أضيف في 11 أكتوبر 2017 الساعة 15:49

الصحة النفسية والعلاج النفسي


ناصر سالم المقرحي

الصحة النفسية والعلاج النفسي

كعادتها , الجمعية الليبية للآداب والفنون كانت حاضرة في الموعد المحدد حيث أقامت مساء الثلاثاء الماضي بدار حسن الفقيه حسن نشاطها الشهري والذي تمثل هذا الشهر في محاضرة توعوية بعنوان " الصحة النفسية والعلاج النفسي " ألقاها الأستاذ والباحث أحمد ظافر محسن وسلط فيها الضوء بتوسع واستفاضة وتفصيل على هذا الموضوع العلمي المهم والمُلح , ويشار إلى أن المحاضرة أقيمت في هذا اليوم تحديدا لتزامنها مع اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يوافق العاشر من أكتوبر من كل عام , والمحاضرة كما هو معلوما من الاهمية بمكان للفرد وللمجتمع ككل .

وبمقدمته المختصرة والافتتاحية أعطى الأستاذ مفتاح قناو الذي استهل النشاط , أعطى إشارة أنطلاق المحاضرة التي تحدث من ضمن ما تحدث فيها الأستاذ المُحاضر عن الهوية بتحليل علمي دقيق لا يكاد يترك شاردة ولا واردة , حيثُ أكد على ارتباط الهوية الفردية بالهوية الجماعية وتطرق إلى الظروف التي تعرقل تحديد الهوية وبيَّنَ عواقب ضبابية وعدم تحقق الهوية وتأثير ذلك على الصحة النفسية وأتحذ من الحديث عن الثقافة التي قسمها إلى مادية وغير مادية والثقافة بمفهومها الشمولي مدخلا لتأطير هذا الموضوع الذي بقدر ما هو شائك هو شائق وممتع وواسع .

وكان لابد للباحث من أن يُعرف الصحة النفسية فأشار إلى انها مفهوم يخالف مفهوم المرض العقلي أو الصحة العقلية وإنها عبارة عن مجموعة من العوامل التي تجعل من الفرد في وضع أفضل يتقبل معه ذاته والآخر , تحدث من ثم الباحث عما أسماه سلم الصحة النفسية الذي يبدأ بخانة أو مؤشر الصفر ويتصاعد حتى يصل المائة , وكل درجة من هذه الدرجات تبين أو تقيس الصحة النفسية , مؤكدا الباحث على استحالة الوصول إلى قمة السلم لأسباب عدة وعلى المرء أن يتقبل هذه الحقيقة والنتيجة بعدم بلوغ الدرجة التي أطلق عليها الباحث أسم الأفتراضية .

واستعرض فيما يلي عوارض الصحة النفسية المتمثلة في العوارض الثابتة والدائمة والعوامل العابرة .

وللوصول إلى التحليل الأمثل للظاهرة أو الموضوع المطروح للنقاش تحدث الباحث كذلك عن الوراثة والبيئة وتأثيرات كل من العاملين في تدني أو تحسن الصحة النفسية , ثم استدعى مفهومي الأستعداد والقدرة وتحدث عن الفرق ما بينهما من وجهة نظر تحليلية ومدى ارتباطهما بالبيئة وحاول الأستاذ المُحاضر بعد ذلك نقد ما يسمى بالمسلمات والبديهيات المرتبطة بالقضايا النفسية واعتبرها أشياء قيد الأختبار نافيا عنها صفة الثبات والرسوخ والديمومة وشددَ على نقطة أن الصحة النفسية للفرد لا تدخل ضمن بند الأضطراب العقلي وأن هذين الأمرين منفصلين تماما , فالأضطراب العقلي شيء والأضطراب النفسي شيء آخر وهي النقطة التي عاد إليها المُحاضر كثيرا وبصيغ مختلفة لرفع اللبس وإزالة الخلط ما بين الموضوعين اللذين يعتبرهما البعض موضوعا واحداً , وكون المحاضرة علمية بالأساس , أكتظت بالمصطلحات والرموز العلمية بلغتها الأصل وقد حاول الباحث شرح هذه المفردات والمصطلحات وتقديم ما يقابلها باللغة العربية داخل سياق حديثه العام في المحاضرة .

ولتوضيح الفارق ما بين الصحة النفسية والأضطراب العقلي قام بربطهما بالقدرة الإنتاجية , حيثُ أن القدرة الإنتاجية لذوو الأضطراب النفسي تقل عن معدلها لدى الأسوياء بينما تكاد تنعدم لدى أصحاب الأضطراب العقلي لعدم قدرتهم على القيام بأي عمل , ومن خلال ربط الصحة النفسية بالإنتاجية في صورها المختلفة يمكن قياس درجتها .

ومن ثم أورد الباحث إحصائيات عالمية توضح كارثية المشكلة من خلال العدد الكبير من الذين يعانون من القلق النفسي وواضح أن هذا الوضع أثَّرَ سلبيا في الإنتاجية التي تدنت بنسب عالية جدا وهو وضع ينذر بالخطر , وحول صعوبة تشخيص الأضطراب النفسي تحدث الباحث في مقابل سهولة تشخيص المرض العقلي .

وتحت عنوان " العلاج النفسي في ليبيا هل هو في أزمة أم لا ؟ " أعتبر الأستاذ الباحث إن ما يحدث اليوم في ليبيا تحت مسمى العلاج النفسي يعد كارثة حقيقية أو جريمة في حق الجميع ففي ظل غياب المعايير العلمية وفي ظل أختفاء دور الدولة ممثلة في أجهزتها ومؤسساتها الرقابية والضبطية تمَ استسهال هذه المهنة وصار كل من هب ودب قادرا على فتح مصحة ودون خبرة ولا مؤهل علمي يستطيع أن يعالج المرضى بهدف الحصول على الأموال والأغتناء وفي هذا خطورة ليس على المريض فحسب بل على المحيطين به , وفيما يتعلق بالاطفال سيضطر المُعالج للتعامل مع أسرته , مُبيناً المُحاضر بأن الغير متخصص وبدلا من أن يعالج المريض قد يفاقم من مرضه ويجعل من حالته الصحية متأزمة بتشخيصه وعلاجه الخاطئين , فيما لو تُرِكَ الأمر للطبيعة لربما قامت بدورها العلاجي وحُلت المشكلات من ذاتها , فللعلاج النفسي طرق وأصول وقواعد لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها , وضرب مثلا بمعالجة حالات الأغتصاب والحلول الغير علمية التي تُطرح أحيانا وتناول الباحث في حديثه مسألة التأهيل النفسي ما بعد الأزمات مثل ما حدث في ليبيا السنوات الأخيرة .

عند هذا الحد مع بعض الملاحظات الأخرى المهمة أنهى الباحث محاضرته القيمة الي حضرها جمهور تكون إلى جانب أوفياء الجمعية , من الأكاديميين والدكاترة ورجال العلم .

أمسك الأستاذ مفتاح قناو بطرف الحديث هنا ليتيح الفرصة للحاضرين لطرح استفساراتهم ووضع تعليقاتهم عن ما جاء في المحاضرة وإثراء الجلسة بالأراء والأفكار والإضافة , الدكتور علي الحوات هو أول المتداخلين , أكد في مداخلته على أهمية مسألة الهوية التي متى ما كانت متماسكة وواضحة ستعالج الكثير من المشاكل التي من بينها الصحة النفسية للأفراد , الهوية التي يُفترض أنها ستترسخ في الوجدان وفي الضمير في البيت وفي المدرسة وفي المساجد , الهوية التي اعتبرها الدكتور صمام أمان وحل لعديد المشكلات في المجتمع .

وتحدث لاحقا الأستاذ عزام عن مسألة الخجل من العلاج النفسي وأرفق تعليقه بسؤال يقول .

ما مدى تأثير الأضطرابات التي تحصل في المجتمع على الصحة النفسية للأطفال , فيما تطرق المُعقب الثالث إلى انهيار وسوء التعليم وبالتالي سوء مخرجات التعليم , وقادهُ الحديث أخيرا إلى ذلك الشعور بالأرتياح والطمأنينة لبعض الأشخاص وكأن المرء يعرفهم منذ سنوات وبالمقابل الشعور بالضيق والأنقباض عند مقابلة بعض الأشخاص الآخرين دونما سبب واضح .

وهنا أوضح الدكتور مصطفى عمر التير الذي حضر النشاط وطرح تفسيره لمسألة القبول والرفض لدى البعض وربطهما بالنظرية التي تقول بوجود موجات كهرومغناطيسية تسري ما بين الأجساد وتؤثر في مسألة القبول والرفض أو التجاذب والتنافر واستشهد الدكتور في مداخلته بعدة مواقف فردية قديمة لتأكيد وجهة نظره فيما يخص تواضع العلماء ومعرفتهم لحدودهم وإمكانياتهم العلمية حين يجيبون على بعض الأسئلة بكلمة لا أعرف I Dont No وهي بالمناسبة وكما اشار الدكتور كلمة غير موجودة في قاموسنا اليوم لان الجميع يدّعي المعرفة بينما لو اكتفى من لا يعرف بهذه الكلمة الخفيفة على اللسان الثقيلة البيان لحُلت الكثير من المشاكل والأزمات فكلمة لا أعرف في حد ذاتها إجابة مقنعة واكثر من كافية , تحدث الدكتور بعد ذلك عن ريادتنا العلمية كليبيين بالمقارنة مع بعض الدول العربية التي تتفوق علينا اليوم للأسف .

ومن موقعه كطبيب ومن وجهة نظر طبية تكلم الدكتور عادل زقلام عن الموضوع واستفاض في ذلك , خاصة فيما يتصل بالتعامل مع الطفل , لان التعامل مع الطفل المريض هو تعامل مع الأسرة وأشار إلى غياب الإخصائيين النفسيين وعدم مساندتهم للأطباء في العلاج الموضعي والمادي , كما أكد على حديث المُحاضر حول الأستسهال الحاصل في شأن العلاج النفسي وافتتاح الأماكن التي تزعم العلاج النفسي في الوقت الذي لا تلتزم فيه بالمعايير العلمية المتعارف عليها ولا يمتلك من يفتتح مثل هذه الأمكنة الصفة القانونية لممارسة هذا العمل والتخصص الدقيق .

الدكتورة هناء من جانبها عززت نتائج البحث التي أشار إليها الأستاذ المُحاضر من أن الكل مريض نفسيا بشكل من الأشكال وبدرجة من الدرجات وطرحت سؤالاً مفاده .

ما هي الشروط اللازمة للعلاج النفسي , لتنطلق إثر هذا السؤال في عرض رؤيتها للموضوع من ناحية الأهتمام بالصحة النفسية للأم الحامل باعتبار أن ذلك سينعكس بالسلب او بالإيجاب على الجنين ثم توعية الام بعد الولادة وتنبيهها إلى هذا الأمر , وهذا من مسئوليات الأطباء المعالِجين , ثم التركيز على الصحة النفسية للطفل في المدرسة , وشددت على ضرورة وجود برامج للتغذية والترفيه إلى جانب التربية والتعليم وهي من الأشياء التي رأت أنها مهمة لتعزيز الصحة النفسية لدى الأطفال , وخلصت إلى أن هذا الأمر يعد مسؤولية جماعية يتحمل جزءا منها كل فرد في مجال عمله .

الدكتورة كريمة بشيوة طرحت بعض الملاحظات القيمة من وجهة نظر فلسفية باعتبارها متخصصة في هذا المجال مثل التأكيد على اهمية العلوم الإنسانية لأنها الأساس الذي تقوم عليه المدنية والحضارة لا سيما في الدول النامية وإعادة النظر في نظرية المعرفة وتبني النظرة الشمولية التكاملية عند التعامل مع المشكلات .

الاستاذ محمد العماري تحدث حديثا علميا عن التخصصات العلمية والأقسام العلمية المختلفة في الجامعات كما لم يفوته الحديث عن فوضى العلاج النفسي السائدة اليوم في المجتمع .

وفي عجالة نظرا لتأخر الوقت اجاب الأستاذ الباحث احمد ظافر محسن عن بعض التساؤلات واوضح بعض النقاط المهمة فيما يتعلق بصحة الطفل النفسية التي ينبغي أن تتضافر جهود كل من البيت والمدرسة والمجتمع بمؤسساته في الرفع من مستواها عن طريق إيجاد صيغة من التناغم والتوازن ما بينها . وبعد هذا النقاش الأكاديمي المستفيض والطرح العلمي أختُتِمَ النشاط بعد ان اتفق الحاضرون ضمنيا تقريبا على أن الحوار يجب أن يتواصل خارج القاعة لأن ما تم طرحه لا يساوي إلا القليل أمام ما يجب ان يُدرّس في اماكن الدراسة وإن مثل هذه المحاضرات التوعوية تهدف فقط إلى ملامسة الموضوعات والتنبيه لها كما يقال والتحذير من تداعياتها الخطيرة على الفرد والأسرة والمجتمع بأسره فيما لو تُرِكت دون علاج ناجع .

وفي الختام نأمل ان نكون قد وُفِقنا في نقل أجواء المحاضرة مع التأكيد على أننا اجتهدنا في صياغة الأراء والمعلومات والتفاصيل الواردة بها من خلال الإلقاء والشرح الذي استمعنا إليه , عليه نرجو التماس العذر لنا عن أي خطأ أو تقصير في النقل والمتابعة .

*********

ناصر سالم المقرحي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق