أضيف في 1 أكتوبر 2017 الساعة 18:40

مبادئ ممكنة لتربية ديموقراطية* ( ترجمة)


نورالدين البودلالي

فيليب مييريوه                                                                                                                                           ترجمة: نورالدين البودلالي

ليست التربية عملية إنتاجية، وإنما هي مصاحبة لانبعاث فرد حر. لذا لن من غير الضروري إجبار أي نظام تربوي على «الالتزام بالنتائج». في المقابل، إنه مجبر على «الالتزام بالوسائل» وعليه أن يقدم، بطريقة جد شفافة، تقريرا عن الوسائل التي يستخدمها لمحاربة الفشل المدرسي الذي يتسبب في معاناة الأفراد والجماعات، وتضر بمستقبل المجتمع بأكمله وتُحدِث، مع الوقت، خسارات اجتماعية هامة.

من طبيعي جدا أن تكون التربية، في كل مجتمع ديموقراطي، تربية على الديموقراطية: فهي تعمل على تكوين مواطنين قادرين على فهم العالم، والعمل سوية على تحديد الصالح العام والمزيد من التضامن بين الناس وبين الشعوب.

إن التربية مسؤولية جماعية تجاه المستقبل، لكونها توجه مصير العالم. الآباء، والمدرسون والأطر التربوية، والجمعيات ورجال والإعلاميون، والفنانون و، بصفة عامة، كل النسيج الاجتماعي يتحمل مجتمعا هذه المسؤولية. ففي المجتمع الديموقراطي يعد «المشروع التربوي» قضية الجميع وعلى كل واحد المساهمة فيه.

بارتباط بتحكمها في مصير الديموقراطية واستمراريتها في العالم، لا يمكن للتربية أن تخضع لمنطق السوق ولا لمصلحة القوى الاقتصادية القصيرة المدى. وبما أن تكوين الأفراد هدفها الأسمى، فلا يمكن للتربية أن تكون ملتزمة بالنتائج ولا تقاس فعاليتها بحجم الأداء.

يجب تقييم نوعية التربية على ضوء غاياتها. فإضافة للمعايير الخاصة بمستوى التلاميذ الدراسي، عليها أن تدمج مؤشراتٍ ترتبط بتكوين المواطن: تعلّم القرار الجماعي والديموقراطية التمثيلية، الاستقلالية التوثيقية، الفكر النقدي حيال وسائل الإعلام، المبادرات التضامنية، إنماء الإبداع.

أما إن لم تكن التربية تمتلك القدرة الكاملة وهي تُمارَس في ظروف سياسية واقتصادية محددة، فستكون حظوظها أقل في امتلاك هوامش حقيقية للمناورة. ويبقى على المربين والمربيات تحديد هذه الهوامش بغية تطوير بيداغوجية خاصة بالحرية.

أول المربين هم الآباء، لكن فعل الأبوة لا يرتجل. التطورات الحالية التي عرفتها بنية الأسرة و، بشكل أوسع، الوضعيات الاجتماعية أيضا، تفرض التفكير في شروط ممارسة الأبوة. إنها تتطلب من الدول تطوير شكل من أشكال التدريب على الوالدية، خاصة بالنسبة لأكثر السكان هشاشة.

وبصفة عامة، ولمواجهة مستجدات العالم المعاصر، لابد من تعزيز جميع الاحتمالات الممكنة فيما يخص التفكير في التربية: إذ الآباء، المدرسون والفاعلون التربويون بجميع أصنافهم ملزمون للعمل جميعا على قضايا من مثيل ممارسة السلطة واستعمال العقوبات، والقيام بالقراءة النقدية، والاستعمال السليم لوسائل الاعلام، وغيرها.

تحتل المدرسة، من بين مجموع الفاعلين التربويين، مكانة خاصة: فمن مهامها المساهمة في تنمية الأفراد عبر نقل المعار

فالمعارف المدرسية ملزمة بفسح المجال أمام التلميذ للتعرف على العالم الذي يعيش فيه و، بالخصوص، معرفة كل مراحل تطور نشوء الإنسانية: ظهور العالم والانسان، تطور مجتمعات الحق، تحرير الإنسان من ربق قوى الطبيعة، بناء المعارف في مقابل جميع أشكال الخرافات، الاعتراف التدريجي بكرامة جميع البشر، الجهود الإنسانية المتظافرة في مواجهة كل أشكال الخضوع والديكتاتورية. هذا التطور نحو تحقيق المزيد من الحرية والتضامن، وكذا الصراع المتواصل ضد كل العوائق التي اعترضته، شكلت الخيط المباشر الرابط لبلورة البرامج المدرسية.

هذا المبدأ التوجيهي هو القاعدة الذي تنطلق منه كل تربية طفلية والتي من الواجب أن تكون حقا معترفا به من طرف جميع الدول. فالتمدرس ابتداء من الطفولة المبكرة في سن الثالثة وسيلة لا محيد عنها لمحاربة عدم تكافؤ الشروط الاجتماعية والظروف الثقافية.

يجب على التربية المدرسية، في سياق التعليم الإلزامي، أن تحرر نفسها من التخصصات الجامعية التي، رغم أنها مبررة ابستمولوجيا، لا تضمن تكوين المواطن إذا ما طبقت بالمدرسة. التربية المدرسية عليها الانطلاق من ال«مشكلات» التي تعين كل مواطن على تعلم كيفية تدبيرها وحلها، وليس من تصنيفات لمواد متراكمة في مجال المعارف العالمة. فالتخصصات الجامعية عليها أن تتجند إذن ك «تخصصات مساعدة» وليس بنائية للنشاط المدرسي.

يمكن تجميع المعارف المدرسية في نمطين اثنين من «المعرفة العرضية»: 1) معرفة يتم توصيلها شفاهيا، أو بالحركات الجسدية، أو باستعمال وسائل رياضية، أو بواسطة تقنيات التواصل أو على الأقل بلغة حية أخرى غير اللغة الأم. 2) معرفة أنشئت بواسطة كلمات، أو بالجسد وكل المواد الممكنة، انطلاقا من مقاربات فارقية باتباع خطوات ابتكارية وطرق فردية وجماعية. انطلاقا من مجالي «المعرفة العرضية» هذه ومن العمل على تكوينهما، يجب على التمدرس الإجباري أن يرتبط، من جهة أخرى، بثلاث حقول معرفية نوعية تُشرِط الحصول على مواطنة واضحة ومتضامنة:1) التربية على الصحة، والتربية على البيئة والتربية المستدامة.2) التربية العلمية والإثنوغرافية التي تساعد على فهم عمل أو اختلالات الوسائل التكنولوجية المعتادة وأيضا الرهانات المرتبطة بالقانون وباستعمال العلم. 3) التربية على المواطنة من خلال الكشف عن تاريخ انبثاق الديموقراطية وتجريب مبادئها وأشكال استعمالاتها في إطارات ومواضيع تتماشى مع مستوى نمو الطفل.

غير أن المعارف المدرسية لابد أن تدرس بكيفية تكن، في فعل تدريسها نفسه، حاملات لمبدأ التحرر. لهذا من الواجب ألا تُقدم المعارف باعتبارها جواهر خالدة وثابتة بل كأفكار إنسانية مبنية في إطار عملية تحرره.

على التعلمات المدرسية أن تسمح لكل الأطفال بالتعلم التدريجي للتمييز بين ما هو «علم» وما هو «اعتقاد»، بين ما هو «معرفة» مما هو «رأي»، بين ما يدخل في إطار «الموضوعية العلمية» وما يدخل في إطار «الاعتقاد الشخصي أو الجماعي». ليس من واجب المدرسة تشويه ما يفي بالاختيارات الشخصية، بل تعليم ما له قيمة عند الجميع. فهذا التمييز مؤسس للعلمانية.

هذه التعلمات مدعوة أيضا على جعل التلميذ «يفكر بنفسه» ولا يقع تحت سيطرة الشلة، أو مجموعات وقبائل من جميع الأشكال. في حين يساعد الراشد الطفل على مقاومة كل ال«ضغوط التفكير حسب القاعدة» و، خاصة، ضغوطات العلامات التجارية.

وبشكل أعم، على التعلمات المدرسية أن تيسر نمو الفكر النقدي. في هذا الإطار، تخصص لقراءة الصورة والتربية على وسائل الإعلام عناية خاصة.

أضف إلى أن استعمال التعلمات المدرسية لمناهج تحترم كرامة وحرية الطفل أمر مؤكد. فعلى الطفل أن يشارك في اختيار هذه المناهج بحسب نموه ومدى قدرته على تحمل هذه المسؤولية.

كما أن المدرسة ملزمة بمحاربة تسويق المعاريف المدرسية، وعلى الخصوص من خلال الحرب على هيمنة النقط. إذ من الضروري الأخذ بعين الاعتبار مراقبة كلّ تلميذ على حدة ومراقبة تطور شخصيته وذلك بشكل منتظم.

ولمحاربة تسويق المعاريف المدرسية، يستوجب على المدرسة تعزيز «بيداغوجية التحف»: حيث تُختم الأنشطة المدرسية بأعمال فردية أو جماعية والتي، بدفعها إلى أقصى درجات الضرورة، تمكن التلاميذ، وهم منشغلون كليا بالقيام ببعض المهام، من تفادى مواجهة العقبات وبلورة معارف. يتتبع المدرسون هذا العمل من خلال انتباههم الشديد للتطور الذي يحققه كل واحد منهم. في هذا يمكنهم استعمال سلاليم لقياس التطور بغية تمكين التلميذ من التموقع إزاء المتطلبات التي تعترضه. في جميع الأحوال، لا يجب أن يجازى أي عمل بنقطة رديئة أو بالإهمال. وكل عمل ناقص لابد أن يؤخذ من جديد ويصلح إلى أقصى الحدود.

وتشتمل قواعد عمل المدرسة بالضرورة على جزء غير قابل للتفاوض (مهام المؤسسة، البرامج، منع العنف، احترام المصالح العامة)، وأخرى قابلة للتفاوض مع التلاميذ في إطار الأجهزة البيداغوجية التي سهر على تشكيلها وتنظيمها المعلم («مجلس التلاميذ»). وتنحصر مهمة الراشدين هنا في مساعدة التلاميذ على تحديد «المصلحة العامة» وتحديد الوسائل التي تجعلها محترمة-المصلحة-.

لا يجب اقصاء العقاب. فالتلميذ المرتكب للخطأ يقصي نفسه بنفسه من الجماعة. لذا من المفروض الإبقاء على العقوبات حتى تعطى له فرصة الاندماج من جديد داخل المجموعة وأخذه من جديد مكانا بها من خلال احترام الآخرين.

إن القسم الذي يضم مجموعة متجانسة ومستوى متماثل من التلاميذ لا يمثل سوى طريقة بين أخر لتنظيم المدرسة. أما اليوم فمن الضروري تنويع طرق التجميع للإجابة على حاجات التلاميذ: مجموعة المستوى والحاجة، مجموعة الأنشطة، مجموعات الانتماء، مجموعات المتابعة...كما يجب تنويع وضعيات العمل: التدريس الجماعي، العمل في مجموعات صغيرة، بحوث توثيقية، عمل فردي، ورش ابداعي وغيره.

تتحمل المدرسة مسؤولية حصول جميع التلاميذ على المعارف التي تقوم بتدريسها. عليها ألا تكتفي ببساطة بالاستغناء عن دروس والاقتصار على اعتماد العمل الشخصي للتلميذ أو على مساندة الآباء. فتأطير الدراسة جزء لا يتجزأ من مهامها.

على المدرسة العمومية أن تستجيب لنداء فاعليها: إذ على كل تلميذ أن يجد في المدرسة نظاما وشخصية قادرة على الإجابة على أسئلته. ولا يقبل أبدا من المدرسة العمومية أن تحيل تلامذتها ولا أباءهم نحو مؤسسات خاصة أو نحو السوق.

كما لا يقوم توجيه التلاميذ بالمدرسة العمومية على أساس الفشل في بعض المواد، وإنما في إطار تربية بالاختيار وذلك خلال المسار الدراسي.

أما التوجيه نحو التخصصات المهنية فلا يُقترح ولا يجب أن يُعاش، إطلاقا، كعقاب. على المدرسة العمومية أن تقر بتنوع الذكاءات وبطرق تكوين تضمن كرامة متساوية.

ترحب المدرسة بالعائلات حتى وإن لم تصل هذه إلى تعويض المدرسين. عليها (العائلات) الحصول دوما على المعلومات المرجوة حول أنشطة المدرسة والتطور الدراسي لأبنائهم.

تحسين وإصلاح المدرسة لا يجوز أن تفرض على المدرسين من طرف الحكومات دون استشارتهم وإشراكهم. فإذا كانت الحكومات، في نهاية المطاف، معنية بالحسم فيما يمثل «الصالح العام»، فلا يمكنها اعتبار المدرسين منفذين فقط.

من حق السلطات العمومية وضع البنيات الضرورية لاستكشاف، وتحليل والإعلان عن الأعمال البيداغوجية التي تنجز بالمؤسسات المدرسية. لكن عليها أيضا تيسير تبادل الممارسات وتجميع الخبرات.

إن تكوين للمدرسين بنوعيه الأصلي والمستمر، هو أولوية لا محيد عنها. هذا التكوين يتم تنظيمه من طرف الجهات المختصة اعتمادا على الطلبات المقدمة. وتحظى، بالضرورة، كل الجمعيات وكل الفعاليات البيداغوجية المشرفة على تكوين المدرسين بالتشجيع والمساعدة.

مجموع هذه الاقتراحات لا يمثل سوى مرحلة أولى في خضم إعادة تشييد تصور تربوي مستقبلي لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين. وهي تحتاج للتتميم والإغناء من طرف كل رجل وامرأة يعتقدون، أكثر من أي وقت، في ضرورة «تذكٌر المستقبل».

 

 

*المصدر: https://www.meirieu.com/MANIFESTESETPROPOSITIONS/PRINCIPES.pdf

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق