أضيف في 8 أكتوبر 2017 الساعة 07:54

نوافذ تشكيلية


ناصر سالم المقرحي

نوافذ تشكيلية

التجريد في لغة التشكيل عبارة عن أسلوب يعتمد رسم الأشياء وفقا لرؤية الفنان لها وليس كما تبدو في حقيقتها وطبيعتها , أو تجريدها من أشكالها المعتادة ومنحها أشكالا أخرى , وأيضا بالأعتماد على الألوان والأشكال الغير محددة يمكن للفنان رسم ما لا يُرسم من المشاعر والأحاسيس وهي أشياء غير مادية ملموسة كما نلاحظ , يمكن للفنان أن يرسم مخاوفه وأحلامه وتجسيد امنياته , والتجريد أسلوب له من الخيال نصيب كبير بخلاف بعض الأساليب التشكيلية كون الفنان ينطلق من الشكل إلى اللا شكل ومن المتجسد إلى اللا متجسد , ويٌذكر ان ظهور هذه الحركة في شكلها الحديث كان ببدايات القرن العشرون ومن أبرز متعاطيها الفنان كاندنسكي ولاحقا الفنان الإسباني بيكاسو , وهذا لا يعني أنه ليس للتجريد جذور في ما وضعه إنسان العصور القديمة من رسومات على جدران الكهوف و في المقابر وبما حفره على الصخر ونحته من الحجارة والرخام والخشب , ومن داخل المدرسة التجريدية تبرز عد اتجاهات وأساليب تتراوح ما بين التجريدية المطلقة والتجريدية النسبية ولكل تيار من التيارات رواد ومعجبين رغم عدم أعتراف الكثيرين بهذا الضرب من الرسم .

قليلون هم الفنانين الليبيين الذين استقر بهم المقام على الفن التجريدي وذلك برأيي في بعضا منه ناجماً عن عدم تقبل المتلقي لهذا التيار الفني واستهجانه له , لعدم وجود وعي جمالي يرتقي بالمتلقي إلى إمكانية تذوق هذا النوع من الأساليب وذلك يعود لتدني الإحساس بالجمال الذي هو طريقة تربية في الأساس وإحساس يُكتسب منذ الصغر في البيت وفي المدرسة وفي البيئة المحيطة بالطفل .

فالمتلقي لا يعتبر هذا الصنف من الفنون إلا مجرد خربشات في أحسن الأحوال وخُبط عشواء يضعها الفنان على القماش أو يعزو ذلك لوجود خلل في شخصية الفنان يجعله يلجأ إلى الغموض وتجريد الأشياء من واقعيتها وتضخيم أوهامه في أقصى الأحوال , وهاته العوامل قد تحد من عطاء الفنان وتتدخل في اختياراته لاحقاً فيضطر إلى الرسم وفقا لمتطلبات الحس الجمالي والتعبيري للمحيط , والفنان إذ يتبنى التجريد في عمله يتقدم بخطوة على المتلقي العادي ويرى ما لا يراه هذا المتلقي المتكاسل الذي يخشى خوض مغامرة اكتشاف ما يرى من أعمال تجريدية قد تفتح له أفاقا لم يعهدها من قبل وتذهب به إلى مناطق لم يزرها ولم تطأها قدماه , غير أن المتلقي لا يرغب في الأنتقال إلى حيث انتقل الفنان ويصر على ملازمة مكانه والاكتفاء بتذوق الأعمال المباشرة التي لا تنطوي على الكثير من الدلالات , ويؤمن المتلقي بالجانب التزييني للفن أكثر من إيمانه بالجانب التعبيري المفاهيمي , وهو الجانب الأهم لدى الفنان الجاد الذي لا يهتم بمتطلبات السوق ويصر على إنجاز أعمال تستجيب لما في دواخله من أحلام وهواجس وطموحات قد لا يرتقي المتابع العادي إلى استيعابها وتمثلها , بينما لا يجد الفنان صعوبة في رصدها وحتى رسمها وتوثيقها .

وفي المشهد التشكيلي الليبي العام نجد العديد من الفنانين الذين تبنوا الأسلوب التجريدي في الرسم وقدموا أعمالا تستحق أن يُشاد بها ويُثنى عليها .

وداخل التجريد ذاته نلتمس تنوعا بتنوع الفنانين , أي أن التجريد الليبي لا يأتي على نسق واحد ويتخذ عدة أوجه وأساليب تنم على الأجتهاد والمثابرة والنضج , وهي أتجاهات فردية كما نلحظ لخلو التشكيل الليبي طيلة مسيرته من الجماعات شأنه في ذلك شأن الأدب كالشعر والقصة وغيرها , فلدينا على سبيل المثال اعمال الفنان معتوق أبوراوي المنطوية على طاقة تعبيرية هائلة برمزيتها الشاهقة ومعالجاتها المختلفة للموضوعات المٌلحة كالهجرة الغير شرعية والحروب والمجاعات وتجاوزها للمحلي الضيق من القضايا والهموم إلى العالمي بكل أبعاده وخطورته , وترويجها لمفاهيم إنسانية كالحرية والعدالة والسلام والتعاون وقيم المحبة واحترام الآخر , أعمال تعيد صياغة الواقع بطريقة فنية لتدق جرس الإنذار وتحذر من وقوع الكارثة – هذ إن لم تكن قد وقعت وانقضى الأمر – سوى أن الفنان مطالبا في كل الأحوال بترميم الواقع البائس وإسناد حجارته المتداعية بما يمتلك من وعي ومقدرة على إنتاج الفن , وهذا الأجتهاد والمثابرة يجعل من التجربة تجربة أصيلة ومتميزة لا تشبه في شيء ما سبقها من تجارب , ليس محليا فحسب بل عربيا وعالميا أيضا , والدليل على تميزها هو الكم الهائل من الأقلام التي انبرت لتناولها وتحليل منطلقاتها وتتبع تطورها وترصد أبعادها وأفاقها .

ومن جانب آخر تطالعنا تجربة الفنان سالم التميمي ولوحاته بأسطحها الخشنة أحيانا بقراءات مغايرة للموروث الليبي مستأنسة في ذلك بمفردات مثل حرف الواو والمثلث وبعض الألوان التي تتكرر من لوحة إلى أخرى وغيرها , وتبدو من جهة أخرى كمحاكاة لأسطح الجدران العتيقة بخربشاتها حين كانت الجدران وسيلة للتعبير عن الذات بما يُخط عليها من رسومات بدائية وعبارات قد تكون نابية وبذيئة أحيانا بقطع الفحم أو الطلاء قبل ان تصبح الجدران إلكترونية والكتابة بالضغط على الأزرار , والجمهور باتساع العالم وليس القرية أو الشارع الذي يقطنه كاتب العبارات على الحائط .

وهذا الفنان مرعي التليسي رغم أنه يرسم أشكالا واقعية أو مفرطة في الواقعية , وجوه ومياه ومعمار ونخيل وطيور وأقواس قزح وسماءات ونوافذ وأزهار وأسماك وأباريق مهشمة وزجاج متشظي وحجارة إلا أنهُ يمزج وبطريقة فنية مستعينا بمهارته وحرفيته في الرسم , ما بين عدة عناصر متباينة فلا تبدو للرائي متنافرة ومتباعدة بل أنها تتخذ نسقاً خاصاً بها يجعل منها عملا فنيا متناغما ومتكاملا له خصوصيته , ولعل الفنان من خلال إقحامها في حيز واحد وخلق علاقة جديدة ما بينها كأنه يوائم ما بين الضوء والظلام ما بين النار والماء , قصد من وراء ذلك بث رسالة وطرح معنى , والفنان برأيي يرسم الفكرة ويركز عليها إلى جانب التركيز على جمالية لوحته التي تتماس مع التجريد في كونها قابلة للتأويل ولا تطرح أمام المتلقي بكل دلالاتها منذ النظرة الاولى , وصحيح أنها تبدو كفاكهة شهية ولكن ليس كل متلقي قادرا على قضمها والأستمتاع بمذاقاتها ما لم يجتهد ويقدم تضحيات , هذا إذا ما أعتبرنا أنها أعمال تجريدية لأن المتلقي قد يحسب أنها أعمالا واقعية , وهذا ما يقوله ظاهرها , غير أنها تنطوي على جانب رمزي يجب الأنتباه له وتفكيكه .

ومن جهته لا يبدو الفنان علي العباني معنياً برسم الأشياء كما تبدو للناظر إليها ولا يحفل كثيرا بذلك , بل يرسمها كما يحب أن تكون وكما يشتهي , وفي رسمه للفضاءات والسهول والسماءات والأمتداد والأراضي الفسيحة المنبسطة والأشجار البعيدة والغيوم أراد أن يرسم ظلالها وإيحاءاتها وأصداءها أو ابتغى رسم الأتساع والرحابة وتجسيدهما كفكرة جمالية فلسفية يتآزر في نسج تفاصيلها كل من الألوان الحيوية التي يخترعها الفنان بعد مزجه لمقادير معينة منها وبطريقة فيها الكثير من الجرأة والتجريب مع خبرته التي تمتد لعقود طويلة في هذا المجال مع رؤيته الكلية للكون والحياة والفن وعشقه للضوء والسطوع , ولحركة الريشة ذهابا وإيابا يمينا وشمالا بين أصابع الفنان المتمكن من صنعته دورا محوريا في خلق الإيحاء بالأتساع والأمتداد اللا نهائي , يذهب بعيدا بعيدا الفنان إذ يرسم ولا ينسى أن يصطحب معه المتلقي إلى حيث لن يصل بغير هاته الوسيلة إلى مناطق الحلم ومدارات الدهشة إلى أفاق الذهول ومكامن السحر إلى مطارح الصحو ومسارب الضوء , ويُلاحظ هنا أن حركة الفرشاة أفقية أكثر منها عمودية بتمريرات عريضة متقنة , ولن يجد المتلقي كثير عناء في تلمس تلك الصوفية الغامرة والخفة التي تكتنف اللوحات وتحسس تلك الروح العاشقة التي تقف وراء الأعمال وتسكن مفرداتها , وستعكس اللوحات بشساعة عوالمها وامتدادها اللا نهائي شيئا من روح الفنان وشخصيته سواء أراد ذلك أو لم يُرد , في هذه اللوحة ثمة تناغم وثمة موسيقى خافتة وإيقاع يدب في عروق الألوان إذا ما أرهفنا السمع هنا نرى اللون وهو يقترن باللون ليتشكل لون ثالث لا علاقة له بالمتاح والجاهز من الألوان إذا ما دققنا النظر , لون بكر لا نعثر عليه في مكان آخر , ويغدو النظر – مجرد النظر - للوحة بمثابة مهرجان طفيف وبهجة مختلسة , هنا نرى النغم يستقطب النغم لتتشكل سيمفونية بالغة العذوبة في لحظة منفلتة من الزمن , هنا يتجلى الشعر عاريا إلا من شهقته الأولى ومسراته السرية التي يتيحها لمريديه ويطرحها إذا ما حلَّ بالمكان وطاب له المقام .

وتنقل الفنان عمران بشنة ما بين عدة مدارس في إطار مشروعه الفني , أو أنهُ بوعي الفنان أراد اختبار قدراته الفنية وصقلها بخوضه لتجربة الرسم بأكثر من أسلوب أو مدرسة , مثل الواقعية التي تناول فيها الأزياء والمعمار والبيئة المحلية بتنوع مظاهرها وجماليات الواقع الليبي بتجلياته المختلفة والطبيعة والطبيعة الساكنة والكولاج والرسم بالأبيض والأسود , وهذا إن دل على أمر فإنهُ يدل على مثابرة الفنان وبحثه الدائم عن معالجات جديدة والأهم من ذلك حبه وعشقه للفن وإخلاصه لهُ , كما أسهم في إغناء المشهد التشكيلي ككل بلوحاته التي تخضع لأحكام المدرسة التجريدية ومن خلالها طرح بعضا من أفكاره ورؤاه في الحياة والفن , وداخل التجربة التجريدية سلك الفنان مسلك آخر بشكل أثرى هذه التجربة وزادها زخما حين قادهُ حدسه واجتهاده إلى إنتاج لوحات ضبابية , فيها تظهر الشخصيات المرسومة كأطياف عابرة أو كظلال هائمة أو كأشباح راحلة , وفي الحين الذي اختفت فيه الشخوص والنماذج الإنسانية التي أختار الفنان تجسيدها في أعماله , بدت كما لو أنها أصداء أو كائنات قادمة من مناطق الحلم يحس الناظر إليها أن وجودها طارئ أو أنها في عجلة من أمرها , شخصيات توهم الرائي بألوانها الباهتة والممتزجة بألوان المحيط من حولها إلى حد الذوبان وفقدان خصوصيتها بأختفاء الخلفية وبعدم وضوحها الذي يُشي برغبتها في عدم الأنخراط كليا في عالم يملئه البؤس ويسوده الظلم والوقوف على مسافة منه ومراقبته من البعيد .

ورغم أنها شخصيات لونية مكانها اللوحة وليس الواقع إلا أنها تمتلك وعياً سرّبهُ إليها الفنان , وهذا الوعي يجعلها تتخذ قرارها بعدم الأنخراط الكامل كما يبدو .

هذه الشخصيات توهم الرائي بأنها حقيقية في الوقت الذي تنوس فيه ما بين التجسد واللا تجسد ما بين التحقق واللا تحقق وتنتمي لمناطق الخيال والحلم أكثر من أنتماءها لمناطق الواقع .

هكذا رأينا اللوحات الضبابية , وللفنان الذي يمزج في مشروعه ما بين النقد والممارسة التشكيلية مآرب أخرى بالتأكيد , سوى أن الملمح الأهم الذي ينبغي الوعي به وتحسسه هنا هو الطفح الشعري أو تلك الطاقة الشعرية التي تتخلل اللوحة وتكسبها المزيد من الغموض الذي بدوره يفتح الابواب واسعة أمام المتلقي لطرح قراءته الشخصية والإدلاء بتأويله الخاص , ذلك أن اللوحة تحتمل أكثر من تأويل وقراءة , بل لا نبالغ إن قلنا أن لكل متلقي قراءة تخصه إذا ما امتلك وعيا تشكيليا وتعامل بجدية مع اللوحة واعتبرها خطابا فكريا قبل أن تكون عملا تشكيليا فالفنان في لوحاته الضبابية يقترح علينا إضافة إلى الركن الجمالي الفني قصيدة قوامها الألوان والشخصيات والظلال والإيحاءات والوجوه مطموسة الملامح , وعلينا كمتلقين تفكيك كل هذه العناصر أو تقشير العمل للوصول إلى اللب أو بيت القصيد , كما قيل قديما .

أيضا يطل علينا الفنان والناقد عدنان معيتيق الذي يستثمر المعاجين اللونية والاقلام والأحبار والألوان المائية بمُنجز تجريدي يضاهي في قوته ورسوخه ما يجترحه من مقاربات نقدية لأعمال وتجارب فنية محلية وعالمية , فالفنان وبعد مرحلة طويلة قضاها مع الرسم الواقعي نراه ينحو نحو التجريد بعد أن عجزت على ما يبدو الواقعية على تلبية احتياجاته للإبداع وقصُرت على عكس ما يجيش في نفسه ويضطرم بداخلها , أو أن الواقعية استنفدت إمكانياتها فيما يخصه فكان لا بد للفنان من أن يسلك طريقا آخرا يتلاءم وقدراته الفنية التي ستجد لاحقا في التجربة التجريدية مُتنفساً ونافذة يطل منها على الآخر .

وهنا نعرض أحد أعماله المفاهيمية التي قال عنها الفنان والنحات محمد بن لامين " مشهد دراماتيكي فائق تحت الأسقف المتهاوية , فرار محتدم في جميع الاتجاهات , أزرق أسود أحمر اخضر , عرصات خرسانية تتقوس وتلتوي , الآن ضاعت صورة الباب واحتجبت النوافذ , ضربات معدودة من الفرشاة تسد أي طريق للنجاة , قراءة اخرى لعمل لا يتناقص ضجيجه , ربما انعكس في واقع الحال . "

وهاته الفنانة نجلاء شوكت الفيتوري التي تطرح في لوحاتها برمزية عالية قضايا المرأة الليبية , حيثُ أوقفت لوحاتها على هذا الموضوع الشائك والثري تقريبا , إذ لا تخلو لوحة من لوحاتها تقريبا من امرأة ظاهرة أو متوارية , بألوان مختلفة تناسب فكرة اللوحة وحالة الفنانة الوجدانية أثناء الأشتغال عليها في الحزن والفرح عند الشعور بالتفاؤل أو بالتشاؤم , فاللوحة هنا لا شك مرآة عاكسة لما يجول في خاطر صاحبتها من مشاعر وانفعالات وعواطف جياشة كما أسلفنا تتراوح ما بين الفرح والحزن الرضا والأحتجاج ما بين الهمس والصراخ , غير أن القاسم المشترك ما بين هذه اللوحات - وهي كثيرة في الواقع – هو قوة اللون ووضوحه المبالغ فيه وبروزه كأول ملمح من ملامح اللوحة يشد المتلقي قبل ان يصل إلى قراءة رسالتها وتفكيك مضمونها , وحتى تساعد المتابع للوحاتها غالبا ما تتجه الفنانة كما لاحظنا على صفحتها بالفيس بوك إلى اجتراح عناوين تتكون من كلمتين أو أكثر تكون مدخلا لقراءة اللوحة وفهم محتواها الفكري .

والمتأمل في مائيات الفنان علي الزويك التجريدية ستجتذبهُ بتكويناتها الغرائبية وتشكيلاتها الهلامية التي أسهمت الصدفة إلى حد كبير في رسمها , لأن الفنان بحسب تصوري المتواضع وإن كانت لديه إرادة اختيار الألوان ومقاديرها إلا أنهُ لا يمتلك تصوراً جاهزاً عن الشكل النهائي للوحة , فالشكل قد لا يظهر كما أراد له الفنان ويكون مخالفا لتوقعاته , ولكن النتيجة تكون مرضية في كل الأحوال والمُنجز لابد أنهُ سيتجاوز الخمسون بالمائة من ما توقعه الفنان للوحته , وتلك نتيجة عادلة .

فالفنان ومن خلال مزجه للألوان المائية ببعضها البعض في العلبة وعلى الورقة البيضاء بروح شفافة وبلمسات ناعمة فيها الكثير من الشاعرية والرهافة يبدو كجراح يتعامل برقة وبحذر مع الأجساد الحية , تماما كالفنان هنا يتعامل مع اللوحة بحذر لئلا يعطب المعنى أو أن يشوه الشكل ويحد من جماليته وشفافيته وعذوبته , فيضع نقطة لون هنا وبقعة هناك على السطح المبلل بمقدار أو لطخة لونية ختامية قبل أن تجف اللوحة , وفي كل خطوة من خطواته لابد أن يراعي الشفافية بحيث تبدو الأشكال كغلالة أو كستارة يظهر من وراءها البياض متألقاً ومُشِعاً , والألوان إذ تذوب في بعضها البعض وتتلاشى مكونة ألواناً مغايرة لما كانت عليه تاركة على البياض مجرد لُطخ غير واضحة المعالم , مجرد لطخ لونية تتآزر فيما بينها لتقديم رسالة طفيفة , تحيلنا الألوان إلى فكرة التضحية , تضحية الفرد من أجل الكل أو بفناء الناقص في المكتمل والغير متحقق في الناجز والنسبي في المطلق , ويمكن من هذا الجانب النظر إليها نظرة صوفية , سيما وأنها تسبح في فراغ اللوحة ويحيطها البياض من كل ناحية ما يوحي بأنها أرواح هائمة أو أفكار محلقة أو محض بقع مكتفية بذاتها ولا حبل سري يصلها بالعالم , فيما يسبغ عليها البياض من دلالاته البليغة , البياض الذي يقول عنه درويش في جداريته :-

وكل شيء أبيض

البحر المُعلق فوق سقف غمامة

بيضاء . واللا شيء أبيض في

سماء المطلق البيضاء . كنت , ولم

أكُن . فأنا وحيد في نواحي هذه

الأبدية البيضاء . جئت قبل ميعادي

فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي :

(( ماذا فعلت , هناك , في الدنيا ؟ ))

ولم أسمع هتاف الطيبين , ولا

أنين الخاطئين , أنا وحيد في البياض

أنا وحيد . . .

 

وتظل هذه المائيات صلبة المعاني رغم هشاشة خاماتها ,عصية عن القراءة والترجمة لولا أن الفنان ترك بقربها ما يدل عليها , ترك مفاتيح تأخذ بيد المتلقي نحو فاكهتها المحرمة ليتذوق شيئا منها , تلك هي العناوين التي وضعها الفنان لأعماله وفي الأغلب تتكون من مفردتين مثل سجلات التشخيص و قاموس البهجة وأستنطاق الجرة والتدرب على وشم الورد وحروب لا تُروى تفاصيلها .

وعند الحديث عن الفن التجريدي الليبي لابد من الإشارة إلى عدة تجارب تبنت هذا الأسلوب وأنتجت أعمالا تُستحق أن يستشهد بها , على سبيل التنويه لا الحصر , فهذا الفنان الراحل مؤخرا يوسف معتوق وبالرغم من أنه كان انطباعيا وواقعيا فإنه خاض مغامرة التجريد وأبدع فيها في سنوات عمره الأخيرة وللفنانون يوسف فطيس وعلي المنتصر وناصر أبوصوة ومحمد أبوميس والفنانة خلود الزوي على سبيل المثال تجارب مماثلة , وقدم كلٌ من جهته ما دعم هذا النوع من التشكيل وجعل منه ركنا أساسيا في مدونة التشكيل الليبي . وكل تجربة من هذه التجارب تغري بالدراسة والتحليل , ولعل هذه المقالة تحفز الكُتاب المتخصصين بالتصدي لها بالشرح والتوضيح والتأطير وفي ذلك منفعة تعود على الجميع بالفائدة .

*************

ناصر سالم المقرحي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق