبيقها على ولدي الصغير الحبيب. وقد طعم الصبي البالغ من العمر ست سنوات فيمارس 1718 بيد الدكتور تشارلز ميتلاند، وهو طبيب إنجليزي كان يومها في تركيا.

وفي 1721 انتشر وباء جدري في لندن وفتكبأهلها لا سيما الأطفال. وكانت ليدي ماري قد عادت من تركيا، فكفلت الكتورميتلاند، الذي عاد هو أيضا إلى وطنه، بأن يطعم أبنتها البالغة من العمر أربعةأعوام. ودعا ثلاثة من أبرز الأطباء ليروا أن الفتاة (التي أصبحت فيما بعد ليديبيوت) لم تزعجها النتائج إزعاجا يذكر. فأعجبوا بما رأوا، وسمح أحدهم بتطعيم أبنه .ونشرت ليدي ماري الفكرة في البلاط. ووافقت الأميرة كارولين على تجربة التطعيم علىستة مجرمين حكم عليهم بالإعدام، فارتضوا على وعد بأن يفرج عنهم إن ظلوا أحياء؛وعانى أحدهم من إصابة خفيفة بالمرض، أما الباقون فلم يبد عليهم أي أذى، وأفرج عنالستة جميعاً. وفي 1722 أمرت الأميرة بأجراء العملية على الأطفال الأيتام فيأبرشية- سانت جيمس، فتكللت بالنجاح التام، وفي أبريل أمرت بأجرائها على اثنين منبناتها. وانتشر قبول التطعيم في الأوساط الأرستقراطية البريطانية، ولكن موت شخصينمطعمين في بيتهما عطل الحركة وقوى المعارضة لها. وشكا أحد النقاد من أن"تجربة لم تمارسها غير قلة من النساء الجاهلات... تسود فجأة، وبعد خبرةضئيلة، على أمة من أكثر أمم الأرض أدبا وتهذيبا حتى وجدت طريقها إلى القصر الملكي.وأحست ليدي مارى بهذه الطعنة، فنشرت دون توقيع "بيانا واضحا عن التطعيمبالجدري بقلم تاجر تركي"وشجب معظم الأطباء الإنجليز التطعيم لما فيه من خطر،ولكن في 1760 أدخل روبرت ودانيال ستن التطعيم بالثقب، وقررا أن لم يمت من بين30.000 مطعم غير 1.200- أي أربعة في المائة."

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 12:43 pm

28

0

إعجابات

القذارة في ايطاليا

 

يقول ديورانت في قصة الحضارة ج14 ص219) :" وأما المسيحية الإيطالية فكانت مؤلفة من وثنية خيالية جذابة، وشرك عاطفي من القديسين الحماة المحليين، وأساطير صريحة من الخرافات والمعجزات. وكان الفن الإيطالي يرى أن الفن القوطي فن همجي ويستمسك بطراز الباسلفا، (البناء الروماني المستطيل الشكل)، ثم عاد آخر الأمر في عصر النهضة إلى الشكل الأوغسطي. ولم يزدهر نظام الإقطاع في إيطاليا مطلقاً؛ فالمدن لم تفقد قط سلطانها وتفوقها على الريف؛ وكانت الصناعة والتجارة، لا الزراعة، هما اللتين مهدتا السبيل إلى الثراء. ولم تكن في روما في عهد من العهود مدينة تجارية، ولذلك ظلت آخذة في الضعف، فقد اندثر مجلس شيوخها في حروب القوط، وأضحت وأضحت نظم بلدياتها القديمة بعد سبعمائة عام من نشأتها أدوات جوفاء وأحلاماً تناقض روح الزمان، ولم يكن في وسع عامتها المؤلفين من خليط من الأجناس، والذين يعيشون عيشة قذرة يخفف من قذارتها بعض الشيء الإباحية الجنسية والصدقات البابوية، لم يكن في وسعها هؤلاء العامة أن يعبروا عن عواطفهم السياسية إلا بالثورات المتكررة على السادة الأجانب أو البابوات البغيضين... وخُربت قنوات الشرب الإمبراطورية من جرّاء الإهمال أو الحروب فأخذ الناس يشربون مياه التيبر(11)؛ وعطلت حلبة مكسيموس Circus Maxtmus والكلسيوم Collosseum ذواتا الذكريات الدموية، وأخذت السوق العامة تعود في القرن السابع مراعي للبقر كما بدأت، وغطى الوحل أرض الكبتول، وهدمت الهياكل القديمة والمباني العامة ليأخذ من أنقاضها ما تحتاجه الكنائس المسيحية والقصور من مواد، وعانت رومة من أبنائها أكثر مما عانته من الوندال والقوط(12)، وملاك القول إن روما يوليوس قيصر قد ماتت، وإن روما ليو العاشر لم تكن قد ولدت بعد. وتشتت محتويات دور الكتب القديمة وتلفت، وكادت الحياة الذهنية أن تنحصر في الكنيسة. وهوى العلم تحت أقدام الخرافات التي تهب الفقر خيالاً ورواء ؛ وظل الطب وحده يرفع رأسه عالياً تحتفظ منه الأديرة بما ورثته عن جالينوس. ولعل مدرسة طبية علمانية قد نشأت من دير للبندكتيين في سلرنو في القرن التاسع الميلادي، فكانت هي التي سدت الثغرة القائمة بين طب الأقدمين وطب العصور الوسطى، كما سدت إيطاليا الجنوبية الهنستية الثغرة التي قامت بين ثقافة هذه العصور وثقافة اليونان: وكانت سلرنو مصحة منذ أكثر من ألف عام، وقد وصفت الرواية المحلية المأثورة كلية أبقراط التي كانت بها؛ فقالت إنها تتألف من عشرة معلمين أطباء منهم واحد يوناني وآخر مسلم، وثالث يهودي(13). وجاء قسطنطين "الأفريقي" وهو مواطن يوناني درس الطب في مدارس المسلمين بأفريقية وبغداد-إلى مونتي كسينو Monte Gassino (التي أصبح فيها راهباً)، وإلى سلرنو القريبة منها، جاء إليهما ببضاعة عجيبة مثيرة من المعارف الطبية الإسلامية. وأسهمت تراجمه للكتب اليونانية والعربية في الطب وغيره من الميادين في إحياء العلم بإيطاليا، حتى كانت مدرسة سلرنو حين وفاته حاملة لواء العلوم الطبية في بلاد الغرب المسيحية. "

مع العلم ان مدرسة سلرنو اخذت علومها من الاندلس الاسلامية

وقد كتبت عنها في تعريف كتاب...المقدمات التاريخية

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 12:48 pm

29

0

إعجابات

انجلترا والأخلاق والدعارة ووصف ديورانت

 

وكانت اخلاق انجلترا في النصف الاول من القرن الثامن عشر كما يعرضها ديورانت(ج35 ص 92-94) :" لعل العلاقات السابقة على الزواج كانت بين النساء أقل شيوعاً في ذلك العهد مما هي عليه اليوم (1965)، ولكن البغاء ازدهر إلى حد لم يكد يعرف ثانية حتى يومنا هذا. وقد قدر مراقب أجنبي عدد المومسات بخمسين ألف في لندن، يوجدن في حانات المدينة، وفي الفنادق الصغيرة على الطرق، وفي حدائق المدينة، وفي المراقص العامة، وحفلات الموسيقى، والمسارح، وكن في شارع اكستر وحي ستراند يجلسن إلى النوافذ تشجيعاً للمترددين من الزبائن. وفي "دروري لين" (شارع المسارح بلندن)-كما تغنى الشاعر جون جاي في تمثيليته "تريفيا": هي التي تمشي في الليل بخطى وئيدة، لا يضم جسدها اللدن مشد قاس، وتحت المصباح تتوهج شرائطها المبهرجة، والمعطف حديث التنظيف، وسيماء المومس... وبأصوات التملق تستميل الأذن الساذجة قائلة "يا فارسي الهمام! يا فاتني! يا حبيبي! يا عزيزي!"(49).

ولم تأخذ القانون بهن رحمة. فإذا أمسكت إحداهن وهي تتحرش برجل، زج بها في السجن وضربت بالسوط ووضعت في المشهرة (آلة التعذيب). وقد وصفت "مجلة جرب ستريت" في عدد 6 مايو 1731 مصير إحدى هؤلاء "المدامات" فقالت "وقفت أمس الأم نيدهام في المشهرة ببارك بليس قرب شارع سانت جيمس، ونكل بها الجمهور تنكيلاً شديداً. وقد اشتد بها الإعياء حتى استلقت بطول المشهرة، ورغم ذلك ظلوا يحصبونها بقسوة، ويظن أنها ستموت بعد يوم أو يومين(50).

ولكن لم يكن يصل غلى المشهرة غير أفقر البغايا. فقد كن يتفادين القانون عادة بالرشا، أو يخرجهن صاحبهن بكفالة، وأحسّ بعض حفظة القانون-ربما لأنهم تعرفوا فيهن على "مضيفات" سابقات لهم-بعض العطف على نساء عاقبتهن القوانين على فسق الرجال. وأغلب الظن أنه لم يأت إلى فراش الزوجية محتفظاً بعفته عشرة من كل مائة ذكر من أهل لندن. لقد ندد القوم بالرذيلة علانية، ولكنهم احتقروا الفضيلة سراً.. وكتاب جون كليلاند المسمى "مذكرات غانية" (1749)، والذي عرف فيما بعد باسم "فاني هل"، وهو سلسلة من الأغواءات المفصلة، كان (وما زال) من أفحش كتب ذلك القرن وأكثرها شعبية.

وألف بعض الرجال جماعات للاستمتاع المتبادل فيما بينهم. وروت جريدة لندن في عددي 23 و30 أبريل 1725 نبأ القبض على سبعة لوطيين، وفي 14 مايو سجلت نبأ شنق ثلاثة آخرين بتهمة اللواط، ثم أضافت "نمى إلينا أنهم (أي الشرطة) اكتشفوا عشرين بيتاً أو نادياً يجتمع فيها اللوطيون، وهم يراقبون أيضاً منتديات ليلية يلتقي فيها هؤلاء الوحوش في جمع كبير". وفي 7 يوليو روت الجريدة أدانة "روبرت هويل ويورك هورنر بفتحها بيوتاً في وستمنستر يستقبلان فيها هواة هذه الرذيلة المنكرة". وفي23 يوليو أعلنت أن: "مرجريت كلاب، التي أدينت بفتحها بيتاً سرياً يستخدمه اللوطيون... حكم عليها بوضعها في المشهرة، وبدفع غرامة قدرها تسعون ماركاً، وبالسجن سنتين"(51).

وينبئنا مصدر وثيق بأن "نسبة كبيرة جداً من أهل لندن كانوا يعاشرون النساء حراماً دون زواج(52)". وكانت زيجات الحب في ازدياد، على الأقل في روايات رتشردسن وفيلدنج، ولكن معظم الزيجات كان يرتبها الآباء بعد الوزن الدقيق لمهر العروس بالقياس إلى دخل العريس الفعلي أو المنتظر. وقد حرم قانون صدر في 1753 على الأشخاص دون الحادية والعشرين الزواج بغير موافقة والديهم أو الأوصياء عليهم. ولما كان هذا القانون لا ينطبق إلا على إنجلترا، فإن كثيرين من العشاق الفارين من آبائهم كانوا يعبرون الحدود إلى إسكتلنده، حيث يتبع القساوسة في قرية جريتنا جرين قانوناً أكثر يسراً. وكان هناك مزيد من التيسيرات على العاشقين المتلهفين يوفرها رجال الدين الجشعون الذين يعقدون الزيجات السرية في الحانات أو المواخير أو العليات أو غير ذلك من الأماكن في شارع فليت أو على مقربة منه (وفي الشارع سجن للمدينتين). وكان في كل حانة تقريباً في تلك المنطقة كاهن من هذا النوع على استعداد لتزويج أي إنسان لقاء رسم، دون أن توجه إليه أسئلة أو يطالب بترخيص. وشاع عن أحد هؤلاء القساوسة أنه كان يعقد ستة آلاف قران في السنة. وكانت الزيجات تبرم في عاطفة مشبوبة، ثم تفسخ وقد ذابت حرارتها؛ وكان آلاف النساء يهجرن رجالهن، وكان البحارة يتزوجون وهم يقضون يوماً على البر، ويحبون، ثم يرحلون. ورغبة في القضاء على هذا المنكر أصدر البرلمان قانوناً (1753) بألا يعتبر أي زواج شرعياً، باستثناء زيجات الكويكرز أو اليهود، ما لم يعقده قسيس أنجليكاني في كنيسة أبرشية، بعد نشر إعلان بالزواج في الكنيسة على مدى ثلاثة آحاد متعاقبة؛ وكل مخالف لهذا القانون يعاقب بالنفي إلى المستعمرات.

ولم يكن الطلاق مسموحاً به في إنجلترا (قبل 1857) دون الحصول على قانون خاص من البرلمان(53)، وكانت تكاليف هذا الإجراء تجعل منه ترفاً مقتصراً على الأغنياء. وفشا الفسق في جميع الطبقات إلا الوسطى، وضرب جورج الأول والثاني مثالاً في ذلك-والناس على دين ملوكهم. ففي عام 1700 كتب كونجريف يقول "كل إنسان في هذا المجتمع ولد بقرون طالعة(54)". ولم تتغير الحال إلا قليلاً في 1728، حين جعل الكاتب المسرحي "جاي" السيدة بيتشم في "أوبرا الشحاذ" تسأل زوجها عن ابنتها "بالله لم يجب أن تشذ ابنتنا بوللي عن بنات جنسها فتقصر حبها على زوجها؟.. كل الرجال لصوص في الحب، ويزداد عشقهم للمرأة إن كانت ملك رجل آخر(55)". على أنه يمكن القول عموماً بأن أخلاق النساء كانت في إنجلترا خير منها في فرنسا، وأنه في الطبقات الوسطى، التي ظلت التقاليد البيورتانية فيها قوية، أوشكت العفة أن تكون إفراطاً في الاحتشام، وقد تجد من النساء زوجات من الطراز الذي يحلم به الرجال-صبورات، مجدات، وفيات. وكان المعيار ذو الوجهين مفروضاً ومقبولاً. فكانت النساء المهذبات يسمعن الكثير من الحديث النابي ويقرأن فيلدنج وسموليت، ولكن كان ينتظر منهن أن تحمر وجوههن خفراً مغرياً، وأن يغشي عليهن في لمح البصر.

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

محمد عبدالله آل الأشرف

15/10/1435 - 11/08/2014, 12:50 pm

30

1

إعجابات

الأستاذ طارق منينة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

حسب فهمي لكلام الدكتور موراني فهو لا ينكر شهود الأندلس حضارة فريدة في عهد المسلمين ، وأن الأمر لا يتجاوز عنده اعتراضا على العنونة بالفردوس المفقود ، وأن وصف الحضارة الإسلامية في الأندلس من الدكتور ابراهيم عوض بالفردوس فيه تجوز في الوصف ، فالفردوس وصف لما يخلو من النقص والعيب خلوا مطلقا !

ولو أن الحوار قصر على هذه الجزئية لكان أليق و أنفع .

واعذر لي تطفلي أستاذنا الفاضل .

طارق منينة معجبٌ بهذه المشاركة.

رد مع اقتباس

محمد عبدالله آل الأشرف • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: جمادي الثاني 1432

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

1,189

520

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 12:54 pm

31

1

إعجابات

جزاكم الله خيرا اخي محمد وأنا عرضت اعتراضاته بعدل ولم اخفي منها شيء وهو تكلم عن النظافة وأنا أتيت له بقصة رسولا ألمانيا الى قرطبة في وقت كانت فيه أوروبا كما أعرضها الآن في فرنسان وايطاليا وانجلترا وهلم جرا فشكر الله لك وبارك فيك

محمد عبدالله آل الأشرف معجبٌ بهذه المشاركة.

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 12:55 pm

32

0

إعجابات

القذارة في فرنسا(1)

قال ديورانت عن حالة الفرنسيين في القرن الثامن عشر(قصة الحضارة ج36 ص21 ):" وروع السائحون الإنجليز في ذلك العصر لفقر الفلاح الفرنسي. ففي 1718 كتبت السيدة ماري مونتاجو: "في كل محطة كنا نقف فيها لتبديل خيول البريد كان أهل البلدة جميعاً يخرجون إلينا يسألوننا إحساناً، في وجوه أضناها البؤس والجوع وملابس رثة ممزقة، وما كانوا بعد ذلك في حاجة إلى دليل أبلغ من ذلك لإقناعنا بتعاسة أحوالهم. ولم يرسم المراقبون الفرنسيون صورة أكثر إشراقاً من هذه إلا في وقت متأخر من هذا القرن. وقال سان سيمون: "في 1825 كان الناس في نورماندي يعيشون على حشائش الحقول. إن أول ملك في أوربا عظيم لمجرد كونه ملك الشحاذين. وتحويله مملكته إلى مستشفى فسيح الأرجاء يقيم فيه أناس يعانون سكرات الموت، انتزع منهم كل شيء دون أن يبدوا شيئاً من التذمر". وفي 1740 حسب المركيز رينيه لويس دي أرجنسون، أن عدد الفرنسيين الذين ماتوا بسبب الفقر والعوز في العامين الأخيرين أكبر من عدد من قتلوا في حروب لويس الرابع عشر كلها". وقال بسنارد: "كانت ملابس الفقراء من الفلاحين-وكانوا كلهم تقريباً فقراء-تدعو إلى الإشفاق والرثاء، حيث لم يكن لدى الفرد منهم إلا ثوب واحد للصيف والشتاء معاً.... أما الحذاء الوحيد (المرقع الواهي المثبت بالمسامير) الذي اقتناه عند زواجه، فكان لزاماً أن يستخدمه بقية أيام حياته، أو على الأقل طيلة بقاء الحذاء". وقدر فولتير أن مليوني فلاح فرنسي كانوا يستخدمون نعالاً خشبية في الشتاء، وكانوا يسيرون حفاة الأقدام في الصيف، لأن الضرائب الباهظة المفروضة على الجلود جعلت الأحذية ضرباً من الترف أما مسكن الفلاح يبنى من الطين مع سقف من القش، وكان عادة يتكون من غرفة واحدة، منخفضة لا سقف لها في بعض الأجزاء في شمال فرنسا، على أن الأكواخ كانت تبنى أقوى حتى تحتمل البرد والرياح في الشتاء". وكان طعام الفلاح يتألف من الحساء والبيض ومنتجات الألبان وخبز الشعير أو الشوفان. أما اللحم وخبز القمح فكان أكلهما إسرافاً طاوئاً(53). ففي فرنسا، كما هو الحال في أي مكان آخر، كان أولئك الذين يطعمون الأمة لا يملكون من الغذاء إلا أقله." ويضيف( ص25) :" وفي أواسط القرن كانت باريس وروان وليل وليون وبوردو ومرسيليا تعج بالبروليتاريا. وتفوقت ليون بوصفها مركزاً صناعياً لبعض الوقت على باريس. وقد وصفها الشاعر الإنجليزي توماس جراي في 1739 بأنها " ثانية مدن المملكة من حيث الاتساع والمكانة. وشوارعها بالغة الضيق والقذارة، ودورها بالغة الارتفاع والاتساع (تتكون الدار من خمسة طوابق في كل طابق 25 غرفة)، مكتظة بالسكان". وكانت باريس خلية هائجة، يقطنها 800 ألف منهم 100 ألف خادم، و20 ألف متسول، وفيها الأكواخ الكئيبة والقصور الفخمة، والأزقة والحارات المظلمة والشوارع القذرة وراء المتنزهات الأنيقة، وفيها الفن إلى جانب الإملاق والفقر المدقع. وسارت فيها المركبات الكبيرة والمركبات العامة ذات الجواد الواحد والمحفات يصطدم بعضها ببعض مع تبادل السباب والشتائم، واختناق شديد في حركة المرور. وكانت بعض الشوارع قد صفت منذ 1690 وعام 1742 رصف تريساكيه الطرق بأحجار ملساء، ولكن معظم الشوارع كانت قذرة تماماً... وكان للأغنياء وحدهم صنابير ماء في بيوتهم، أما سائر الناس فكان يزودهم بالماء عشرون ألف سقاء يحمل الواحد منهم دلوين بهما أحياناً سبع مجموعات من درجات السلم. أما المراحيض في المنازل والحمامات المزودة بالماء الجاري الساخن والبارد... وكان الفقراء من الناس يعتمدون في شراء حاجياتهم أساساً على الباعة المتجولين الذين حملوا بضاعتهم جاهدين في دلاء أو سلال على ظهورهم، والذين أسهموا في موسيقى الشوارع بصيحاتهم ونداءاتهم التقليدية غير المفهومة التي يدعون بها الناس إلى الشراء، من "البطاطس المطبوخة" إلى الموت للفئران "فقد نازعت الفئران الناس على تيسيرات السكنى في المدينة، وزاحم الرجال النساء والأطفال الفئران في مسابقة الحصول على الطعام. قال رجل فارسي كان في زيارة مونتسكيو": "البيوت مرتفعة إلى حد يظن معه أنه لا يقطنها إلا منجمون. ولك أن تتخيل مدينة بنيت في الهواء، فيها أقيمت ستة أو سبعة منازل الواحد منها فوق الآخر وهي مزدحمة بالسكان، حتى إذا نزلوا جميعاً إلى الشارع، رأيت هناك حشداً رائعاً. لقد بقيت هنا شهراً، لم يقع نظري فيه على شخص واحد يسير بخطى وئيدة. وليس في العالم كله مثل الرجل الفرنسي وهو يجتاز الطريق، إنه يعدو أو يطير(62). أضف إلى ذلك المتسولين والمتشردين والنشالين والمغنين في الشوارع والنافخين في الأرغن والدجالين بائعي الأدوية المزيفة. وجملة القول أنهم شعب تشيع فيه مائة من أخطار البشر، لا يوثق به إطلاقاً، متلهف على الكسب، مسرف في الدنس والتجديف بكل معنى الكلمة. ولكنه إذا أوتي اليسير من الطعام أو النبيذ فهو ألطف شعوب العالم وأكرمها وأكثرها مرحاً وابتهاجاً"

قال ديورانت عن فترة ماقبل منتصف القرن الثامن عشر ، وكان يتكلم عن دول اوروبا :" القمامة كانت لا تزال في أكثر الحالات تفرغ في الشوارع. وظهرت المراحيض في باريس في مطلع القرن، ولكن في بعض البيوت فقط، ولم تكن توجد إطلاقاً في غير باريس من أوربا. وكانت الحمامات ترفاً يختص به الأغنياء."(قصة الحضارة ج37 ص 271) وذلك بعد ان قال (ج37 ص268-269 ):"لقد قدر فولتير متوسط عمر الإنسان في عصره باثنتين وعشرين سنة وكان من أثر الأحياء الفقيرة المزدحمة في المدن النامية ارتفاع نسبة الوفيات في الأطفال، حتى بلغت أحياناً خمسين في المائة. وفي لندن كان ثمانية وخمسون في المائة من جميع الأطفال يموتون قبل أن يبلغوا الخامسة...وكانت الأوبئة الآن، بصفة عامة، أخف وطأة منها في القرون السابقة، ولكنها ظلت أحد الأخطار التي تهدد الحياة. وكانت أشد هولا في الريف منها في المدن، رغم ما في هذه من أحياء فقيرة مزدحمة، لأن الفلاحين كانوا أعجز من أن يدفعوا ثمن الرعاية الطبية. وقد قتلت أوبئة التيفوس، وحمى التيفود، واجدري، ثمانين ألف شخص في برتني في سنة واحدة (سنة 1741) ... وفي باريس تلقى أكبر مستشفياتها المسمى الأوتيل ديو 251,178 مريضاً في السنوات الإحدى عشرة بين 1737 و 1748، مات منهم 61.091. وقد أفضى التهافت على "منزل الله" هذا-كما سموه- إلى حشد ثلاثة أشخاص أو أربعة أو خمسة أو حتى ستة في فراش واحد، "فكان المحتضرون والناقهون يرقدون جنبا إلى جنب... وكان الهواء ملوثاً بالإفرازات المنبعثة من هذا العدد العديد من الأجساد المريضة"(23). وكان من بين الأعمال الخيرة الكثيرة التي قام بها لويس السادس عشر في 1781 أمره بأن "يخصص سرير مستقل لكل من 2.500 مريض، وأن ينام خمسمائة مريض على أسرة مزدوجة يفصلها حاجز"

ويقول جان شارل سورنيا في كتابه تاريخ الطب من فن المداواة إلى علم التشخيص عن المستشفيات:" وقد ابرز تحقيق اجراه تينون(1816-1724) في فرنسا الخراب غير العادي لهذه المؤسسات القذرة المكتظة ، حيث يختلط العجزة والمعلولون وصغار المجرمين والمومسات والمتسولون وغير المرغوب فيهم بالمرضى وضحايا السرطان والمختلين عقليا"( تاريخ الطب من فن المداواة إلى علم التشخيص لجان شارل سورنيا، كتاب عالم المعرفة،ص221) وتحت عنوان الثورة الفرنسية والطب الأوروبي كتب يقول:" ففي سنة 1789، كانت المستشفيات في حالة يرثى لها، وهي حالة كان قد وصفها من قبل تقرير وضعه جاك تينون في سنة 1788"(المرجع نفسه ص 228)

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 01:15 pm

33

0

إعجابات

أما أسبانيا بعد طرد المسلمين وقتلهم في مجازر محاكم التفتيش وانتهاب علوم المسلمين فحدث عنها

ويقول ويل ديورانت ان حالة قرطبة ساءت لما ملكها الاسبان الكاثوليك الذين احتلوا هولندا وغيرها ، فتحت عنوان انهيار اسبانيا (1665-1700 )قال ديورانت ج33 ص119) :" وكانت أساطيلها الثمينة قد دمرها الإنجليز (1588) والهولنديون (1639)، وهزمت جيوشها هزائم فاصلة في روكروا (1643) ولينز (1648)، واعترف دبلوماسيوها في صلح البرانس (1659) بانتصار فرنسا، وكان اقتصادها يعتمد على تدفق الذهب والفضة من أمريكا، وهذا التدفق كان يقطعه المرة بعد المرة الأسطول الهولندي أو الإنجليزي. وتقلصت تجارتها وصناعاتها لاعتمادها على الذهب الأجنبي واحتقار شعبها للمتاجرة... وكانت قرطبة وبلنسية

في حالة اضمحلال واع برم بعد شهرتها الماضية بحرفها. وكان طرد المغاربة قد آذى الزراعة، وغش العملة المرة بعد المرة أربك المالية. وبلغت حال الطرق من السوء وحال النقل من التخلف مبلغاً وجدت معه المدن القريبة من البحر، أو الواقعة على أنهار صالحة للملاحة، أنه أرخص لها أن تستورد البضائع، حتى الغلال، من الخارج عن أن تجلبها من مصادرها في أسبانيا. وهبط مستوى المعيشة هبوطاً حمل أعداداً لا تحصى من الأسبان على هجر مزارعهم ومتاجرهم وأخيراً وطنهم. وارتفعت وفيات الأطفال، ويبدو أنه كان هناك بعض التحديد الماكر لعدد أفراد الأسرة. فقد أصبح آلاف الرجال والنساء رهباناً عقيمين أو راهبات وانطلقت آلاف أخرى للمغامرة في أراض نائية. وفقدت إشبيلية، وطليطلة، وبرجوس، وسقوبية بعض سكانها. وهبط سكان مدريد في القرن السابع عشر من 400.000 إلى 200.000(52) لقد كانت أسبانيا تموت من مرض الذهب.

وفي وسط الفقر المنتشر المتكاتف كدست الطبقات العليا ثروتها وعرضتها على الأنظار. وأمسك النبلاء، الذين طال إثراؤهم باستغلال الأهالي أو بالكنوز المستوردة، عن استثمار ثروتهم في الصناعة أو التجارة، وراحوا يبهرون أبصار بعضهم البعض بالجواهر والمعدن النفيس، وبالملاهي الغالية والأثاث الفخم... وكانت القيود التي أعجزت الكاثوليك في إنجلترا لا تقاس بما يلقاه البروتستنت من أخطار في أسبانيا. .. واستمر حرق اليهود المنتصرين الذين اتهموا بأنهم يضمرون يهوديتهم. وبنى ديوان التفتيش لنفسه في ميورقه قصراً جميلاً من الثروة التي صادرها في تحقيق واحد(55). وكانت الجماهير تؤيد بحرارة هذه المحرقات وإن حاول كثير من النبلاء تثبيطها. فلما أعرب شارل الثاني في 1680 عن رغبته في أن يشهد احتفالاً بحرق المهرطقين... وأحرق واحد وعشرون حتى الموت في مرجل في الميدان الكبير، وكان هذا أعظم وأفخم احتفال بحرق المهرطقين في تاريخ أسبانيا، ونشر كتاب من 308 صفحة يصف الحدث ويخلد ذكراه."

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

طارق منينة

15/10/1435 - 11/08/2014, 01:20 pm

34

0

إعجابات

الحقيقة كما هي

يقول ويل ديورانت في قصة الحضارة ج13 ص297 :" وكان المسيحيون من رجال الدين وغير رجال الدين يفدون بكامل حريتهم وهم آمنون من جميع أنحاء أوربا المسيحية إلى قرطبة، أو طليطلة، أو إشبيلية طلاباً للعلم، أو زائرين، أو مسافرين. وقد شكا أحد المسيحيين من نتيجة هذا التسامح بعبارات تذكرنا بشكاية العبرانيين القدماء من اصطباغ اليهود بالصبغة اليونانية فيقول:

"إن إخواني المسيحيين يعجبون بقصائد العرب وقصصهم، وهم لا يدرسون مؤلفات فقهاء المسلمين وفلاسفتهم ليردوا عليها ويكذبوها، بل ليتعلموا الأساليب العربية الصحيحة الأنيقة... واحسرتاه! إن الشبان المسيحيين الذين اشتهروا بمواهبهم العقلية لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة غير علوم العرب آدابهم ولغتهم؛ فهم يقبلون في نهم على دراسة كتب العرب، ويملئون بها مكتباتهم، وينفقون في سبيل جمعها أموالاً طائلة، وهم أينما كانوا يتغنون بمديح علوم العرب"

رد مع اقتباس

طارق منينة • فريق إشراف ملتقى الانتصار للقرآن الكريم

تاريخ التسجيل: شعبان 1431

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

6,301

1210

كتاب هام جدا عن المورسكيين:ـ

إبراهيم عوض

29/10/1435 - 25/08/2014, 02:51 am

35

0

إعجابات

اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق منينة مشاهدة المشاركة

الحقيقة كما هي يقول ويل ديورانت في قصة الحضارة ج13 ص297 :" وكان المسيحيون من رجال الدين وغير رجال الدين يفدون بكامل حريتهم وهم آمنون من جميع أنحاء أوربا المسيحية إلى قرطبة، أو طليطلة، أو إشبيلية طلاباً للعلم، أو زائرين، ...إضغط هنا لعرض الاقتباس

رد مع اقتباس

إبراهيم عوض • مشارك فعال

تاريخ التسجيل: صفر 1426

التخصص: غير معروف

غير معروف

غير معروف

189

220

كتابان هامان: المورسكيون فى الفكر التاريخى لكاتب أسبانى + المورسكى لروائى مغربى

إبراهيم عوض

29/10/1435 - 25/08/2014, 02:58 am

36

0

إعجابات

الموريسكيون في التاريخ

 

 

تنزيل رواية "الموريسكي" للروائي المغربي حسن أوريد ~ Los Moriscos De Túnez الموريسكيون في تونس

رد مع اقتباس

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق