أضيف في 5 أكتوبر 2017 الساعة 11:48

محمد رمصيص : باحث و ناقد من العيار الثقيل


مجد الدين سعودي

مجدالدين سعودي

محمد رمصيص و أعز ما يكتب :

هو ناقد متمرس ...

عاقل و هادئ في أجوبته و مداخلاته ... يطرح التساؤلات العميقة و لا تهمه الأجوبة ..

يزن الكلمات و العبارات بميزان الحكمة عبر تراكمات فكرية ...

ناقد حتى النخاع و يكتب في النقد الأبي ( القصة ، الزجل ، الشعر ، الثقافة الشعبية ... ) ..

الكتابة و الموت :

الموت ذاك الكائن الذي نجهل عنه كل شيء و يأتي على حين غفلة ، لكن الكتابة عند محمد رمصيص هي نقيض للموت ، لأنها استمرارية و وجود ، لهذا يقول : ( الكتابة لعب مع الموت ، سخرية من الزمن ، هزء من الرحيل الأخير . الكتابة اقامة في اللغة و سباق مع الوقت الآتي , تمرد على الصمت و اعلان عن حضور الذات ... ) .

باصرار عشق الحياة يعترف محمد رمصيص : ( نعرف جيدا أن الموت يقين لكننا نصر على تصديق كذبة الحياة ) ، و يتابع : ( ربما كان التفكير في الموت ملهما للانسان و محفزا له على اكتشاف الكتابة و تأسيس الحضارة .. ) .

الكتابة عند محمد رمصيص حياة و وجود و تأريخ لهذا الوجود ، يقول : ( يقال عادة ، ان – الكتاب لا يموتون لسبب بسيط أن كتاباتهم تخلدهم في ذاكرة التاريخ .. ) ...

الموت و الكتابة وجهان لعملة واحدة تدعى الوجود و التمرد ، لهذا يقول محمد رمصيص : ( فاذا كانت الكتابة بشكل من الأشكال صناعة لتلك الذات الراسخة في ذاكرة التاريخ و القادمة من المستقبل ، فان الموت نفسه صدمة مخبأة في الزمن الآتي ... ) ، و يواصل بذكاء قائلا : ( ان جرح الموت لا تشفيه سوى الكتابة اذ بها يصنع الكاتب ذاتا سرمدية نكاية بالذات البيولوجية السريعة العطب ... ) .

مع محمد رمصيص نستمتع بكتابة مغايرة و حكيمة عن الحياة و الموت و الكتابة ، بلغة بسيطة و عميقة في نفس الوقت ، يقول محمد رمصيص : ( يبدو الموت لأول وهلة غير عادل لأنه يأتي في الغالب بعد نضج الأفراد ذهنيا و جسديا ، لكنه في العمق فعل ديموقراطي يساوي بين جميع الناس ... ) .

ما بين الكتابة و الموت وجود : ( فاذا كانت الكتابة بشكل من الأشكال صناعة لتلك الذات الراسخة في ذاكرة التاريخ و القادمة من المستقبل ، فان الموت نفسه صدمة مخبأة في الزمن الآتي ... ) .

و بطريقة المبدعين و النقاد الكبار يكتي محمد رمصيص حول بعض تجليات الموت في الشعر العربي ... يستشهد ناقدنا المتميز بعدة نماذج ، فيقول : ( و في ذات السياق يقول أبو العلاء المعري عن الموت باعتباره الحقيقة الوحيدة في هذا العالم الزائف ، و لذلك فهو يعري الحياة و يكشف سرابها :

صاح هذه قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد

رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحكا من تزاحم الأضداد ) ..

و كذلك : ( حيث نصادف محمود درويش مثلا يعطينا الانطباع و كأنه مات مرارا قبل موته الفيزيقي ثم عاد ليحكي لنا قصته مع الموت :

أحبك يوما

و أعرف تاريخ موتي

بدون انتحار

وراء الخريف البعيد

أمشط شعرك

أرسم خصرك

في الريح نجما و عيد ) ..

محمد رمصيص و التنوع الأدبي :

ينهل محمد رمصيص من الثقافة الهندية و المسيحية و البوذية والاسلامية و غيرها ..

و عندما يكتب ، يتأمل الكون فيكتب ، ثم يتساءل ، ليكتب ، و لهذا تأتي كتاباته عميقة ... فهو الناقد الأكاديمي المتمرس و الباحث الحقيقي الذي يقوم بتشرح موضوعاته بمهارة و قدرة كبيرة ...

المهرجانات الثقافية:

انطلاقا من تجربة الدكتور و الناقد محمد رمصيص في الملتقيات و المهرجانات الثقافية ، فهو يؤكد على أن تكون لهذه المهرجانات قيمة أدبية و فكرية و علمية مضافة عوض مهرجانات البهرجة ، فالمهرجانات الثقافية بالنسبة اليه : ( هي تتويج لحصيلة جماعية و تراكم في الابداع و النقد و التأمل و التفكير – على مدار سنة – و ليست رقما أو نسخة مجانية تضاف لأرقام بدون معنى ... )، لهذا يؤكد على وجوب وجود استراتيجية الفعل الثقافي و حضور استراتيجية العمل الثقافي عبر القراءة العلمية الدقيقة في تجربة الضيف و الاحتكام للهوية الابداعية للمبدع و توثيق أنشطة المهرجانات ...

محمد رمصيص و الموضوعية :

في كل كتاباته ، هناك عمق و رؤيا حقيقية و استشهادات ملائمة و اختيار مواضيعه بدقة متناهية و الابحار في عمق القضايا ..

محمد رمصيص كاتب كبير و ناقد حقيقي ...

الثقافة الشعبية :

يمتاز محمد رمصيص ببعد النظر في تشريحه للمفاهيم و الظواهر الاجتماعية ، فهو دائما ينطلق من الأسئلة التي هي مفاتيح دراساته النقدية ، فعن الثقافة الشعبية ، يقف طويلا أمام التسمية ، و لهذا يشرك القارئ و الباحث معه و يحثه على الغوص بعيدا في المفاهيم عوض الارتكان الى قبول كل التسميات ، فيطرح حول مفهوم الثقافة الشعبية ما يلي : ( هل يمكن الحديث عن مفهوم الثقافة الشعبية ؟ ... و هل يمكن للمتعدد أن ينتج ثقافة بصيغة المفرد ؟ و هل يمكن للمختلط طبقيا أن ينتج صوتا ايديولوجيا واحدا ؟ ألا يجدر بنا الحديث عن ثقافة الطبقة المسودة و ثقافة الطبقة السائدة ؟... ) ، و لهذا يعتبر سي محمد رمصيص المفهوم ملتبس و غير دقيق علميا ..

يستنتج الناقد الكبير أن مفهوم الثقافة الشعبية : ( توضع في مقابل الثقافة العالمة ) كذلك، و مع هذا يتبادلان التأثير و التأثر ، و لكل هذه الاعتبارات و غيرها يفضل الأخذ مرحليا بمفهوم الثقافة الشعبية ..

و حسب الناقد دائما ، ( تتصف الثقافة الشعبية بكونها نصوص مجهولة الصاحب ، أو لنقل أنها نصوص جماعية كتبت من طرف ذوات غير معروفة ... فضلا عن كونها ثقافة شفاهية في الغالب بخلاف الثقافة العالمة ... غير أن هذا الزوج المفاهيمي ( شفاهي – مكتوب ) يلزمه الكثير من التأمل و الحفر ...

محمد رمصيص : تواضع الكبار

قليل الكلام و كثير القراءة ..

صديقه الوفي مكتبته الممتلئة بكل أصناف الكتب و المعرفة ، هو و الكتاب وجهان لعملة واحدة تسمى الابداع ...

الشيخات و الفن الأصيل :

يعرف سي محمد رمصيص الشيخات قائلا : ( شريحة من النساء يحفظن الشعر الشعبي ، يجدن الرقص و لهن حس موسيقي مميز و صوت طروب ، يتقن في الغالب العزف على الآلات الايقاعية و أحيانا يجدن العزف على الآلات الوترية كما يحفظن المقامات و الطبوع الموسيقية الشعبية ... ) . كما أنهن : ( يؤثتن أعراس المغاربة و يصنعن أفراحهم بالغناء و الرقص ... ) ، و الشيخة المغربية هي كذلك : ( مرآة اللباس المغربي التقليدي الأصيل و ذاكرة للشعر الشعبي ... ) ، لكن للأسف ( ظاهرة الشيخات بالمغرب الراهن في تراجع لعدة أسباب ...

يواصل محمد رمصيص قائلا : ( ان رقص الشيخات بقدر ما يحاكي اللعب الجماعي المتحرر من الضوابط يؤسس لفرجة تستدعي مشاركة وجدانية من طرف المتلقي و خروج استعراضي لهن من ذواتهن ... يلتقي الاثنان في نقطة خارجية حيث يتقوى الشعور بالتوحد في فرجة احتفالية مزدوجة التلذذ ... لحظة ينمحي فيها الفرق بين المؤدي و المتلقي أو يكاد عبر وسيط الصوت و الانشاد و الرقص ... ) .

يواصل محمد رمصيص تحليله و قراءته ، فيقول : ( ان جسد الشيخة لحظة الرقص و هو يسافر بنا في التاريخ الموغل في القدم تصبح له بسبب هذا ، قدسية مضاعفة و ملتبسة ، فهو في لحظة الرقص يصبح ملكا للجميع و في ملكية اللا أحد في الآن نفسه ... ) .

ختامه مسك :

عالم محمد رمصيص عالم المعرفة و القراءة و الكتابة ، و كتبه القيمة تشهد له بذلك ...

هو كاتب قليل الكلام و حكيم كلامه القلم الذي يحفر في الثقافة تأريخا و بحثا و عملا رصينا ..

محمد رمصيص ثابت في مواقفه و ملم بميدان النقد ...

مجدالدين سعودي

كاتب و اعلامي و ناقد مغربي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : مجد الدين سعودي

كاتب واعلامي ناقد مغربي   / أكادير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق