أضيف في 27 شتنبر 2017 الساعة 13:30

الآيات الأمنية في التعليم


رشيد اليملولي

الآيات الأمنية في التعليم .

أن تصدر مذكرة ذات طابع تنظيمي أو توبوي أو ذات أمر مستعجل ، فهذا أمر طبيعي لا اعتراض عليه ، و أن تذكر بالوطنية من خلال النشيد الوطني أمر مستحب و مندوب في الآن ذاته ، و أن تردفها بمذكرة حول الوزرة ،فذاك من القيم النبيلة في تقدير الصفة و الشخص و المضمون المعرفي ، و تحويل هذا الشكل إلى قيمة رمزية و قدوة ، معناه أننا في سياق إعادة الاعتبار للدور التي تلعبه التربية و التعليم في صعود الأمم و رقيها .

لكن ، و آه من لكن هذه ، يبقى الواجب قائما و تظل الأولوية أكبر الغائبين في الوعي التنظيمي و الإداري للوزارة الوصية في تدبير مبدأ الجودة الذي تم التركيز عليه في عشرية التربية و التكوين أو المخطط الاستعجالي ، و مشروع 2015 ـ 2030 .

قد يبدو أن الهاجس المركزي و ثقافة الالتفاف على الأولويات ، و فرض سياسة الأمر الواقع ، هي الفلسفة التي تستبطنها الوزارة في مختلف الإجراءات العملية و النظرية التي تنهجها ، و تؤطر عملها ؛ حيث تركز قسرا وواجبا على الأولوية الشكلية ، دون النفاذ إلى الجوهر ، و تقديم خطط مستعجلة للبنية التحتية المهترئة في العديد من المؤسسات ، و تزويدها بالمعدات اللازمة للتجويد ، فعوض بناء مدن نموذجية وصرف الأموال الطائلة عليها ، و تسويق ذلك إعلاميا و التطبيل له ، يكفي أن نخصص ميزانية محترمة للاستثمار في البنى المرتبطة بالمؤسسات ، وربطها بالتكنولوجيا و كل مقومات الإنجاح و النجاح معا ، و التركيز على بناء الفضاء الأمثل لممارسة عملية التعلم ، و تحويله إلى فضاء محفز و دال على القيمة التربوية و لنا في النماذج المتقدمة خير معين ( اليابان ، فلندا و كوريا الجنوبية ) ، غير أن المسعى لا يدخل في اهتمامات الدولة عموما و الوزارة خصوصا ، إذ نلاحظ تراخيا مؤسسا له ، لدرجة يرقى هذا الإحساس إلى الإهمال المقصود و النية المبيتة في " تحقير " و " تسفيه " المدرسة العمومية ، و نقلها إلى مرتع الإنتاج المعاق تربويا و مجاليا و نفسيا ، إذ تغدو هذه المدرسة إلى وكر للتلاعب بالأحاسيس الخاصة التي يكنها المجتمع للمدرسة ، و إثارة الانتباه إلى الإصلاحات العابرة المعبرة عن طموح سياسي و ليس سيادي للمدرسة ، و التركيز على الطابع المؤقت و الفجائي و الشخصي عوض المؤسساتي ، و هذا ما يفيد إنتاج طاقة بشرية مهزوزة و فاشلة في التفاعل مع مدرستها و ما مظاهر العنف و عدم الثقة في المدرسة إلا معبر عن ذلك ، لدرجة أضحى الاختباء في وظائف الأمن الهم الأكبر لجل المتعلمين ، وبناء موقف سلبي من التعليم العالي و مؤسساته و اعتباره حياضا لتزجية الوقت و إهدارا مؤسسا لفرص الحياة الوظيفية و العلمية .

أن يتم التركيز على الصباغة و الوزرة و النشيد الوطني ، و توقيف أو إعفاء مدير أو أستاذ أو أستاذة ، و تسويق صرامة مشكوك في صحتها و مصداقيتها ، مسألة فيها نظر ؛ فالصباغة و التوقيف مجرد مساحيق لإخفاء وجه شاحب ، شيص ، نخب ، هواء ، يتبرقع خلف الضحالة في التصورات و القيم و الرؤى المؤطرة للعملية التربوية ، و تجزيء المبدأ التربوي إلى فتات إعلامي يوجه بوصلة الاهتمام نحو المشاريع التنموية غير الفاعلة في العملية التربوية ، و القادرة على الدفع بها نحو الخلق و الإبداع ، و كان حريا التوقف مليا عند طبيعة المشاريع المنجزة و تقييمها ، و استحضار العناصر الفاعلة و تقويتها سبل و شروط فعاليتها ، و النظر في الميزانيات( ميزانية ميثاق التربية و التكوين أو عشرية التعليم ـ و المخطط الاستعجالي ) و تقديم الاختلالات للمجتمع إعلاميا ،في أفق تقديمها للعدالة للنظر فيها ، ثم النظر في مسألة التأمين التي لا يستفيد منها المحيط التربوي بأي شكل من الأشكال ، و تحميل الوزارة و الدولة مسؤوليتها في قضية الالتزامات المبرمة في إطار الحوار الاجتماعي مع قطاع التعليم و تنفيذها ، عوض التعالي و الترفع عن تنفيذ أبسط الحقوق ، و التركيز على الواجبات ، فما الذي يفيد متعلما في نشيد وطني لا يعنيه في قيمه الكبرى ( الشغل ـ الصحة ـ السكن ـ العيش الكريم ) ؟ و ما معنى أن تصدح الحناجر بنشيد لا يضمن لقمة و لا حذاء أو محفظة و جوا تعليميا مناسبا ، و لا يضمن مستقبلا مضمونا ؟.

أن لا يتقن وزير ثلاث كلمات مفتاحية في ندوة صحفية في قطاعه الوزاري ،و أن يفشل في تكوين جملة مفيدة و ذات معنى ، و في المقابل إقالة مديرا لا حول له و لا قوة ، الأمر و إن بدا شكليا فهو يعني اختلالا في تقدير حجم و طبيعة المسؤولية ، و ازدواجية المعايير ، وليس لنا و الحالة هاته إلا التعلم من الدرس السميولوجي ( الايديولجيا تعشش في الأشياء البسيطة ) .

الملاحظ أن التعثر في انطلاقة الموسم الدراسي الحالي و معه الإصلاح الحقيقي ، يرجع في الكثير من مسبباته إلى الفلسفة في النظر إلى قطاع حيوي ، و تنفيذ مقتضياته الفاعلة خارج أي تقويم سياسي أو تقني ، بإيعاز من التوجيهات التي تحاول قسرا فرض نموذج تعليمي خارج تطلعات و طموحات أبناء مجتمعه ، إذ الرغبة في الإنجاح و الإجهاز في الآن ذاته على القيم المرتبطة بالتعلم و التعليم ، و تسويق الموت بمنجزات ضحلة يتم الإمعان في إنجاحها إعلاميا ، ليعد تعبيرا راقيا عن دولة فاشلة تنمويا ، فالجدولة الزمنية للمقررات الوزارية و إن كانت تسعى ضبط الزمن و التحكم فيه ، فهي تتعالى على المتغيرات المجالية و التباينات النوعية على مستوى الجهات و الأقاليم ، محاولة فرض أمر واقع فيه من " الوعيد و التهديد " أكثر مما فيه من المرونة و هامش الحرية من أجل إضفاء طابع مجال الإنسان و إنسان المجال .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق