أضيف في 7 أكتوبر 2017 الساعة 11:13

صحون الاستقلال


رشيد اليملولي

صحون الاستقلال .

يعد الحدث مهما كانت طبيعته و نوعيته و مجاله ، امتدادا طبيعيا و أمينا لمسببات اقتصادية و اجتماعية و سياسية و ثقافية ، إنه بمعنى محدد نتاج للنظام الحضاري العام ن الذي يتخذه بلد ما نبراسا يستمد من عنوانه القيمي ، و بهذا المعنى ليس الحدث فرادة أو تفرد اجتماعي ، بقدر ما هو صورة مصغرة لظاهرة معينة ، تختبئ وراءه تفاصيله و منعرجاته .

إذا كان من الثابت أن حدث الثورة أو الاحتجاج ، أرتفاع أو انخفاض سعر منتوج ، نتيجة لأنساق الظرفية العامة ؛ فإن الحدث الفجائي و غير المتوقع يبدو شاذا يند عن الوصف ، و يتعالى على التفسير ، غير أن النظر إلى البنية و الزمن الجغرافي ـ التاريخ الطوويل ، يفند هذا الزعم و يدحضه و يجعله خارج الشذوذ ، خاضعا بطبيعته لنسق اشتغال البنية و مقومات وجودها .

إن الظاهرة الحزبية في المغرب لم تتجذر بالصيغة المتعارف عليها نظريا في العلوم السياسية ، لهذا ولدت في غفلة من التأطير الدستوري الذي صاغ مفهوم الحزب و أعطاه معناه ، فجاء الحزب " المغربي " وفقا لذلك معبرا عن طبيعته و لونه الخاص ، يرفل في براثن جذوره و أنساقه الاجتماعية و الحضارية المميزة لطبيعة السلطة حتى لا نقول الدولة ، و ذلك بالرغم من المسوح التنظيمية و القواعد المنظمة للعملية السياسية التي يتخذها هذا الإطار أو ذاك عنوانا لمساره السياسي ، و شعارا لصراعه الاجتماعي مع السلطة ، أو ضد المواريث الثراتية المعرقلة و الكابحة لكل تغيير ، هذه الايديولوجية الحزبية جاءت فقيرة في أفقها و مقومات وجودها و بدائلها الخاصة ، و ظلت أسيرة صراعها الأحادي مع السلطة ، تتمرن على أبجديات الصراع التي ينظمها المخزن بصيغته المغربية العصية على التحديد القانوني المكفول بمرجعيته الاجتماعية و الفلسفية الداعمة لأسباب وجوده و امتداده ، لذلك لم يختلف الحزب المغربي عن الأسلوب و القالب المخزني و لم يستطع تجاوزه .

بالمقابل من ذلك ؛ فشلت السلطة المغربية في ترتيب صراعها مع خصومها بما يكفله الحق في الاختلاف ، و لم تقننه بما يناسب طبيعة الصراع ، إذ احتكمت إلى حقها الخاص بعيدا عن الحق الاجتماعي و الفلسفي و الدستوري لأفراده ، و استمرت طيلة عقود من الزمن في النظر إلى الحزب باعتباره عدو سياسي و ليس خصما مختلفا بالضرورة عن زاوية نظرها ، بإمكانه تصويب العثرات و التقليل من حجم الزلات ، و الأرقى أنسنة الصراع ، مع سلطة مغالية في " تحقير " و " تسفيه " العمل السياسي ، لدرجة ربطه بالسلبية و العدمية ، و تقديم " الأنا " الوحيدة و الإمكان المطلق لإنتاج القيم السياسية ، و توزيع بركتها على باقي الفرقاء السياسيين .

إذن الأزمة مزدوجة ما بين فاعل سياسي غير فاعل في الحياة السياسية ، و ما بين مخزن باستطاعته أن يحارب نفسه من أجل أن يضمن استمراريته و سلطته و أناه الأعلى بعيدا عن المنازعة الوجودية و الشرعية . المحصلة المترتبة عن كل ذلك ، إنتاج مجتمع معاق سياسيا يؤمن بالفتات و يؤجل مرارا محطات عبوره ، بإيعاز من الفشل الذي أرسته مختلف مسارات بناء الدولة الحديثة و العميقة منها بالأساس ، أي دروب بناء الفرد و المجتمع في مختلف الفترات التاريخية التي مر منها شعب أو أمة .

من الطبيعي أن يشهد حزب الاستقلال ما شهده من صراع أرتقى إلى مدارج المستنقع في الخلاف و الصراع ، و ما الميزان في هذه الحالة إلا صورة لأحزاب أخرى لا تختلف عنه في شيء ( مع استثناء الأحزاب الإدارية التي ولدت في غفلة من القدر السياسي و بدعم مباشر من السلطة ) إلا في الولادة ، الدال السلبي في المؤتمر هو الصورة السلبية التي قدمها الحزب في عرسه التنظيمي ، و هذه الصورة طبعا جزء من البناء السياسي العام لبلد معين ، و قيمة من قيمه التي تتداول خارجيا ، و تسويق هذا النوع من الأيقونات الصراعية لبلد ما فتئ يقدم ذاته في المحافل الدولية على أنه دولة تبني ديمقراطيتها الخاصة في ظل الاستثناء الأمني و الاستقرار المرتبط بذلك ، يعني تقديم جوهر العملية السياسية الضحلة بشكل مباشر ، يؤدي لا محالة إلى التشكيك المبدئي في طبيعة النظام السياسي برمته ، و يفيد من جانب آخر موت السياسي المغربي داخليا ، حيث أن سيادة النزعة الشعبوية التي طالت العديد من " الرموز " في المغرب لأحزاب تتغنى بالديمقراطية ، أتت أكلها في وأد المجال السياسي برمته ، و أردته يبابا و بلقعا فارغ المحتوى من أي دلالة منتجة ، تتخذ من الصراع البناء وسيلتها الخاصة ، و استطاعت السلطة بموجب ذلك أن تكرس ذاتها باعتبارها الدلالة الوحيدة المنتجة للمعنى في المجال السياسي ، و اقتنعت بأنها ثمار الغرس التي حان و قد يحين قطافها مستقبلا .

إن المجال السياسي المغربي في صورته الأخيرة ، أصبح عاجزا بحكم طبيعته أن يضفي هالة صراعية سلبية تتضمن إشارات قوية على استمرار النزعات الكابحة لأي تغيير ثوري في نمط الذهنية المصاحبة للتفكير و العمل السياسيين ، لدرجة أضحى التفكير في السياسة في المغرب مرادفا للاستقالة و المصالحة الخالية من كل معاني الاختلاف و الحجاج و الاحتجاج النوعي و الموحي بصمود الثقافة و النقد في وجه المخاتلة و المخادعة السياسية التي تتوارى خلف الأقنعة الاجتماعية و السلطوية ، بل و تحول هذا المجال إلى مصالحة باردة لا قيمة فيها ، و الأدهى من كل ذلك ، أصبحت الحياة السياسية تمارس في الدهاليز و الدكاكين في غفلة من المجتمع و مواطنيه وغالبا ضد إرادته على الرغم من الشعارات التي تطل بين الفينة و الأخرى ، لصالح فئة و طغمة تحولت بشعبويتها إلى وباء سياسي يلتهم كل أمل قد يطفو في السطح ، بل و تمعن في إفقاره من أي معنى لأفق بسام ، و لا أدل على ذلك من سلسلة التراجعات التي وقفت فيها القوى السياسية و النقابية موقف العاجز الفاقد لكل مبادرة احتجاجية ، و الأدهى أن هذه التراجعات تمت بتزكية من الأحزاب و النقابات و تواطؤها ، و تحول المشهد إلى جملة مسرحية الفاعل فيها يبدو كالكراكيز .

لقد نجحت السلطة و ليس الدولة في تفقير السياسة ومسخ وجودها ، و تحويلها قسرا إلى مجال لإنتاج الرعوية السياسية و دولة العطاء و الجاه ، و تذكية الاحتياطي السياسي ، و فشلت الأحزاب انطلاقا من عوائقها الذهنية و الاجتماعية في تقديم نفسها خارج القالب المخزني ، و لعل الخاسر الأكبر في كل ذلك هو بناء الفرد و التنمية و القيمة المضافة حضاريا ، و هذا لا يعني إلا شيئا واحدا : الدولة الفاشلة ، فهنيئا للسلطة بساستها ، و هنيئا للساسة بسلطتهم ، فالكل مرهون بالصحون .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق