أضيف في 5 أكتوبر 2017 الساعة 16:54

آفة الكلامية ومعضلة التقاعس


العربي الرودالي

مقالة

 

 

آفة الكلامية ومعضلة التقاعس

 

 

لقد مكثت التنشئة لدينا ولازالت، خطابية شفاهية، يمارس من خلالها الوعظ وضرب الأمثال وإصدار الأحكام، عند حصول مفاسد وفي النكبات لا غير، وبغاية اجترار العبر فقط...أي أنه لا يكون "هذا" إلا عند وقوع "ذاك".. وهذه"الشفاهية" امتدت إلى كل شيء حتى إلى السياسة و"الإعلام"وتسيير الشأن العام وتدبير الأحوال، حيث أصبح الجميع"فقهاء" و"حكماء" و"بلغاء"...كل بطريقته يعظ و يرشد ويعلق بل ويفتي ..فنحن ملأى بالثرثرة، عشوائيا وطوباويا واستعراضيا...والمثال على ذلك ما يصدر من فوق المنصات وعبر البرامج والمناهج والحوارات والندوات والمؤتمرات...وأيضا البلغات والتوصيات والحملات الانتخابية والجدالات المؤسساتية والحزبية...كما أنها حالة الشعارات الجمعوية هي كذلك، وقطاعات شتى، وما يتبع ذلك من لغو في كل مكان وكل مناسبة وكل حدث، وهلم جرا...فنحن "كلاميون"...كلام في كلام... ولم نمهد السبل أبدا للتجاوز حتى نفعل العمل في الذات الفردية والجماعية والمؤسساتية...لكن نقطة الضعف، تكمن في كوننا لا نملك تراكما تربويا وأخلاقيا، مؤطرا وممنهجا، يعتمد على دراسات أكاديمية عن إنساننا، تساير التحولات وتلائم كل شريحة من مجتمعنا.. كما لم نرصد بالبحث العلمي،خانات للشخصية والرأي العام والمزاجية النفسية في ذواتنا، سواء للفرد أو الجماعة، في مقاربات سوسيولوجية وسيكولوجية وثقافية...والهدف هو أن نعرف كيف نتعامل مع هذا الإنسان إجرائيا، بتوجيهات بيداغوجية، تتناسب مع طبيعته و طبعه، بعيدا عما هو دغمائي أو مستورد، وبغاية التواصل الاندماجي معه، في جميع المجالات.. وكل ذلك انطلاقا من بناء مفهوم تربوي، ينهض به الجميع دون استثناء، حيث يتأسس علم اجتماع مغربي، يوحدنا في ثقافة بنائية معممة، كحقل تتضافر فيه الجهود، نحو ما هو أفضل، يثمر وعيا فعالا في ذواتنا...وهكذا سنضمن رصيدا مستداما من الموارد البشرية، تكون له مردوديته ونجاعته وأمنه المستقبلي...وبهذا يتم تأهيل الإنسان في مجتمعنا، لتمكينه من إعداد وقيادة نفسه، بواسطة "التسيير الذاتي"، المحرك لمواهبه الفعالة، فتنتهي هذه "الكلامية" الجوفاء..لكن ومن فرط الإهمال لهذا الجانب الاستراتيجي الثقافي، وعدم الاكتراث به، يترك في هذا التغييب كل شيء للصدفة والعارض والطارئ والمفاجئ، فنتخلف عن الركب الحضاري.. ولا نجد في آخر المطاف سوى الوعظ والإرشاد والأمثال والحكم والخطب، جاهدين أنفسنا دون جدوى وبعد فوات الأوان، من أجل إعادة تربية وإصلاح "الكهول" بنفس الأسلوب الشفاهي، بدل التركيز على تكوين الناشئين.. وبغياب كل ذلك، لا تطرح في الساحة إلا آراء متنافرة، ذات اتجاهات متضاربة، تخضعنا سلبا للسلوك الانقيادي السكوني...مما يعزل الدور الفكري لدينا في صناديق "العجائب"، منغلقة على نفسها، تدعي كلها القدرة السحرية على لعب دور خارق يحمل الحل"الأمثل"، كل حسب قناعته الفردانية، عبر خطاب في عموميته انتقادي، يلقي اللوم على الطرف الآخر ويمدح نفسه، في حين لو كان في موقع هذا الآخر لقام بما يستنكره في موقعه السابق..هكذا إذن، نصبح جميعا مخطئين عند الحصيلة...ووسط هذا اللغو واللوم والادعاء، لا أحد يتحمل مسؤوليته لينهض بفعلها... فليس هناك سوى إعادة إنتاج ما هو كائن من أخطاء وهفوات وأزمات... وعندما نتفحص خواتم النهايات، نستنتج عدم حصول أي شيء يذكر، مما يوعد به.. والدليل على ذلك أن الجميع، من شرائح المجتمع ونخبه لا يختلفون في شيء واحد، وهو أن الأمور لا تسير بالكيفية التي يجب أن تكون.. وهكذا تبرز أخطاء جسيمة وصارخة، لا تقابل إلا بالاستنكار والتأسف، كل بعيدا عن نفسه ، وكأن ذلك قضاء وقدر.. وتستمر سلسلة الأخطاء في تفريخ الانتكاسات دون انقطاع، لينتعش كل مرة الخطاب الوعظي وتراث الحكم والبراعة الكلامية، فيضيع في غمرة هذا الضجبج ، العمل الواعد وكذا الموعود...

 

- العربي الرودالي

باحث سوسيولوجي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : العربي الرودالي

باحث في علم الاجتماع   / تمارة , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق