أضيف في 5 أكتوبر 2017 الساعة 20:07

بريق مدرسي


المصطفى سالمي

وقف (حسام) على السُلّم الطويل ممسكا بالريشة يمررها بيمينه على الجدار جيئة وذهابا في اتجاهات شتى، وحين تتعب يمناه يتناولها بيسراه ويستمر هكذا في رسم مشاهد من الطبيعة، أو كتابة أبيات من الشعر على جدران المؤسسة التربوية. كانت المشاهد تخرج من بين أنامله كأنما هي السحر والجمال مجسدا حيا نابضا بالحياة والحركة، لم يكن (حسام) في أثناء تأدية عمله يهتم للشمس اللافحة في أخريات فصل الخريف، رغم أنها كانت قاسية لا نفع فيها غير صداع يكاد يشق الدماغ شقا، كان يكتفي فقط بوضع غطاء بدلته الرياضية على رأسه يتقي بها انعكاس الشمس وتأججها وهي تميل متوهجة لا رحمة فيها، بينما طول الوقوف على السلم يوجع ساقيه ويكاد يشلهما، لكن الشاب يظهر كأنما أصبح قطعة من الخشب وهو منهمك في عمل مظن يتطلب الذوبان والهيمان في عالم الإبداع والخلق، كانت أصوات التلاميذ وصدى صخبهم لا يكاد ينقطع وهم داخل فصول الدراسة، لقد تغير المظهر تماما بالمؤسسة التعليمية، ولكن لا يبدو أن البهاء والجمال أثر على هؤلاء التلاميذ، أو وضع حدا لشقاوتهم أو تمردهم المعتادين، بل إنه لم يحرك فيهم ساكنا أو إحساسا على ما يبدو، لقد خرجوا من أقسام وعبروا إلى أخرى دون أن ينشدّوا للمظاهر البراقة الجديدة...

انتهى الشاب من العمل المتواصل المرهق، وتوصل بالمبلغ المتفق عليه من رئيس جمعية آباء وأولياء التلاميذ، كان مبلغا هزيلا حقا قياسا للجهد المبذول والجمالية التي اكتستها الجدران، ولكن الشاب كان في أمس الحاجة للمبلغ، فوالدته المريضة في حاجة ملحة للدواء، وإخوة له يحتاجون كتبا مدرسية..

جمع (حسام) أغراضه الصغيرة وتأبط السلم الخشبي الذي اكتراه من أحد معارفه، وانصرف خارج أسوار المؤسسة، بينما استمرت الأصوات الصاخبة تمثل نقيضا صارخا لجمال لم يتعود عليه أغلب المتعلمين، ولم تستسغه أذواقهم، فذابت الصور البراقة في فوضى انحرافات واختلالات وشقاوة تجذرت في أعماق زمن البؤس والسنوات العجاف، ولعله بؤس كئيب كالح ما زال يتمدد تحت بريق مزيد من السنوات الخداعات.

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق