أضيف في 9 أكتوبر 2017 الساعة 17:32

مطلب التسامح رؤية تربوية


نورالدين البودلالي

بلغ التنوع والتعدد داخل المجتمع الواحد درجة من التعقد لم يصبح معه من الممكن الحفاظ على وحدته وتوازنه، بل ولا حتى استمرار حالة الانسجام والتعايش السلمي بين أفراده. الديانات والنظريات عملت على خلق مجتمع يصبو نحو المثل، لكنها حملت في صلبها جرثومة فسادها. واليوم ومع ما عرفه العالم من تغير تعددت معه الثقافات والإثنيات، تلاشت المجتمعات التقليدية وبرز مفهوم الاندماج طمعا في تعايش سلمي بين تلك المجتمعات. هل من الممكن تحقيق هذا الاندماج؟ بمقدار ما خلق التمدن غنى ثقافيا ودينيا واثنيا، بمقدار ما خلق أيضا صراعا بين أطراف هذا الغنى تفاوتت نسبة حدته.

يجرنا هذا إلى الحديث عن التسامح بين الأفراد والشعوب. نداء التسامح غير ممكن في ظل غياب الصراع والحروب؛ هذه تبين الزيادة المفرطة في تضخم الذات ونكران الآخر. الإحساس بقوة الذات يأتي كردة فعل تجاه عدم الثقة في النفس وفي المستقبل وعدم الشعور بالأمن. الخوف المرضي من الآتي، من المجهول، يؤدي إلى ابتكار أساليب تخل بالنظام، وتثير الفتن، وقد تؤدي إلى إشعال الحروب. لابد إذن من بث السكينة في النفوس، وتربية الفرد على التعايش مع الآخر والاطمئنان إليه؛ ذلك يستدعي ابداع مقاربة تربوية تيسر ذلك.

سنة 1994 هيأت اليونيسف ورقة توجيهية استعدادا لإعلان منظمة الأمم المتحدة، سنة 1995، عن اليوم العالمي للتسامح. وجهت الدعوة للمؤسسات المعنية من أجل تظافر الجهود الدولية للحد من ظاهرة العنف إن على المستوى الداخلي (الدولة، المؤسسات الحكومية أو غير الحكومية، المجتمع...)، أو الخارجي (بين الدول، الهيئات الأممية، المنظمات الدولية...)، أو على الأقل التحسيس بظاهرة ممارسة العنف بجميع أشكاله وعلى مختلف مستوياته بين الأفراد والشعوب. ومن الأكيد أن أشكالا من التربية على: المواطنة والعدالة والديموقراطية والبيئة والتسامح...، تسهم بفعالية في ترسيخ التساكن والتعايش بين الأفراد والجماعات. وطبيعي أن المجتمعات الديموقراطية لا يمكن أن تربي أفرادها إلا على القيم الديموقراطية. تطرح حرية الفرد مشكلا حقيقيا يتعلق بطريقة فهمه لهذه الحرية ومدى سعة صدره لتقبل حرية الأخر، هذا قد ينتج عنه وقوع سلوكات غير متسامحة مع الآخر. تقويم تلك السلوكات ومعالجة المعوج منها والتعويد على أفضل التصرفات المابين-فردية دور مبدئي تقوم به التربية في جميع المجتمعات. فالتسامح والديموقراطية مفهومان مرتبطان، وبالتالي فالتربية على التسامح هي تربية على الديموقراطية. و غني عن البيان أن التسامح هو الفضيلة الأساسية و الموقف العقلي الأمثل، وهو أيضا مجال من السلوكات، والقيم المرجعية والأفعال الثقافية الممكنة.

من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها التربية على التسامح، هناك، أولا، القدرة على الحوار و التواصل. فإن الأستاذ الذي يدير درسا يثير فيه متعلم رأيا خاصا، ويستمع إليه الباقون باهتمام، ثم يأخذ آخر دوره للرد أو التصحيح أو الدعم أو لاقتراح رأي معاكس في احترام تام للسابق وللاحق، وشيوع أجواء الفهم والتفاهم، إنما يعمل على غرس قيمة التسامح بين متعلميه؛

أيضا القدرة على طرح نماذج وصيغ لحل المشكلات السلوكية العنيفة وذلك بطرق متعقلة وهادئة قوامها تبادل الرأي لبناء المسلك الأقوم والصحيح السلمي؛

أيضا اعتبار عدم التفاهم في الرأي أمر جد طبيعي بسبب المرجعية المستند إليها أو زاوية النظر المتمسك بها؛ غير أن رجوح الرأي نحو ما يغلبه العقل هو أكثر تقويما؛

اعتبار التسامح قاعدة توجه الاختيار الفردي الذي يحركه الدافع الأخلاقي، إما لتحمل صراع ما، أو لحله بوسائل سلمية يكون فيه الطرفين متساويين في القوة؛ وفي هذا الإطار من الأساسي معرفة ما يشكل الدافع لاختيار سلوك ما دون آخر.

إذا كانت التربية هي الباب المشرع لتعلم التسامح، فهذا يعني دعوة الأفراد إلى تبين والوعي بأشكال تصرفاتهم العادية، الشك فيها والقدرة على تبني تصرفات بديلة. فالتربية على التسامح، أي التربية على الديموقراطية، هي بحق ما يشكل كنه وحقيقة الحياة الجانحة للتآزر الاجتماعي. والتربية تتحمل مسؤولية كبيرة في إعداد الناس للعيش في وحدة اجتماعية متماسكة.

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق