أضيف في 1 أكتوبر 2017 الساعة 19:17

''الأساتذة المتعاقدون, أنفاس مكتومة ومحيط متجاهل


نورالدين الطويليع

 

ألقوا في بحر منظومة, مهما تسلح صاحبها بالنظريات والتصورات, ومهما أوتي من تجربة وحكمة وحنكة, يبقى قاصرا عن الإحاطة بمشاكلها التي تتوالد يوما بعد يوم, وتنجب رهطا جديدا لا قبل للجميع به وبفهمه.

أساتذة وصفوهم بالمتعاقدين, يجسدون مقولة: "كلما اتسع المفهوم ضاقت الصفة", حيث ضيقت الصفة الملحقة (المتعاقدون) من مفهوم الأستاذ, وشحنته بمعان ودلالات غاية في السلبية, فهو بالإضافة التي اكتسبها, أو أكسبوها إياه, غير مرسم, وعلى شفا جرف هار من الزحلقة من قطاع ما لبثوا يهددونه بأن اسمه فيه قابل للمسح والتشطيب في أي لحظة, كما أنه محكوم عليه بالجلاء والتيهان في الأرض, دون أن يمني النفس بالتملي بالاستقرار النفسي والاجتماعي, ولو لومضة, لأن القدر التربوي الجديد قضى ألا حق له في المطالبة بالمشاركة في الحركة الانتقالية, وألا مندوحة له عن الانصياع لأوامر التنقيل الصارمة, وإلا اعتبر التلكؤ, أما الرفض فلا مجال لذكره, خطيئة كبرى, تستوجب طرده من المنظومة مذؤوما مدحورا, ليشقى في أرض البطالة الصلدة القاحلة, ويتلظى بنارها التي لا ترحم.

الصفة المضافة إذن قلبت المعادلة رأسا على عقب, وجعلت كلمة أستاذ "مكللة" بوابل من العلامات السلبية, أستاذ متدرب = _ مرسم _ مستقر _ مكون (بفتح الواو المشددة) _ آمن من مكر القرارات التي قد تعصف به في أي لحظة _مالك

لزمام أمره _ واثق في نفسه...إلى غير ذلك من الصفات التي جعلت من هذه الفئة هشيما تذروه الرياح, وترميه الأعاصير في جميع الاتجاهات إلا اتجاه الراحة النفسية والأمن التربوي, رميا وقذفا وصل صداه للمتعلمين, خصوصا متعلمي السلكين الإعدادي والثانوي الذين استيقنت أنفسهم الوضع الهش لهذه الفئة, فتمادى البعض منهم في إتيان سلوكات وأفعال وتصرفات تكتسي طابع الجناية في حقهم, دون أن يعلنوا للملإ الإداري والتربوي بعض ما هم فيه, خوفا من أن يقطفهم سيف عدم الكفاءة المسلول, ودون أن ينتبه لمعاناتهم أحد من السابقين, لأن لكل منهم شأن يغنيه عن الالتفات إلى وضعهم, وفق ما قضت به وزارة شغلت كل واحد بنفسه ووضعه الإداري والتربوي, ولم تترك له, أو هكذا يخيل إليه, وقتا لمعالجة مشاكل الآخرين.

وحتى نخرج من دائرة الكلام المجرد سنعمد إلى تشخيص واقع حال هذا الذي أضافوا إليه صفة ليسحبوا منه الاسم, وليحولوه إلى عامل مياومة مجرد من مجموعة من المقومات التي يستدعيها حقل مليء بالألغام, ويحتاج إلى دربة ورواية وتكوين وواسع اطلاع حتى لا تعصف به نوائبه, فتلقيه جثة هامدة خالية من روح الخلق والإبداع, تنخرها ديدان الرتابة والروتين القاتل.

هذا المدرس يدخل على تلاميذ تلقوا تربيتهم من ينابيع شتى, وعاشوا في زمن غير زمانه, وفي بيئة غير بيئته, وحملوا قيما غير التي حمل, وربما استهانوا وعبثوا بما كان

يعتبره هو من المقدسات, أو قدسوا ما كان يراه مدنسا, ها هنا سيقع صاحبنا في حيص بيص, وسيكون موزعا بين مطرقة التسلح بمبادئ علم النفس التربوي والاجتماعي وطرائق التنشيط والبيداغوجيات الحديثة, وبين سندان تجديد معرفته التي قد تكون تآكلت بسبب عوامل تعرية سنوات البطالة العجاف, وحتى إن حدث وامتلك ناصيتها سيجد نفسه وجها لوجه أمام تحدي النقل الديداكتيكي, وما يقتضيه من تحويل معرفته العالمة إلى معرفة تربوية تستجيب لديداكتيك المادة المدرسة, وهو الأمر الذي حرم منه ومن تلقي تكوين فيه, ورمي في مستنقعه وسط صيحات من رموه فيه وتحذيراتهم إياهم من مغبة أن يبتل.

عدا أن حساب الحقل لديه, سيصبح شيئا آخر أمام حساب البيدر, حينما سيواجه بتلاميذ بلغ إلى أسماعهم أنهم قادرون على أن يبعدوه عن المنظومة, ويكونوا سببا مباشرا في طرده منها إن هو خالف ما وقع عليه, ونسي أن يترك يده مغلولة, فبسطها في لحظة انفعال وغضب في وجه أحدهم بعدما استبد وخرج عن نطاق الجو التربوي, وأتى بفعل مشين, خصوصا أن الأرضية هيئت بعناية لعنصر الفوضى في ظل غياب أي حملة للتشجيع على السلوك المدني, أو أي خطوة لتدارك الخطيئة المختارية الكبرى التي حولت المؤسسات التعليمية إلى شارع ثان, يأتي فيه غير المنضبطين بكل ما شاءت لهم به أنفسهم

وشاء لهم هوى المراهقة من الأفعال الجانحة, ليظفر الواحد منهم في الأخير, وقد غرس سكينه في رقبة مدرسه, بجولة تكريمية في فضاء المؤسسة, يشذب ورودها وأزهارها, ويستمتع بنظرات إعجاب زملائه, ثم يعود إلى الفصل في الحصة الزوالية كأن شيئا لم يكن, بعدما أرسل ضحيته إلى سرير المستشفى.

وقد لا حظنا كيف تناسلت السلوكات الجانحة بعد صدور مذكرة العقوبات الفلكلورية المشؤومة, وكيف صار الهاجس الأمني هم الأستاذ الأول والأخير, دون أن يجد فرصة للالتفات إلى مستويات التفكير التربوي الأرقى والأجدى, وهو وضع باتولوجي ورث تبعاته من سمتهم الوزارة بالمتعاقدين, وطلب منهم, بطريقة ضمنية, مجاراته واستيعابه والدخول في كنفه, وترك الحابل على الغارب, لتقول الفئة القليلة غير المنضبطة كلمتها الفصل بأريحية, وتتحدى الفئة العريضة ذات الرغبة الصادقة في التعلم, بالتشويش عليها وبحرمانها من السير العادي والمتزن للدرس, كما لو أن المقصدية العامة للقائمين على تدبير الشأن التربوي تتجه إلى بلقنة القطاع وبث الفوضى فيه, ليضطر من يملكون الحد الأدنى من القدرة المادية من أولياء التلاميذ إلى ترحيل أبنائهم صوب المدارس الخصوصية, ويتسنى لهم من ثمة التخلص من هذا الذي لم يتردد أكثر من مسؤول في وصفه بالعبء الثقيل الذي يستنزف الميزانية, ويأتي على ربعها.

أمام وضع هذه سماته, يبدو أن الجحيم سعرت ناره التي تغذت في بداية الأمر بالأساتذة المتعاقدين, دون أن يعني هذا أنها ستكون بردا وسلاما على الباقين, الذين, وهم يكتفون الآن بالتفرج على الوضع, ستطالهم النار الحارقة, وسيقول لهم مسعروا النار, بعد تعالي صيحاتهم في الوقت بدل الضائع: "اخسؤوا فيها ولا تكلمون".


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


تعليقاتكم

1- مشاكل التعليم في المغرب

محمد

موضوع جدير بالقراءة واستلهام المعاني واخذ العبر، حيث انه يشخص الوضعية الحالية التي يسير عليها التعليم في المغرب ، والتي كانت في زمن قريب تتسم بالثقة في النفس وتتميز بالعطاء والحيوية داخل الفصل ، وبالتالي فالاستاذ في هذه الفترة كان يملك من الهبة الشيء الكثير ،وبالاضافة الى الهبة كان يحترم من طرف الكبير والصغير على اعتبار انه رجل رسالي ، وشريف فالكل كان يقر له بهذا الاحترام وهذه المكانة ، لكن في زمننا الحالي بعد ان تغيرت المفاهيم والقيم واصبحت المادة هى الطاغية ولا ينظر الى ما هو معنوي الا في بعض الاحيان بدات الامور تتغير ، وبالتالي قد نقول استاذ الامس ليس هو استاذ اليوم وتلميذ الامس ليس هو تلميذ اليوم رغم ان الاصل من هذا كله يتمثل في العلاقة بين الاستاذ والتلميذ وتتجلى هذه العلاقة في التربية وتعليم القيم وبناء الضمير الانساني الذي ينبغي ان يعرف ماله وما عليه من حقوق وواجبات ، وينبغي ان يراقب نفسه بنفسه قبل مراقبة الغير له

في 01 أكتوبر 2017 الساعة 18 : 20

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق