أضيف في 27 شتنبر 2017 الساعة 00:25

عنى وعن أولادى وأحفادى وطلابى وعملى فى الجامعة


إبراهيم عوض

عنى وعن أولادى وأحفادى وطلابى وعملى فى الجامعة

إبراهيم عوض

(حلقة جديدة من كتابى: "من كتّاب الشيخ مرسى إلى جامعة أكسفورد")

 

ومن ناحية الذرية عندى ثلاثة أبناء: بنتان وولد: البنت الأولى أستاذة مساعدة فى الجامعة، والولد الأوسط مدرس مساعد، والصغرى طالبة جامعية. وهى فنانة موهوبة فى الرسم، وكنت أريد لها أن تدخل كلية الفنون الجميلة، لكنها آثرت الهندسة. ولم يسبب لى أى منهم مشاكل خلال الدراسة، والحمد لله، ولم يعرّضنى لحرج. ولدىَّ أربعة أحفاد: ثلاثة من ابنى، وواحد من بنتى. وكلهم مبعث سعادة ورضا لى. وحين أحمل أيا منهم أحس كأننى طائر فى السماء السابعة، وأتأمل الولد أو البنت منهم، سواء كان يقظا أو نائما، فأشكر الله بقلبى ولسانى شكرا عميقا وأغمره أو أغمرها بالقبلات، وأدرك كم أنا محظوظ أن عندى مثل أولئك الأحفاد الأذكياء الأصحاء اللطاف. وأدعو الله لهم بالسعادة والكرامة فى حياتى وبعد مماتى. وأحس بقلبى ينبض بالحنان والشكران وأنا أحمل أيا منهم، وبخاصة إذا كنت وحدى. وقد أحمل أحدهم فى الصلاة، فتتضاعف سعادتى: به وبالصلاة فى آن.

ولكل منهم لقب خاص به: فهذا "سنجاب" لأنه حاد الملامح دقيقها، شديد الذكاء، كثير التلفت لأقل نأمة، يقظ لدرجة مذهلة، ودائما ما يغرس أظافر أصابع قدميه فى صدرى كى يتسلقنى، ولا يستقر أبدا. وسنجابنا هذا عمره عام وشهر. وهذه "أستاذة" من قبل أن تبلغ الرابعة من عمرها لأنها تتكلم وتتصرف كأنها مدرّسة ذات علم وخبرة وتجارب، وتردد عبارت الكبار. وهذا "فيلسوف" لأنى لاحظت أنه، فى فترة الرضاعة، كان إذا استيقظ بكى كما يبكى الأطفال عادة عندما لا يجدون أحدا حولهم، إلا أن بكاءه هادئ جدا لا يكاد يُسْمَع، وكأنه يبكى فى سره أو داخل فمه أو ينوى فقط أن يبكى، فقلت: هذا الولد فيلسوف. إنه يريد أن يبكى، لكنه يقول فى نفسه: وما الداعى لإزعاج بابا وماما؟ خَلِّهِما ينعما قليلا بالهدوء! ثم يسكت ولا يمضى فى البكاء ولا يرفع عقيرته أبدا بالصراخ مخاطبا نفسه: "تعال على نفسك يا أبا الخلود، واسكت، ولا داعى لإزعاج الآخرين ببكائك". أليست هذه، بالله عليكم، طريقة الفلاسفة فى التفكير العاقل والتصرف المنطقى؟ وعمر الفيلسوف عامان. أما عمرو الصغير، الملقب بـ"الحكيم" لأنه أشد من خالد هدوءا وأقل بكاء، فأتصور أنه مدهون بالزبد وعسل النحل من شوشة رأسه إلى أخمص قدميه، وكلما رأيته أطلب قطعة خبز طرى لأغمِّسها منه! واليوم سنحتفل ببلوغه العام الأول من عمره المديد المبارك بمشيئة الله كما احتفلنا منذ شهر بابن عمته السنجاب. اللهم بارك فى أولادى وأحفادى، وبارك فى كل الأبناء والأحفاد، فهم فلذات الأكباد، وأنت الذى غرست محبتهم وبواعث القلق عليهم فى القلوب.

ولكن هل معنى هذا أن حياتى خالية من المنغصات؟ كلا، إذ ما أكثر المنغصات فى حياتى وفى حياة أى إنسان بالغا مابلغ علو منصبه أو عظم ثروته أو استقامة صحته أو ضخامة نفوذه أو قوة شخصيته أو جلاله ووقاره واحترام الناس له. لقد كُتِب على ابن آدم، أيا كان لونه وطبقته وجنسيته ومنصبه ولسانه وشخصيته وماله، نصيبه من وجع الدماغ فى الدنيا. "لقد خلقنا الإنسان فى كبد": هكذا قال الله تعالى، ولا معقِّب لقوله. والإنسان منذ يولد وهو فى عناء: بدءا من صرخة الاستهلال، وانتهاء بالموت، ومرورا بالتسنين والجوع والعطش والفشل والقلق والملل والعجز ومتاعب الدراسة والامتحانات والخوف من العفاريت والأشباح والمستقبل والمجهول والخيانة والظلم والحرمان والقبح... إلخ إن كان لتلك القائمة من آخر. وبالنسبة لى لقد ماتت أمنا صغيرة، ونحن أيضا صغار، ثم لحق بها أبى بعد نحو ثلاث سنوات، وأنا لا أزال فى التاسعة، وانتقلنا كما قلت من الستر إلى الفقر، وبعد أن كان لنا أب وأم صرنا يتامى كاملى اليتم منذ وقت مبكر. ومن جهة الأمراض عانيت كثيرا من نزلات البرد، وما أسخفها وأشد إزعاجها، وبخاصة فى طورها الأخير: طور الكحة. ولهذا كلما اعترتنى تلك النوبة كان أول شىء أفكر فيه الآن هو المشروب المهدئ للسعال. وطبعا هناك أمراض أخرى، وقد أخذت بنصيبى منها، وإن كان الله قد عافانى، حتى الآن على أقل تقدير، من خطيرها. فالحمد لله.

وأما من الناحية الدينية ومدى إحسانى أو إساءتى واستحقاقى من ثم للجنة أو النار فهذا أمر لا أستطيع أن أفتى فيه بشىء لأنه من اختصاص الله سبحانه وتعالى. وقد استغربت وأنا أشاهد، على قناة الجزيرة منذ نحو اثنتى عشرة سنة، سيدة نصرانية غربية ممن يعملن مع الكنيسة تقول عن نفسها إنها سوف تذهب إلى الجنة لأنها لم ترتكب فى حياتها ما يمكن أن تعاقَب عليه. قلت لنفسى: على الأقل ينبغى التأدب مع الله، فمن منا يا ترى يستطيع أن يحكم على إيمانه أو عمله ونيته؟ لقد علَّم الله رسوله، على جلال قدره، التواضع وخفض الجناح، وأمره أن يقول للمشركين: "مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ". وأين هذه المرأة من الرسول؟ أليست على الأقل تعبد بشرا مثلها وتزعم أنه إله؟ ومع هذا نراها تتجاوز قدرها وتتعدى حدودها وتؤكد أنها ذاهبة بكل يقين إلى الفردوس. إن هذا الشعور المغرور هو فى حد ذاته مَهْلَكَة، وقد حذرنا الله منه لأنه تألٍّ على الله، فكأن الله يأخذ باقتراحات البشر وينفذ أوامرهم؟ ومع هذا فطمعى عظيم فى عفو الله وغفرانه، وعندى أمل ألا ينتهى طمعى إلى غير طائل، وإلا كانت مصيبة كبرى! كله إلا النار وأهوال النار! اللهم إنى لا أطلبها باستحقاق منى بل باستحقاق منك، فأنا الخطاء، وأنت التواب الرحيم.

وأنا دائم الحمد لله على كل نعمة أنعم بها علىَّ مهما دقت أو جلت: فإذا أكلت بقسماطة حافية شكرته سبحانه. وإذا غسلت يدى أو قصصت أظافرى أو حلقت ذقنى أو رششت على جسمى شيئا من العطر أو اغتسلت أو ارتديت ملايسى أو خلعتها أو قضيت حاجتى شكرته عز وجل. وإذا استمتعت بأغنية شكرت الله على ما أبدع عَبْر الحناجر التى تهتف، والأوتار التى تعزف، والقلوب التى تشعر، والعقول التى تفكر وتبدع، والأيدى التى تنقر، والأفواه التى تصفر، والقريحة التى تَنْظِم، والذوق الذى يستقبل ويستجيب. وإذا سمعت نكتة أو شاهدت موقفا مضحكا فى فلم سَبَّحَتْْ كل خلية فى عقلى وقلبى بتمجيد الله، الذى خلق المبدعين القادرين على إضحاكنا وإسعادنا طبقا لما بثه فى كونه من قوانين نفسية وعقلية واجتماعية وعصبية وفنية لا يستطيع أى شىء أو أى شخص أيا كان أن يحيد عنها قيد أنملة. وهو ما تشير إليه، بأسلوب غير مباشر، الآية الكريمة التى تقول: "وإِنْ مِنْ شىءٍ إلا يسبِّح بحمده، ولكنْ لا تفقهون تسبيحهم". فالتسبيح هنا يعنى الطاعة المطلقة التى لا يستطيع أحد أن من المخلوقات أن يخرج عليها، بل الكل يعنو لها ويسير بمقتضاها، إذ نحن جميعا فى قبضته سبحانه لا يمكن أن نقلت منها رغم الحرية النسبية التى يتمتع بها البشر هبةً منه سبحانه والتى على أساسها وبقدرها سوف نحاسب يوم القيامة مع تفاوت هذا المقدار الموهوب من الحرية باختلاف الأشخاص واختلاف ظروفهم، ومن ثم تفاوت الحساب طبقا لوسع كل إنسان: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها".

ولكن هل أنا تقى نقى لا أجترح الخطأ؟ كلا ثم كلا، فسخافاتى كثيرة، وغلطاتى أكثر، ولكنى لا أفكر فى أذى الآخرين، وعادة لا أشعر بالحسد تجاه أحد، وإذا تسلل شىء منه إلى دخيلتى حاولت أولا بأول كنس قلبى منه وتهوية غرفات نفسى حتى تخرج روائحه الكريهة، إذ يخجلنى أمام نفسى أن أراها متلبسة بالحسد أو الحقد على أى إنسان، وأعده شيئا لا يليق ولا يطاق. ورغم ميلى، بعد أن تجاوزت الشباب، إلى المجاملة ومداعبة الآخرين وعدم الصدام بأى إنسان ما وسعنى ذلك، فإن عصبيتى تغلبنى إذا ما ألفيت من أمامى يحمق أو يتحامق ولا يرعوى أمام الحقوق وأصول اللياقة، وما أكثر أمثال هؤلاء فى المجتمعات المتخلفة. ولا شك أن هناك من ضايقتهم تلك العصبية، وأرجو ممن قد تكون هذه العصبية آذته يوما أن يسامحنى، سواء كنت أنا أو هو على حق، فلست أقصد إهانة الآخرين، بل كل ما أتغياه هو أن أرى الأمور أمامى ماضية فى طريقها المستقيم بقدر الإمكان. وبالنسبة إلى إساءاتى إلى الآخرين فقد يشفع لى أن نيتى طيبة فى العادة لا أخطط لإيذاء أحد، بل كثيرا ما أتسامح فى حقوقى إذا جاء من أكلها أو ضيعها علىَّ وبَسَط عذره. وعلى الناحية الأخرى سريعا ما أفىء إلى الحق متى تبين لى أنى قد ابتعدت عنه. وفى أغلب الأحيان أقدر على تخيل نفسى فى موضع الآخرين الذى أساؤوا إلىَّ فأتفهم بواعثهم وأتخيل دوافعهم، مما من شأنه أن يخفف غضبى سريعا إذا كان هناك ما يستوجب مراجعة ذلك الغضب والتراجع عنه.

وبالنسبة لزوجتى وأولادى فإنى أعلن بملء فمى أننى لست زوجا ولا أبا مثاليا، ولكنى لست فاشلا أيضا، فبيتى بحمد الله يسير سيرا طبيعيا دون مشاكل تذكر ودون فضائح. أنا إنسان عادى فيه وفيه، مع شىء من ضيق الصدر فى بعض الأحيان. وأحاول بكل ما فى طوقى أن أدخل السعادة على قلوب زوجتى وأبنائى، فأنجح أحيانا، وأخفق أحيانا أخرى. وقد أنفعل وأحتد حينما يكون هناك ما يستحق الانفعال، وأحيانا دون أن يكون هناك ما يستحق، وتنتقدنى زوجتى المحبة، وتقول لى كما تقول أميمة زوجة الشيخ حاتم الشناوى فى رواية "مولانا" له، بل كما تقول كل زوجة لزوجها فى كل البيوت تقريبا: آه لو يعرف الناس كيف تعاملنا! فأضحك أو أغضب طبقا للموقف، مستغربا هذه الملاحظة، إذ إنى لم أقل قط إننى مثال أعلى ولا أنا رجل تقى لا أحيد عن الصراط المستقيم، بل أقول: إننى رجل عادى، لكنى لا أحمل حقدا على أحد، وأحاول على قدر ما أستطيع أن ألتزم جانب الحق، فأنجح أحيانا، وأفشل أحيانا. ثم إن الرجل فى بيته يتخفف من عبء المجاملات وأشباه المجاملات مما يقتضيه التعامل مع الآخرين ممن لا تربطه بهم صلة قرابة لصيقة. فمن الطبيعى أن تظهر عيوب الشخص فى بيته أوضح مما تظهر خارج البيت. وفضلا عن ذلك فليس لى أنصار ولا أتباع ولا أشياع كـ"مولانا" يقتدون بى ويتخذوننى أسوة لهم، بل أنا مجرد حِتَّة أستاذ جامعى يحبنى بعض طلابى، ويضيق بى البعض الآخر الذين أظنهم أكثر عددا نظرا إلى حرصى على سيادة النظام، ولو فى حده الأدنى، فى المحاضرة، وعدم الاستجابة إلى كسل جماهيرهم ورغبتهم فى حذف أكبر قدر من المقرر وتسهيل الامتحان إلى أبعد مدى بحيث يحله كل واحد منهم بإصبع قدمه.

ومع هذا فإن زوجتى كثيرا ما تستغرب استغرابا شديدا كيف أننى "رجل طيب القلب متسامح إلى هذا الحد" طبقا لكلامها. وهنا أضحك أيضا وأقول: "ارسى لك على بر، وحددى موقفك منى: "أنا رجل طيب أم سىء؟". أما بالنسبة لى فإننى لم أغير ولن أغير رأيى أبدا فيك. ولن أقول إلا ما قلته لأول مرة تعارفنا فيها". ثم أضحك ثانية متذكرا وذاكرا الحديث الشريف عن أبى زرع وأم زرع ومسارعة الزوجات بوجه عام إلى أن تقول كل منهن لزوجها عند أول بادرة: "ما رأيت منك خيرا قط!"، فتغتاظ من المغزى الذى يكمن وراء استشهادى بذلك الحديث النبوى، بينما أغرق أنا فى الضحك والقهقهة. ومع هذا فإننى، ولو على المستوى النظرى والفلسفى، أعى جيدا أن تركيبة الرجال العقلية والنفسية مختلفة عن تركيبة النساء وأن هذا هو سبب الاختلاف الذى كثيرا ما يقع بين الرجل والمرأة، وأنه ما دام الله قد خلقنا وخلقهن على النحو الذى نعرفه فلا ينبغى أن يلوم الرجل منا زوجته إذا ما اختلفت وجهة نظرها معه أحيانا إلى أمور الحياة، وبخاصة أننى وزوجتى قلما نختلف فى المسائل الهامة والكبيرة، بل فى توافه الحياة وتفصيلاتها اليومية غالبا. هذا على المستوى الفلسفى، أما على المستوى الواقعى فقد أتسامح مع ما تقول، وقد أنفعل، وقد أنهزم (هزيمة تكتيكية طبعا: خذوا بالكم). وهنا تعلق ابنتى الصغرى قائلة بضحك: أوتخاف ماما إلى هذا الحد يا بابا؟ فأجيب وأنا أخافت من صوتى وأضائل من شخصى: من خاف سلم يا بنيتى! وهل هناك بابا لا يخاف من ماما؟ ثم أعود إلى الضحك والقهقهة. والآن ما رأيكم أنتم أيها القراء؟ أأظل سائرا على هذه الشاكلة أم أزمجر كالأسد الغضنفر؟ لكن الأسد الغضنفر لا يصلح أن يكون زوجا لبنت حواء، بل لا يصلح أصلا أن يزمجر فى وجه بنت اللبؤة، وإلا كان يومه أسود من قرن الخروب. واسألونى أنا يا من لست أسدا ولا غضنفرا.

أما مع أولادى ققد اجتهدت فى تربيتهم: فكنت أحيانا أصيب، وأحيانا أخطئ. وحين كانوا صغارا لم أكن أضربهم ولا أشتد عليهم، وإن لم أظل هكذا بعدما كبروا وصاروا يستطيعون التمييز بين الخطإ والصواب ويمكنهم أن يختاروا فيقدموا على هذا التصرف أو ذاك أو يمتنعوا عنه. ولكن لا أذكر أننى عاقبت أيا منهم إذا ما حصل فى الامتحان على درجة أقل مما أتوقع أو أتصور أنه يمكنه إحرازها. وقد سمعت مرة من د. إبراهيم عبد الرحمن فى أوائل سبعينات القرن الماضى أن د. طه حسين كان يكافئ ابنه وابنته إذا ما أحرزا درجة سيئة فى الامتحان. ولا أدرى مدى صحة هذا الخبر، إلا أننى على كل حال لم أصل يوما إلى هذا المستوى الراقى من التربية، ولا أستطيع أن أتبع تلك السُّنَّة الظريفة. وبحمد الله فإننى لم أَشْكُ قط منذ عقود طويلة من قلة ما أحتاجه من مال لشراء أى شىء لى أو لأولادى، وبالذات لأن مطالبنا ومطالبهم بوجه عام مطالب معتدلة. والآن ما رأى أولادى فىَّ؟ كما هو الحال مع كل الأولاد هناك ما يعجبهم منى مثلما هناك ما ينتقدوننى عليه. ومن جانبى قد أقتنع بما يقولونه فىَّ سلبا أو إيجابا، وأحيانا لا أقتنع. وهكذا الحياة. لكنهم، فيما أتصور، يروننى رجلا طيبا فى تعاملى مع الناس. أما معهم فهذا شىء آخر كما سبق أن قلت. وبالنسبة لأحفادى فإنى لا أطيق أن أراهم يبكون أو يتألمون، وبخاصة أنهم لا يزالون صغارا ما بين العام الواحد والأعوام الأربعة، فكل ما يفعلونه يكون أحلى على قلبى من العسل. وأقصى ما يكون من رد فعل عندى إذا ما كنت مشغولا بأمرٍ مُلِحٍّ أن أحمل الواحد منهم وأسلمه لأمه وأبيه، أو لجدته إذا كان عندنا، وأطلب منه أو منها مراعاته حتى أستطيع أن أنجز عملى. ثم أقوم رغم ذلك بين الحين والآخر لأَبُلّ ظمأ روحى إلى رؤيتهم وسماعهم وألعب معهم قليلا قبل أن أعود إلى مزاولة ما كنت مستغرقا فيه من عمل.

لقد كان بمكنتى أن أقدم لنفسى صورة أفضل من ذلك وأزعم أن كل شىء فى حياتى لا أحسن ولا أروع، بيد أن صراحتى وخشيتى من ربى تمنعنى ذلك وتجبرنى إجبارا على أن ألتزم الصدق. فسامحونى، إذ لم أستطع أن أرضيكم. ولعل لحرصى على أن أظهر لطلابى وقرائى ومعارفى بصورتى الطبيعية الواقعية دخلا فى أنى لم أترك تأثيرا فى أحد يذكر، فلم يقل لى أحد مثلا إنه قد أقلع عن ذنبه أو خلع دينه واعتنق الإسلام بسبب ما قرأه لى فى مقال أو كتاب أو سمعه منى فى ندوة أو محاضرة. وقد شغلنى هذا الأمر كثيرا وحيرنى، إذ كثيرا ما أسمع أن الداعية الفلانى أو الكاتب العلانى قد تاب أو أسلم على يديه كذا وكذا شخصا، أما أنا فلا، حتى لقد سألت ابنتى الصغيرة ضاحكا منذ أسابيع ونحن نسير معا فى الشارع: لماذا أبوك فاشل فى التأثير على الناس فيما يدعوهم إليه من أمور الدين أو الأخلاق يا سلوى؟ قالت فى الحال بعفوية عجيبة: لأنه ليس لك لحية! الناس يا بابا لا تسمع ولا تصدق إلا المشايخ الملتحين. وكنت أشاهد قبيل قليل الشيخ محمد حسان فى تسجيل مصور على المشباك يقول فيه لمذيع خليجى إنه كان يصلى هو وبعض المشايخ فى أحد المطارات الأجنبية، فإذا بأسرة أمريكية تلفت مع الملتفين حولهم يستطلعون طِلْعَهم، لينتهى أمر تلك الأسرة معهم بعد عدة أيام من وصول الطرفين إلى أمريكا بدخولها الإسلام. أما أنا فلم يحدث معى شىء من هذا رغم أنى قد مكثت فى الغرب ست سنوات، واختلطت بهم فى بيتى وفى الشارع وفى الجامعة وفى الحافلة وفى الأسواق. يبدو أننى سىء جدا، وإلا فكيف تفسرون هذا الأمر؟ آه، نسيت أن أذكر لكم أن شابا عربيا يقيم بدولة أوربية ومثقف ثقافة عالية وعلى غير دين الإسلام، اتصل بى قائلا إنه مسلم منذ فترة، ولم يعزم بعد على معالنة أسرته بذلك لمعرفته أنهم سوف يتألمون ويعترضون رغم أنهم لن يتألموا ولن يعترضوا إذا ألحد وترك الإيمان بالله أصلا. والشاهد فى الحكاية تأكيده لى أن دخوله الإسلام إنما تم بناء على ما قرأه لى من كتابات فى تجلية حقيقته وفى المقارنة بينه وبين غيره من الأديان. الله أكبر! لقد فعلتها أخيرا، ودون أن أطلق لحيتى! يا للعجب!

ولا نكران أن لى أخطائى الكثيرة رغم محاولاتى الدائبة، والفاشلة فى كثير من الأحيان، أن أكون إنسانا مستقيما. لكن لا بد أن أصارح القارئ بأننى صرت أقل توترا مما كنت فى شبابى بسبب تلك الأخطاء، فأستغفر الله على ما أكون قد اجترحته من خطإ ثم أترك الأمر بين يدى الله لا أدعه يسمم علىَّ حياتى كما كان يحدث لى حين أستيقظ من نومى بين الحين والحين فأجد أن الشمس قد طلعت دون أن أدرك صلاة الصبح رغم ما اتخذته من احتياطات يفترض أنها كفيلة بإيقاظى قبل الشروق. لقد بذلت جهدى، وانتهت المسألة، وصار الأمر بين يدى الله متوقفا على مشيئة الله ورحمته وكرمه، وأملى فى كرم مولاى شاسع لا ينتهى، وأنا مقر بكل ذنوبى لا أمارى ولا أشارى. وأحيانا ما أقول لنفسى: رغم طمعى فى دخول الجنة بغير حساب فإننى لمحظوظ لو اقتصر نصيبى على النجاة من النار وأُرْسِلْتُ إلى الأعراف، إذ لا ريب أنها أفضل من جهنم حيث النار والحريق وصهر البطون والجلود والضرب بمقامع الحديد ومقاساة العذاب الأليم. ولكنى كلما قرأت الأحاديث التالية تجدد لدىَّ الأمل فى رحمة الله، فكانت نتيجته لا الاطمئنان الخامل الذى يردى صاحبه فى النار: نار الدنيا تخلفا وهوانا وفقرا وذلة على المستوى الفردى والوطنى والإسلامى، ونار الآخرة التى تشوى الأبدان والأرواح، بل تكثير المجهود ومضاعفة النشاط من أجل رضا الله، مع إعمال عقلى دون خوف من أى شىء سوى ربى، ودون مراعاة لأى اعتبار سوى ما أرى أنه الحق، عارفا أن الإنسان ما دام اجتهد ولم يَأْلُ، ولم يتصدَّ لما لا يحسن، وأخلص العزم والنية، فالأجر بمشيئة الله فى انتظاره على أى من حاليه: أخطأ أو أصاب.

ومن هذه الأحاديث العجيبة "أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها (شك إبراهيم)، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاءنا ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان. هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم مقدار عظمها إلا الله. تخطف الناس بأعمالهم: فمنهم المؤمن يبقى بعمله أو الموبق بعمله أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه، ثم يتجلى. حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود. تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود. حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود. فيخرجون من النار قد امتُحِشُوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل. ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولا الجنة، فيقول: أي رب، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها. فيدعو اللهَ بما شاء أن يدعوه، ثم يقول الله: هل عَسَيْتَ إن أُعْطِيتَ ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار. فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قَدِّمْني إلى باب الجنة. فيقول الله له: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبدا؟ ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: أي رب. ويدعو الله حتى يقول: هل عسيتَ إن أُعْطِيتَ ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة، فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، أدخلني الجنة. فيقول الله: ألستَ قد أَعْطَيْتَ عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أُعْطِيتَ؟ فيقول: ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: أي رب، لا أكونن أشقى خلقك. فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له: ادخل الجنة. فإذا دخلها قال الله له: تمنَّهْ. فسأل ربه وتمنى، حتى إن الله ليذكِّره يقول: "كذا وكذا" حتى انقطعت به الأماني. قال الله: ذلك لك، ومثله معه. قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة، لا يرد عليه من حديثه شيئا، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله تبارك وتعالى قال: "ذلك لك، ومثله معه". قال أبو سعيد الخدري: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة! قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: ذلك لك، ومثله معه. قال أبو سعيد الخدري: أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ذلك لك، وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: فذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة".

وقال صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لأعلمُ آخرَ أهلِ النَّارِ خروجًا منها، وآخرَ أهلِ الجنَّةِ دخولاً: رجلٌ يخرُجُ من النَّارِ حَبْوًا، فيقولُ اللهُ: اذهَبْ فادخُلِ الجنَّةَ. فيأتيها، فيُخيَّلُ إليه أنَّها ملأَى، فيرجعُ فيقولُ: يا ربِّ، وجدتُها ملأَى. فيقولُ: اذهَبْ فادخُلِ الجنَّةَ. فيأتيها فيُخيَّلُ إليه أنَّها ملأَى، فيرجِعُ فيقولُ: يا ربِّي، وجدتُها ملأَى. فيقولُ: اذهَبْ فادخُلِ الجنَّةَ، فإنَّ لك مثلَ الدُّنيا وعشرةِ أمثالِها، أو إنَّ لك مثلَ عشرةِ أمثالِ الدُّنيا. فيقولُ: أتسخُرُ منِّي، أو تضحَكُ منِّي، وأنت الملِكُ؟ فلقد رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضحِك حتَّى بدت نواجذُه. وكان يُقالُ: ذلك أدنَى أهلِ الجنَّةِ منزلةً". وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: "بينا ابنُ عمرَ يطوفُ إذ عرض رجلٌ فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ (أو قال: يا ابنَ عمرَ)، هل سمعتَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في النجوى؟ فقال: سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول: يُدْنَى االمؤمنُ من ربِّه (وقال هشام: يدنو المؤمنُ) حتى يضعَ عليه كنَفهُ، فيُقرِّره: تعرف ذنبَ كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: "ربِّ، أعرفُ" مرتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرُها لك اليومَ. ثم تُطوى صحيفةُ حسناتِه". وأيضا هذا الحديث: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ كتب الحسناتِ والسيئاتِ ثم بيَّنَ ذلك: فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها اللهُ لهُ عندَهُ حسنةً كاملةً. فإن عملها كُتِبَتْ لهُ عشرُ حسناتٍ إلى سبعمائةِ ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ. وإن هو همَّ بسيئةٍ فلم يعملها كتبها اللهُ لهُ عندَهُ حسنةً كاملةً. فإن عملها كُتِبَتْ لهُ سيئةً واحدة".

وقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيدِه لو لم تذنبوا لذهب اللهُ بكم ولجاء بقومٍ يذنبون، فيستغفرون اللهَ فيغفرُ لهم". "إنَّ اللهُ يُمهِلُ حتَّى يذهبَ شَطرُ اللَّيلِ الأوَّلِ، ثمَّ ينزلُ إلى سماءِ الدُّنيا، فيقولُ: هل من مستغفِرٍ فأغفرَ له؟ هل من سائلٍ فأُعطيَه؟ هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ حتَّى ينشقَّ الفجرُ". وفى حديث آخر "أنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالوا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: يا رسولَ اللهِ، ذهب أهلُ الدُّثورِ بالأجورِ: يُصَلُّون كما نُصَلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضولِ أموالهم. قال: أو ليس قد جعل اللهُ لكم ما تَصَدَّقون؟ إنَّ بكل تسبيحةٍ صدقة. وكل تكبيرةٍ صدقة، وكل تحميدةٍ صدقة، وكل تهليلةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروفِ صدقة، ونهيٌ عن منكرٍ صدقة. وفي بُضْعِ أحدكم صدقةٌ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، أيأتي أحدنا شهوتَه، ويكون لهُ فيها أجرٌ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان لهُ أجرًان". "بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه العطشُ، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلبٌ يلهثُ يأكلُ الثَّرى من العطشِ، فقال الرجلُ: لقد بلغ هذا الكلبُ من العطشِ مثلَ الذي كان بلغ مني. فنزل البئرَ فملأ خُفَّه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقِيَ، فسقى الكلبَ، فشكر اللهُ له فغَفر له. قالوا يا رسولَ اللهِ، وإنَّ لنا في هذه البهائمِ لأجرًا؟ فقال: في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ". "غُفِر لأمرأة مومسة مرت بكلب على رأس رَكِيٍّ يلهث (قال: كاد يقتله العطش)، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغُفِر لها بذلك".

ثم هناك هذا الحديث، وهو من رواية أبى هريرة، الذى أحبه حبا جما، وكتبت مقالا طويلا دفعت به سفاهة المتسافهين عليه من بعض أبناء عصرنا المتجاوزين لحدودهم والعادين قدرهم: "كنَّا قُعودًا حولَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ معنا أبو بكرٍ وعمرُ في نفرٍ، فقامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من بينِ أظهُرِنا فأبطأَ علينا، وخَشِينا أن يُقْتَطَعَ دونَنا وفزِعنا فقمنا، فكنتُ أوَّلَ من فزعَ، فخرجتُ أبتغي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى أتيتُ حائطًا للأنصارِ لبني النَّجَّارِ فدُرتُ بهِ أجدُ لهُ بابًا فلم أجد، فإذا ربيعٌ يدخلُ في جوفِ حائطٍ من بئرٍ خارجةٍ (و"الرَّبيعُ": الجدوَلُ)، فاحتفزتُ كما يحتفِزُ الثَّعلبُ فدخلتُ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال:َ أبو هريرة؟َ فقلتُ: نعم يا رسولَ اللَّهِ. قالَ: ما شأنُكَ؟ قلتُ: كنتَ بينَ أظهرِنا فقمتَ فأبطأتَ علينا، فخشينا أن تُقطعَ دونَنا ففزِعنا، فكنتُ أوَّلَ من فزعَ، فأتيتُ هذا الحائطَ فاحتفزتُ كما يحتفِزُ الثَّعلبُ، وهؤلاءِ النَّاسُ ورائي. فقالَ: يا أبا هريرةَ، وأعطاني نعليهِ، قالَ: اذهب بنَعْلَيَّ هاتينِ. فمن لَقِيتَ من وراءِ هذا الحائطِ يشهدُ ألا إلهَ إلاَّ اللَّهُ مستيقِنًا بها قلبُهُ فبشِّرْهُ بالجنَّة. فكانَ أوَّلَ من لقيتُ عمرُ، فقالَ: ما هاتانِ النَّعلانِ يا أبا هريرة؟َ فقلتُ: هاتانِ نعلا رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بعثني بهما: من لقيتُ يشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ مستيقِنًا بها قلبهُ بشَّرتُهُ بالجنَّةِ. فضربَ عمرُ بيدِهِ بينَ ثدييَّ، فخررتُ لاسْتي، فقالَ: ارجِع يا أبا هريرة. فرجعتُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأجهشتُ بكاءً، وركِبني عمرُ، فإذا هوَ على أَثري، فقالَ لي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: ما لكَ يا أبا هريرةَ؟ قلتُ: لقيتُ عمرَ فأخبرتُهُ بالَّذي بعثتني بهِ، فضربَ بين ثدييَّ ضربةً خررتُ لاستي، قالَ: ارجع. فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: يا عمرُ، ما حملكَ على ما فعلتَ؟ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، بأبي أنتَ وأمِّي، أبعثتَ أبا هريرةَ بنعليكَ من لَقِيَ يشهدُ ألا إلهَ إلاَّ اللَّهُ مستيقنًا بها قلبُهُ بشَّرهُ بالجنَّةِ؟ قالَ: نعم. قالَ: فلا تفعل، فإنِّي أخشى أن يتَّكِلَ النَّاسُ عليها. فخلِّهم يعملونَ. قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: فخَلِّهم".

وأخيرا وآخرا هأنذا أمضى فى السنة السادسة والستين من عمرى، الذى لا أدرى متى سينتهى وأفرغ أنا أيضا من أمور الحياة الدنيا وأنتقل إلى العالم الآخر، الذى أرجو من الله ألا يكون مصيرى فيه سيئا، وإلا كانت كارثة. نعم كارثة إذا ألقيت فى النار، التى لا شك أننى سأكون عندئذ مستحقا لها لأن الله لا يظلم أحدا من عباده. إلا أن الله قد يرى فىَّ غير ذلك بغض النظر عن استحقاقى لذلك أو لا. وفى كل الأحوال فإنى أضع عشمى فى رب كريم عفو غفور ودود حليم عطوف كتب على نفسه الرحمة ووعد بالتغاضى عن الذنوب جميعا، وهو أهل لذلك، إذ لا معقب لحكمه. وأرجو ألا يخيب عشمى فى الله، وبمشيئته تعالى لن يخيب. والحق أننى أتصور نفسى مرميا فى جهنم تحاصرنى النار من كل جانب وتحرقنى وتشوينى ويُبَدَّل جلدى مرة بعد مرة إلى ما لا نهاية لأذوق العذاب من جديد، وأصرخ وأستغيث فلا مغيث. هل يمكن أن يتخلى الله عن عبد من عباده كان يحبه ويحب رسوله وحاول على قدر وسعه واستطاعته أن يكون مسلما طيبا، ففشل أحيانا، ونجح فى بعض الأحيان، فلا يمد يده الكريمة المباركة ليمنعه من هذا المصير التعيس؟ هذا ما لا أرجوه، وإن رجائى لفى ضمانة كريمة!

المهم: هأنذا قد تجاوزت الخامسة والستين بعد أن كنت ولدا صغيرا فى الكتاب لا أعرف الألف من كوز الذرة، وإن كنت أعرف كيف آكل كوز الذرة: المشوى طبعا! يا له من زمن! إننا نحن البشر أبناء الزمن وسجناؤه لا نستطيع له عصيانًا ولا عنه حِوَلاً. وإنى لأذكر أننى، حين كنت تلميذا صغيرا بالقرية، كنت أتمنى أن أكون مثل واحد من أقربائنا من بعيد كان يسكن طنطا ويأتينا بين الحين والحين راكبا مثل والدى عجلته البخارية ولابسا بنطلونا وقميصا، فكان هو المثال الأعلى الذى كنت أتمنى أن أكونه بحذافيره: حريةً وملابسَ إفرنجيةً ودراجةً بخاريةً وانعتاقا من الكتاب واللوح والحصة والخيزرانة والقيام كرها من النوم اللذيذ للذهاب إلى الفقيه وعصاه والتمتع بالطعام الخصوصى الذى كان يأكله عندنا. ومع هذا كان هناك أمر يحيرنى كثيرا وينغص علىّ تلك الأمنية، وهو أننى كنت أتساءل دائما: إذا ما صرت أنا فلانا الفلانى فمعنى ذلك أننى لم أعد إبراهيم. إذن فكيف سأستمتع بصيرورتى الجديدة؟ ذلك أنه لن يكون هناك فى الحالين سوى قريبنا الطنطاوى ذاك، فهو الذى سيستمتع لا أنا! أما كيف خطر لى ذلك الخاطر الفلسفى فى تلك السن المبكرة فهذا ما يحيرنى أيضا فوق حيرتى الفلسفية السابقة.

كذلك كنت فى طفولتى وصباى الأول واعيا بالزمن جدا أيام الأخمسة والجُمَع. ذلك أننى، على قدر ما كنت أشعر بالسعادة الخانقة أصيل الخميس حين أنصرف من الكتاب عارفا أن أمامى بقية اليوم والليلة واليوم التالى أيضا، وعلى قدر ما أقضى فعلا ليلة الخميس فى بهجة وسرور غير مُعَنٍّ نفسى فى التفكير بأى شىء يتعلق بالكتاب، وكذلك صبيحة الجمعة عندما أستيقظ مبكرا على غير العادة وأنطلق إلى مصطبة الحاج إسماعيل أبو صيرة التى تشرق عليها شمس الصباح طلبا للدفء فى صباح الشتاء البارد وانتظارا لمن ينفخ ربنا فى صورته من أطفال الشارع فيستيقظ مبكرا مثلى كى نتحدث ونلعب معا فى ذلك الصباح الخالى من الهموم، ويمكنك أن تلحق به الضحى أيضا والظهر وما بعد الظهر بقليل، وهو الوقت الذى أذهب فيه عادة مع والدى إلى عزبة عاشور حيث يخطب الجمعة ويصليها بنا فى جامعها الجديد الأنيق الذى لم يكن له مثيل فى الجدة والأناقة فى بلدنا، والفضل فى ذلك للحاج عبد المحسن الشرشابى، الذى أنشأه وأنفق عليه فيما أذكر الآن، على قدر هذا وذاك وذلك يكون همى وغمى مع اقتراب المغرب يوم الجمعة، إذ تشرع نفسى تسودَّ مع اسوداد الآفاق، وأتمثل الكتاب وأتذكر ما ينبغى حفظه وتسميعه على الفقيه والحبسة هناك طول اليوم دون لعب أو دلال ودون أن يكون لك حرية فى عمل أى شىء وحيث لا تعامل مع التلاميذ إلا من خلال الخيزرانة والفلقة. نعم كنت مستقيما متفوقا بالمعنى الذى يصدق على نشاط التلاميذ الكتاتيبيين آنذاك، ولكن هناك الخيزرانة والفلقة مثلما أن هناك تلك الأخطاء التى قد نرتكبها فى البيت ونُشْكَى مِنْ جرائها إلى سيدنا الشيخ مرسى رضوان، رضى الله عنه وأسكنه الفردوس الأعلى، فيرى فى تجلية من تجلياته أن يمدنا فى الفلقة ويهرئ أخامص أقدامنا بالعصا اللدنة الرفيعة كأنها النار الموقدة. واسألنى أنا، فقد اصطليت حَرّ نارها مرة، ظلما والله العظيم كما شرحت فى موضع آخر من تلك المذكرات. وعلى هذا فقد كان هناك دائما احتمال قائم أن أُمَدّ فى الفلقة أو تنهال علىَّ عصا سيدنا الشيخ مرسى، تلك العصا التى يقولون إنها من الجنة مع أنها هى النار بعينها. مفارقة مضحكة! أليس كذلك؟ وقد صار خوفى ورعبى من يوم السبت أفظع وأشنع بعد موت والدى وتناقص اهتمامى بالتعليم، وبخاصة أنه لم يعد هناك جديد يقدمه لى الكتاب بعدما انتهيت مبكرا من حفظ القرآن وتعلم الكتابة والقراءة والقواعد الأربع فى الحساب، وهو كل ما يقدر الكتاب على تقديمه لنا.

ونفس الشىء ينطبق على أيام الإجازات الأخرى فى مولد النبى والعيدين، وكذلك على الإجازة الصيفية التى تطول ثلاثة أشهر حين صرت طالبا فى معهد طنطا الدينى. ففى إجازة العيد مثلا كان يوم الوقفة، أى اليوم السابق على العيد مباشرة: سواء فى ذلك العيد الصغير أو العيد الكبير، هو يوم بدء الفرحة الكبرى حيث نقضى اليوم فى التغنى بـ"بكره العيد ونعيِّدْ. وندبحوك يا شيخ سيِّدْ. ونعلقوك فى الترسينة. ونقولوا: اللحمة السمينة. وكنت أتصور أن المقصود بذلك هو الشيخ سيد الحانوتى، وكان سمينا، رغم أنه كان رجلا طيبا. والدليل على ذلك أنه لم يقترب منى مثلا فيدفننى فى القبر، وإلا ما كنت الآن أكتب ما أسطره هنا من سخافات لا تنتهى. أليس كذلك؟ وقبل ذلك بيوم كنا نحاول استباق الفرح فنغنى: "يا برتقان احمرْ وجديد. بكره الوقفة، وبعده العيد. يا برتقان احمرْ وصغيَّرْ. بكره الوقفة، وبعده نغيَّر"، أى نغير ملابسنا القديمة ونرتدى بدلا منها ملابس العيد الجديدة الزاهية ذات الألوان الفاقعة عادة. وكانت تلك الفرحة تصل ذروتها عند الإخلاد إلى الفراش وفى أحضاننا أو قريبا منا الجلباب والحذاء (أو الصندل) الجديدان، وتمتد تلك الذروة إلى صباح العيد حين نرتديهما ونسير فى الشوارع نضرب الأرض بأحذيتنا مباهين الأطفال الآخرين، وفى جيوبنا القروش القلائل التى أعطيت لنا مصروفا للعيد فنأكل بها البالوظة من قطب الحبشى، الذى يغرف لنا طبقا من صينيته المفتقرة إلى أدنى متطلبات النظافة، ولكن لا خوف علينا ولا على بطوننا، فهى قادرة على سحق الزلط نفسه، فما بالك ببالوظة الحبشى حتى لو كانت الصينية مجنزرة وفيها كل سموم الأرض؟ ثم ينقلب كل ذلك حزنا وكربا مع انقضاء ظهر يوم العيد وخلو الزراعية عند المقابر من الحشد الهائل الذى يشبه حشد يوم الحشر حيث كان سامر العيد منصوبا على سِنْجة عشره، والدنيا كلها هيصة وزمبليطة، وجميع أطفال القرية قبل قليل هناك بملابسهم الجديدة وزماميرهم وبمبهم وصواريخهم والأراجيح والصناديق صاعدة هابطة بمن عليها من الركاب، فلم يبق أحد من ذلك الحشد، اللهم إلا من لا يزال فى جيبه قرش أو قرشان منا ويريد ركوب الدراجة بهما من عمى أحمد الشيخ العجلاتى الواقف هناك بدراجاته المتهالكة الخردة. وينزل ستار الفرحة عند المغرب. وفى اليوم التالى يثقل قلبى هم طويل عريض. لقد انقضى كل شىء، وكلها يوم واحد ونعود لموال الكتاب. يا للخيبة! أهذه هى الحياة؟

وأذكر وقفة لى بباب جامع سيدى شهوان القائم فى حارة موازية للشارع الذى فيه بيتنا وبيت خالى حيث كنت واقفا ضحى ذات يوم صيفى، وفى يدى كرة من الإسفنج صنعتها لتوى، إذ كنت بارعا فى صنعها وفى صنع ألوان أخرى من الكُرَى، وفجأة بزغ فى قلبى من حيث لا أدرى خوف من انصرام عهد الطفولة وما كنت أستمتع به فيه من لعب الكرة وتطيير الطيارات والنموس الورقية عصرا على الطريق الزراعى والجرى مع سائر مشجعى القرية وراء الفريق الكبير لكرة القدم بالقرية هنا وهناك والتهنؤ بانتصاراته المدوية على كل الفرق الأخرى تقريبا. لقد غزا قلبى وأنا واقف بباب الجامع وحدى، وليس هناك أحد فى حارة العطفى التى يقع فيها المسجد، حزن قاهر، فتمنيت أنْ لو بقيت طفلا ألعب على راحتى دون أن أحمل هما. ترى هل كنت آنذاك فى المرحلة الإعدادية بالأزهر؟ أم هل كنت لا أزال تلميذا بالكتاب أو جمعية المحافظة على القرآن الكريم؟ لا أستطيع أن أتذكر الآن على وجه اليقين، وإن كان يغلب على ظنى أننى كنت قد ذهبت إلى الأزهر. مرة أخرى كيف ثار مثل هذا الإحساس بالزمن ومغزاه فى قلب طفل صغير فى ذلك العمر المبكر، وبهذه الحدة وهذا الخوف من انقضاء المسرات والأفراح سريعا؟ ألا إنه لأمر غريب! وكلما تذكرت تلك الواقعة هاج حزن بنفسى على الأيام وطبيعة الزمن وسرعة انقضاء الحياة وانصرام كل شىء وتحوله إلى ماض وذكريات, ترى أين يذهب كل ذلك؟ أُعْطِى عمرى لمن يعرف ويأتينى بالخبر اليقين. أحيانا ما أدعو الله لبعض من يعزُّون علىَّ معزّة خاصة، ويلتهب الدعاء فألتمس من مولاى أن يبلّغ أدعيتى لهؤلاء الأعزاء حيث هم حتى يفرحوا ويشعروا أننى متذكر لجميلهم وما صنعوه معى من مواقف كريمة وأغدقوه علىَّ من حنان فياض وعطف نبيل، وهنا أتوقف وأحاول أن أخترق الستار المستحيل الذى يفصل بينى وبين من مَضَوْا، فلا يمكننى أن أرى فى ذلك الستار ولو ثَقْب إبرة أستطيع أن أنظر من خلاله، فحينئذ أكتفى بأن أَكِل الأمر إلى سيدى يصنع فيه ما يشاء دون أن أتعب عقلى فى التخيلات التى لا يمكن أن تصل مما أريد إلى شىء.

وهنا أحب أن أضيف أن الماضى والحاضر والمستقبل إنما هى مفاهيم بشرية لا تنطبق على الله سبحانه، وفى اعتقادى أن كل شىء فى أى زمان أو فى أى مكان حاضر حضورا أبديا فى علم الله دون أن يكون هناك قبلٌ أو بعدٌ أو قدامٌ أو وراءٌ أو أعلى أو أسفل بحيث لا يصح أن نقول إن الله يعلم كذا قبل وقوعه، اللهم إلا إذا كان المقصود: قبل وقوعه بالنسبة لنا. أما بالنسبة له عز شأنه فكل شىء حاضر حضورا أبديا بكل هيئاته وأوضاعه وتطوراته دفعة واحدة. أما كيف ذلك فهو أمر من أمور الغيب لا يمكننا إدراكه لأننا محصورون فى سجن القدرات والمفاهيم البشرية. ولقد كنت فى شبابى أقول فى نفسى: سوف أطلب من الله سبحانه، إذا كتب لى أن أدخل الجنة، أن يطلعنى على الإيراهيمين الصغار الكثيرين الذين كنتهم فى الدنيا حتى أرى نفسى وأنا رضيع، وكذلك وأنا صبى فى الكتاب، وتلميذ فى الأزهر، وطالب فى الأحمدية الثانوية، وباحث بالجامعة، ومعيد وعروس ودكتور... وبالذات وأنا فى فترة الصبا والشباب، وكيف كنت أبدو وأتصرف وألبس وألعب الكرة وأقرأ وأكتب وأحب وأتألم فى سبيل ذلك الحب. وكنت أتخيل أنْ سوف يكون تحقيق هذا الطلب شيئا ممتعا. ألست أستعيد الزمن الذى انصرم ومضى واختفى عن عيوننا وجميع حواسنا، وليس إلى مرجعه هنا فى الدنيا من سبيل؟

وبالمثل تنبهت مبكرا، حين نكون بصدد انتظار مباراة هامة بين الفريق الذى نشجعه وفريق منافس له، إلى المفارقة المتمثلة فى رغبتنا فى حلول المباراة وبدء اللعب غير متنبهين إلى أن هذا البدء هو فى ذات الوقت بداية العد التنازلى لانتهاء المبارة وانصرام اللذة التى نستشعرها أثناء مشاهدة اللعب بحيث لا تكون هناك لذة بعد انقضائه. وهو ما قاله لى فى شبابى صديق متزوج، إذ كان يستعجب من رغبة الرجل عند الجماع فى الوصول إلى لحظة الذروة حتى يستمتع باللذة العظمى. وهى ذاتها، كما كان يقول لى فى حسرة، لحظة الانطفاء فى نفس الوقت. فماذا نفعل فى حياة قائمة فى كل أمورها على مثل تلك المفارقة المزعجة؟ هكذا كان يقول لى، أما أنا فكنت أسكت، إذ لم أكن قد دخلت دنيا بعد، فلم أكن أفهم مرامى كلامه. لكن كان معنا زميل آخر ابن حِنْت ومقطّع السمكة وذيلها، فكان يتهكم به قائلا: وهل حُبِكَتْ يا رجل حتى تتفلسف وأنت فى هذا الموقف؟ خَلِّكَ فيما أنت فيه، ودعك من الفلسفة الآن، فليس هذا وقتها ولا موضعها. ثم يضحك، فنضحك معه. وهذا ينطبق أيضا على رواية ممتعة نقرؤها، أو سهرة جذابة نسهرها، أو محاضرة شائقة نستمع إليها، أو حفل غنائى نحضره، أو رحلة فاتنة نشترك فيها. كما ينطبق على تحضير الدكتوراه وأشباهها، إذ الباحث صاحب الرسالة يريد أن يمر الوقت بسرعة حتى يكون دكتورا، فى حين أنه لكى يتم ذلك لا بد له أن يكبر فى السن ويقترب من ثم من نهاية عمره. كذلك كنت، فى صغرى، أتصور أننى، عندما أكبر وأنتهى من التعليم وأتخرج من الجامعة وأحصل على وظيفة، سوف أكون سعيدا سعادة خالصة، فلا كُتَّاب ولا تسميع ولا ضرب ولا خبط ولا أحد يأمرك أو ينهاك على غير ما تهوى، فتعمل أو تكسل، وتخرج أو تدخل، وتنام أو تستيقظ، وتمد رجلك أو تثنيها دون أن يكون هناك من يؤاخذك على شىء مما تأتى أو تدع. ثم تخرجت من الجامعة، بل صرت أشتغل فى الجامعة، فإذا الذى كنت أتوقعه من السعادة الخالصة وهم سخيف لا وجود له إلا فى ذهن ولد صغير ساذج مثل العُبَيْد لله، فالحياة تشتمل فى جانب منها على مقدار كبير من المشقات وألوان الكَمَد والكَبَد، لا مفر من ذلك لأى إنسان حتى لو كان نبيا رسولا.

نعم أنا الآن أستاذ، بل أستاذ كبير فى الجامعة (إِحِمْ! إِحِمْ!)، والطلاب ينظرون إلىَّ أنا وزملائى على أننا خالو البال من أية منغصات، غير دارين أن هناك فرّاشا يراقب حضورنا وغيابنا ويبلغه للسلطات فتسألنا السلطات: أين كنا فى اليوم الفلانى فلم نحضر المحاضرة العلانية؟ وهناك الطلاب الذين لا يتعاونون مع الأستاذ فلا يقرأون شيئا ولا يفهمون مما تقول شيئا، وإذا سألتهم لا يجيبون بشىء لأن أمخاخهم أنظف من الصينى بعد غسله وشطفه أيضا، ومن ثم يشعر الأستاذ بالملل وثقل الوقت الباهظ وكأنه يدفع جبلا بيديه وحده دون نظرة شفقة، مجرد نظرة، من أحد. وهناك على الجانب الآخر الطلاب الأذكياء المتفوقون على قلتهم ونسبية ذكائهم وتفوقهم، وهؤلاء يمكن أن يشكلوا عبئا عليك إذا تهاونت فى إعداد المحاضرة. ثم هناك رئيس القسم، الذى قد يكون أحد طلبتك القدامى، ولا بد لانتظام العمل من أن ينسى هذه التلمذة السابقة أحيانا مهما حاول أن يكون مجاملا حافظا للود، وهو ما يضعك فى حرج أو ترقب حرج إن خرجت عن الأصول، ولا بد من الخروج عنها بين الحين والحين بوصفك بشرا من ناحية، وتعيش فى مجتمع متخلف يجبرك على مخالفة الأصول طوال الوقت من ناحية أخرى. ثم هناك نظام الجودة، الذى يكفى ما يتطلبه من ملء خانات لا تنتهى فى أوراق لا تنتهى هى أيضا، وكله بكش فى بكش وتسديد خانات فى أوراق والسلام، إلا أن المصيبة العظمى هى أن هذا النظام يستلزم فى جانب منه أن يقول الطلبة رأيهم فى الأستاذ، وأن يدخل الأستاذ محاضرة زميله ليسجل رأيه فيه. آخ!

ستقول: وما الذى يزعجك فى هذين الأمرين؟ فأما الأمر الأول فأنت ربما لا تعلم حال الطلاب الآن وأنهم لا يقرأون ولا يَرَوْن للعلم ولا للتعليم أى معنى، ولا يتفاعلون مع أساتذتهم. والغالبية منهم لا تحضر المحاضرات لدرجة أن نسبة الحاضرين لا تتعدى أحيانا العشرة فى المائة، وأحيانا تنزل إلى أقل من ذلك. وكل همهم هو حذف أكبر قدر من المقرر، أو الحصول على مذكرة تلخص ما قاله الأستاذ فى محاضراته يمكنهم قراءتها وحفظها دون فهم خلال اليومين الفاضيين السابقين على امتحان المادة. وهناك تعبير شائع بين الطلبة منذ فترة هو: "أريد أن أَلُمّ المادة"، أى أريد ملخصا لها لا يزيد عن صفحات قليلة أحفظه فى يومين قبيل الامتحان وأتقايؤه كما هو فى ورقة الإجابة دون تفكير ودون زيادة أو نقصان بحيث أرص كل ما هو مكتوب فى موضوع من الموضوعات أيا كان المطلوب من هذا الموضوع، وعلى الأستاذ أن يختار الجزء المطلوب مما كتبت، فقد سقت له الموضوع كله، ومهمته هى استخراج ما يريده من جواب من هذا الذى رصصته له، ثم أنتهى من الأمر سريعا كما بدأته سريعا لأننى غير فاضٍ.

وعلى هذا فإنهم، عند تقويمهم لأساتذتهم، وهذا إذا اعترفوا أنهم أساتذة أصلا، فضلا عن أن يقروا بأنهم أساتذتهم، سوف يعطون الأستاذ الذى يتملق رغباتهم، بحذف أكبر قدر من المقرر وتسهيل الامتحان بحيث لا يحتاج إلى تفكير أو وجع دماغ، أحسن التقديرات ويصفونه بأنه أستاذ عبقرى، ويخسفون الأرض بمن يشتد فى تعلميهم ومحاسبتهم. وقد خبرتُ ذلك فى قطر وفى مصر، فلا تحاولوا أن تقنعونى بخطإ موقفى. أما تقويم الأساتيذ بعضهم بعضا فلن أذكر هنا سوى أن بعض زملائى الذين كانوا معى فى الدوحة وبَقُوا بعد انتهاء مدة بعثتى وحضروا تطبيق نظام الجودة هناك قد أنبأونى بأن الأساتذة كانوا يتخاصمون تخاصما شديدا حول عدد النقط التى ينبغى كتابتها بعد كلمة "إلخ" مثلا، وهل هى ثلاث حتما أو من الجائز أن تكون أربعا، ثم يشتبكون ويكبتون تقارير فى بعضهم البعض على هذا الأساس. ولا تنس أيضا أن تسلم لى على الجودة، التى لا تقترب من الطالب أبدا، وتوجب على الدكتور، إذا ذهب إلى المحاضرة فلم يجد أحدا من الطلبة ينتظره أن يبقى بالغرفة إلى أن أن يشرفوه هو والقاعة بالحضور، وإن ضاق صدره بالانتظار فليكلم نفسه لمدة ربع ساعة كالمجانين إلى أن يتكرم بعض الطلاب بالظهور، وإلا عاد من حيث أتى دون أن يكون هناك أى لوم أو تثريب على الطلاب الذين لم يحضروا. ثم لا تنس أن هناك، إلى جانب الفراش والطلاب ورئيس القسم، سيادة العميد ورئيس الجامعة ووزير التعليم العالى ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية وأمين عام الجامعة العربية وسكرتير عام الأمم المتحدة، ولا تنس أيضا الملاك الموكل بكتابة أعمالك وإحصاء أنفساك طول الوقت، وفوق كل هؤلاء ربك، الذى خلقك وسواك وسيحاسبك على كل نأمة أو خلجة، مما لا داعى للكلام فيه. وهكذا يرى القارئ أن السعادة الصافية المطلقة وهم كبير لا معنى له.

ومن الطرائف التى مرت علىَّ وأنا أستاذ بالجامعة أننى فوجئت فى أواخر ثمانينات القرن الماضى فى روقة الإجابة بمن يهاجمنى هجوما شديدا ويتهمنى فى رأيى وذوقى، وإن كان بطريقة غير مباشرة. لقد بدأت الإجابةُ على السؤال بأن صاحبها يعرف عنى سعة صدرى وديمقراطيتى، التى علمتهم إياها أثناء المحاضرات، ومن ثم سيأخذ راحته ويمدد رجليه كما يحب (لم يقل هذا، لكنه مضمون ما قال). ثم دخل فى الموضوع عارضا رأيى بسرعة ثم كارًّا عليه بالتسفيه والتوضيع. والحق لقد أُخِذْتُ أول الأمر، ثم عرفت مَنْ صاحبُ ورقة الإجابة. إنه بدر، وله ظروفه الخاصة، ويعتقد فى نفسه أنه عبقرى العباقرة، وأن أحدا لا يمكنه أن يفهم فهمه ولا أن يجاريه فى شىء مما حباه الله من عقل ومعرفة وعبقرية بما فيهم ابن جنى وابن عفريت نفسه. ولا أدرى هل كان بدر يؤمن بالله أو لا. وأيا ما يكن الحال فماذا يفعل العبد الغلبان مع بدر وما كتب؟ وازداد الأمر تعقيدا حين تنبهت إلى أن بدرا لم يجب إلا على ثلث السؤال المطلوب تقريبا. إلا أن أسلوبه كان سليما مستقيما، وهو ما نفتقده لدى الطلاب بوجه عام، كما أنه كان مستقل الرأى. صحيح أن كلا من البشر، بما فيهم أنا، يتصورون أن رأيهم هو المصيب، وإلا فلم شمرت عن ساعد التأليف وخبطت كتابا قرأه الطلاب، ومنهم بدر؟ هل خبطته ليأتينى عبقرى كبدر فيقول لى إن ما كتبته فيه هو السخافة بعينها؟ نعم هو لم يقل هذا بحرفه، لكنه مضمون كلامه. ثم ما العمل، والطالب لم يجب إلا على ثلث السؤال؟ والله لو اتبعنا اللوائح والقوانين فيرسب بدر والذين خلفوا بدرا. أما إذا وضعنا فى عقولنا راسنا، وعرفنا خلاصنا، وفهمنا أن المقصود هو تخريج طالب من هذه النوعية ناقصًا طول اللسان والمغالاة فى الاعتداد بالنفس، فينجح بدر نجاحا عظيما. وهذا الحل الأخير هو ما أخذت به، فأعطيته تسعا وأربعين من خمسين. ولما رأيته فى الإجازة، وكانت النتيجة قد ظهرت، قلت له: أرجوك ألا تصنع مع أحد غيرى ما صنعته معى، فليس كل الناس مخبوطين فى أدمغتهم مثلى. أقصد أننى قد سامحته نزولا على ما أتمتع به من نظرة فنية تحب الأشياء المدهشة. لم أقل له هذا الكلام بالضبط، لكنه مضمون ما قلته له. ثم سافرت إلى السعودية لأعود فى أول إجازة فأجد أن بدرا قد اشتبك مع أستاذ أكبر منى كثيرا فى السن، وأن الأمور وصلت بينهما إلى المحاكم. ومنذ أيام جاءت سيرة بدر، فعلمت أنه قد مات منذ فترة طويلة رحمه الله وعوضه عما عاناه فى الدنيا، فقد كان معوقا تعويقات متعددة حتى لقد كان، إذا أراد أن يسطر شيئا على الورق، كان يضع القلم فى فمه ويكتب.

ومنذ عدة سنوات كنت أحاضر طلاب الفرقة الأولى بقسم اللغة الإنجليزية عن د. مندور والقضايا الثلاث التى أثرتها فى كتابى: "د. محمد مندور بين أوهام الادعاء العريضة وحقائق الواقع الصلبة"، لأفاجأ فى ورقة من أوراق الإجابة فى الامتحان بقول الطالب إنه لم يكن يعرف شيئا عن د. مندور قبل أن يقرأ كتابى المذكور، فعَنَّ له أن يبحث على الإنترنت (أو "المشباك" كما أطلق أنا عليه)، ففوجئ بأن الناس جميعا يصفونه بالعبقرية (هذا نص كلامه تقريبا) إلا إياى، وهو ما ينصحنى معه أن أذهب فأقرأ أكثر عن الرجل حتى أغير حكمى عليه. وكانت هذه هى ورقة الإجابة الوحيدة التى شذت عن الموقف العام للطلاب، الذين أجمعوا على ترديد رأيى مع شىء غير قليل من المبالغة فى اتهام الرجل بشأن أخذه كثيرا من فصول كتابه: "نماذج بشرية" من أحد الكتاب الفرنسيين، وأن ترجمته لرواية "مدام بوفارى" ركيكة ومفعمة بالأخطاء... إلخ. ووقفت حائرا بعض الوقت لا أدرى ماذا أفعل مع تجاوز الطالب (أو الطالبة) لحدوده مع أستاذه. لكنى فى ذات الوقت لم أستطع أن أخفى إعجابى بجرأته رغم ما فيها من تطاول، ورغم ما فى الإجابة من قصور يستحق معها أن يحصل على ست من عشر. إلا أننى، نظرت للأمر من زاوية أخرى، وهى أن الطالب قد كتب ما كتب ثم ذهب إلى بيته غير متصور أن ينتقم منه الأستاذ، علاوة على ما شعرت به وكأن الله سبحانه وتعالى واقف خلف ظهرى ينظر من فوق كتفى ماذا سأعطى الطالب. ثم خبطته ثمانى من عشر، وانتقلت إلى تصحيح الورقة التالية.

طالب آخر عرفته منذ سنوات قليلة حين دخل القسم عندنا، واقترب منى وأفهمنى أنه يحفظ الشعر الجاهلى كله، فلم آخذ كلامه مأخذ الحرف، فضلا عن أننى لم ألحظ فيما يحدثنى به أو يكتبه لى ما يساعد على تصديق هذا الكلام، ورغم ذلك أخذت أشجعه بالكتب وبغير الكتب كما أصنع مع أى طالب أرى لديه رغبة فى التعلم وحبا للقراءة. وكان يكتب لى بين الحين والحين فلا ألحظ تألقا بل مجرد رغبة فى أن يكتب. ومن بين ما كتبه لى رسالة أشار فيها إلى تناقض لاحظه بين ما قلته فى أحد كتبى وما ذكرته فى بعض محاضراتى، فلم أتذكر التناقض الذى يشير إليه، وبخاصة أن ذلك التناقض لا يتمشى مع عقليتى، وبالذات فى الموضوع المذكور، وإن كان من غير المستبعد أن يقع مثلى فى بعض التناقضات من حين إلى حين، فليس على رأسى ريشة تعصمنى من التناقض.

وعلى أية حال لم يكن هذا هو بيت القصيد، بل بيت القصيد هو أن الطالب، اندفاعا منه فى استغلال ديمقراطيتى (الله يخرب بيت الديمقراطيات التى فى الدنيا كلها بما فيها الديمقراطية البريطانية أقدم الديمقراطيات الموجودة الآن، لا ديمقراطيتى وحدها!) قال فى رسالته المذكورة فى تهور غير مبرر: "إن كنت كذوبا فكن ذكورا". وضحكت وسخطت فى ذات الوقت. إذ لا موضوع للكلام هنا عن الكذب، بل عن السهو، وهذا لو كنتُ حقا وقعتُ فى التناقض، ولم يكن الأمر خطأ من الطالب فى الفهم أو السمع، وبخاصة أننى سألت الطلاب ودققت فى السؤال عما إذا كنت قلت ما نسب إلىَّ فى محاضراتى قوله، فأجمعوا على أننى لم أقل ذلك. وعبثا حاولت أن أُفْهِم الطالب أن العبارة المذكورة لا يليق أن يوجهها طالب إلى أستاذه، فرد ردا أغرب وأضل سبيلا، إذ قال إن إبراهيم المازنى قد قالها لطه حسين. فقلت له: لنفترض أننى أنا طه حسين، فهل أنت المازنى؟ وهل علاقتنا هى علاقة كل من هذين الأديبين بصاحبه؟ لكنه لم يقتنع، وهو ما أضاق صدرى، ودفعنى إلى استعمال شىء من الشدة مع هذا الأحمق. فانصرف عنى وقد أخذ على خاطره لا لشىء إلا لأنى لم أتركه يتطاول على أستاذه بحجة أنه يقلد المازنى.

ثم مرت الأيام، وإذا به بعد ظهور نتيجة السنة الأولى، وأمام غرفة مكتبى بالقسم، ينهى إلىَّ أنه حصل على اثنتى عشرة درجة فى مادتى، وأنه يشكرنى على ذلك. يريد أن يقول إننى انتقمت منه لعبقريته المازنية. فسكتُّ وأنا مغتاظ، فالمعروف لكل البشر والعجماوات أيضا أن أوراق الإجابة مجهلة، ويستحيل أن يعرف الأستاذ شخصية صاحبها إلا فى حالات شاذة لا تحدث إلا مرة كل عدة سنوات حين يكون الطالب متميزا تماما، ويعرف الأستاذ خطه، وكذلك شخصيته العلمية عن قرب، ويكون قد كتب كلاما فى الورقة متميزا يلفت الانتباه ويثير التفكير كما فى حالة بدر. وقد جَدَدْتُ فى البحث عن ورقة إجابة الطالب المذكور، وكانت تتبع كنترول أحد الزملاء، وأتعبتنى حتى عثرت عليها. وسبب جدى فى البحث عنها أن ضميرى شرع يشوكنى خشية ألا أكون قد قدرت ورقته حق قدرها رغم أننى لا أعرف أنها له، ولا أية ورقة أخرى مَنْ صاحبُها. وسبب التعب أننى ظننت أنها ضمن أوراق الانتظام، إذ لم يخطر لى قط أن الطالب أحد طلاب الانتساب الواقعين من قعر القفة، إلا أن هذا للأسف هو ما كان. ولو كنت أعرف ذلك لما أرهقت نفسى فى تكرير البحث عن ورقته فى أوراق الانتظام مستبعدا تماما ألا يكون منهم.

بل لقد ظننت، قبل أن أطلع على رسائله لى، وهى رسائل عادية كما سبق القول، أنه من أكبر الملتحقين بالقسم درجاتٍ فى الثانوية العامة، تصورا منى أنه فعلا من المتميزين، ولم يخطر على بال أنه من طلاب الانتساب، وهم الطلاب المتدنية درجاتهم. ولما وجدت الورقة فررتها فوجدت أننى أعطيته سبعا من عشر، بينما زميلتى أعطته خمسا فقط. هذه واحدة، والثانية أن الكلام الموجود بالورقة عادى فى كل شىء، ولا يزيد عن تلخيص ما فى الكتاب بأسلوب عادى مع التقصير فى بعض النقاط. ثم زدت فأعطيت الورقة لزميلى المذكور الذى دوخته معى بالملاحقة شهرا قبل أن تتاح له الفرصة ليفتح صوان الكونترول بغية إطلاعى على ورقة الطالب كى يستريح ضميرى، وطلبت منه أن يلقى نظرة على الورقة ويرى أتستحق شيئا أكبر مما أعطيت صاحبها، فأكد لى أنها ورقة عادية جدا لا تميز فيها بأية حال. ومع هذا فإن الطالب المذكور يومئ إلى أننى ظلمته، مع أن المادة مشتركة بينى وبين زميلة لى، فضلا عن أننى قد أعطيته أكثر مما أعطته هى بدرجتين. أما الثالثة، والثالثة ثابتة، فهى أن تقدير الطالب العام كان دائما تقديرا عاديا أو أقل من العادى. ولنفترض أننى فعلا قد ظلمته وانتقمت منه أفلم َيدُرْ فى ذهنه أن يسأل نفسه هذا السؤال: لماذا لم أحصل فى مواد الأساتذة الآخرين طوال السنوات الأربع التى قضيتها فى القسم على تقديرات عالية؟ وهل كان أى واحد منهم ليطوِّل باله معى لو كتبت إليه: "إن كنت كذوبا فكن ذكورا"؟

ثم اختفى الطالب عنى فلم أعد أراه فى أى مكان بالكلية: لا فى المحاضرات ولا فى غير المحاضرات حتى لقد ظننت أنه، لا قدر الله، قد أصابه مكروه أو حول أوراقه إلى كلية أخرى... إلى أن كنت فى محاضرةٍ من محاضرات العالم الماضى للفرقة الرابعة، وألقيت سؤالا على الطلبة أستحثهم فيه على التفكير وتشغيل المخ، وكان سؤالا بسيطا، لكنى كعادتى وعدت من يجيب عليه إجابة صحيحة بمبلغ من المال، وكان المبلغ فى تلك المرة عشرة جنيهات، فرفع طالب يده وأجاب، وبغتة تنبهت إلى أنه الطالب المذكور، فلما سمعت إجابته، وكانت صحيحة، طلبت منه أن يمر بى وهو خارج من القاعة ليأخذ المكافأة. إلا أنه انصرف دون أن يمر بى ودون أن أتنبه فى زحمة الخروج وتجمع بعض الطلبة حولى إلى ذلك. ثم لم أعد أراه منذ ذلك اليوم لأنه تخرج غالبا. ترى هل قسوت عليه، وكان يستحق منى معاملة أخرى؟ لا أظن، فقد شجعته كثيرا وعاملته على أنه متفوق فعلا فترة من الوقت. وفوق هذا فقد ألمح إلى أننى ظلمته مع أنه ليس معروفا عنى أننى أحمل فى قلبى ضغينة على أحد، فضلا عن أن يكون هذا الأحد طالبا من طلابى لايساوينى فى القوة والمقدرة. ثم لو كان متفوقا، فلماذا لم يحصل على أى تقدير مرتفع طوال السنوات الأربع كماتساءلت قبل قليل؟ بل لماذا كان أصلا بين طلاب الانتساب لا طلاب الانتظام؟ ثم مرة أخرى: هل يصح أن يكتب طالب لأستاذه الذى كان يشجعه بكل سبيل رغم أنه لم يبد منه لهذا الأستاذ أى تميز: إذا كنت كذوبا فكن ذكورا؟

وفى أكسفورد مررت بتجربة غريبة خلال قراءاتى الخاصة برسالة الدكتورية، إذ كان علىَّ أن أراجع جميع المجلات المصرية على مدار قرن كامل وأكثر، فكنت أرافق كل كاتب منذ يبزغ نجمه ويعرفه القراء مرورا باتساع شهرته إلى أن يموت ويختفى اسمه. وكان هذا الأمر يتم مع كل كاتب فى غضون أيام معدودة يبزغ فيها نجمه ويشتهر ويثير الزوابع وتقوم بينه وبين نظرائه المعارك النقدية، ثم يختفى من الحياة، لأقلب صفحته وأبدأ ذات الرحلة مع كاتب آخر يلقى ذات المصير، وكل ذلك فى خلال أيام قلائل أيضا... وهلم جرا. وقد تكرر هذا كثيرا: مع رفاعة الطهطاوى وجرجى زيدان وإبراهيم اليازجى والمنفلوطى وعيسى عبيد والرافعى وزكى مبارك وإبراهيم المازنى ومحمد لطفى جمعة وسيد قطب وإبراهيم المصرى ومحمود تيمور وغيرهم حتى سكننى هاجس الموت، وصرت من يومها كلما رأيت طفلا يهمّنى ضحكت قائلا لنفسى أو لزوجتى: كلها كم سنة، ويصبح هذا الطفل أبا ثم جدا، وأكون أنا قد أخذت استمارة ستة، أى انطلقت إلى الأمجاد أو المخازى السماوية حسبما يكون مصيرى طبقا لمشيئة ربى عز وجل. كذلك كثيرا ما أقول لطلابى الذين أشرف عليهم أستحث كل واحد منهم قائلا: أرجو أن تبذل كل جهدك حتى تنتهى من رسالتك قبل أن أموت... وهكذا. ولست أقول هذا عن تشاؤم، بل بوصفه حقيقة من حقائق الحياة. آه منك يا زمن!

كذلك جاء علىَّ وأنا فى بريطانيا وقت شرعت أتصرف فيه على أساس أننى سوف أموت عند بلوغى الستين بحيث تتزامن وفاتى وخروجى على المعاش فأختفى من الكلية ومن الحياة معا. ومن ثم فحين بلغت هناك الثلاثين وضعت فى اعبتارى أننى قد قطعت نصف رحلتى فى الحياة، وأننى وصلت إلى قمة الجبل، وعلىَّ أن أستعد إلى النزول من الناحية المقابلة إلى السفح، ولكنْ مع الأيام زال هذا التصور من تلقاء نفسه كما نبت من تلقاء نفسه. وبالمثل كان ابنى الوحيد يتصور فى صغره أننى سأموت فى التاسعة والثلاثين مثلما مات جده، الذى هو أبى، فى تلك السن على ما سمع منى وأنا أحدث أمه أمامه أحيانا أحاديث الذكريات، اعتقادا منه أن الابن يموت فى نفس السن التى مات فيها أبوه. ولم أكن أعرف بأحزانه الممضة الناشئة من اعتقاده هذا إلا عندما عرفت أنا من بعض لِدَات أبى أنه مات فى نحو الثانية والثلاثين من عمره، فقلت هذا لزوجتى على مسمع من ابنى بالمصادفة، فأعرب فى الحال عن فرحته بمرور ساعة الصفر الخاصة بمَوْتِى بسلام. وعندئذ شرحت له أنه ليس محتوما أن يموت أى منا فى نفس السن التى تمت فيها وفاة أبيه، فازداد قلبه اطمئنانا، والحمد لله. وهأنذا ما زلت على قيد الحياة، فعمر الشَّقِىِّ بَقِىٌّ!

والسؤال الآن بعد كل ذلك هو: هل حصلتُ على ما أريد من الحياة، وبالذات فى مجال العمل والوظيفة؟ الجواب: نعم، ولا. فأما "نعم" فلأنى أصبحت كاتبا وناقدا، وإن لم أصر أديبا، بالمعنى الضيق لكلمة "أديب". ذلك أنى، وإن كتبت بعض القصص القصيرة فى مقتبل حياتى، وكنت أرى أننى يمكن أن أستمر فى كتابة القصص، لم أترك شيئا يستأهل أن يطلق علىَّ بسببه أننى قصاص، كما أننى لم أكتب فى باب الرحلات مثلا سوى كتاب عن رحلتى إلى جامبيا فى شمال غرب أفريقيا صيف عام 1986م، ولا يزال مخطوطا، زيادة على مجموعة من الخطابات التى كنت أبعث بها إلى أصدقائى من أكسفورد أصف فيها بريطانيا وأوضاع الحياة الإنجليزية وأقارن بينها وبين ما فى بلادنا الغالية، وهذه الخطابات ما فتت مخطوطة أيضا. وعلى هذا فحين أقول إننى لم أصر أديبا فقد أصبتُ المحزَّ وطَبَّقْتُ الـمَفْصِل.

ولكن لم لا أقول إننى ما دمتُ قد أضحيتُ كاتبا، والكاتب هو والأديب قريب من قريب، فبمكنتى من ثم القول بأنى حصلت على ما أريد من حياتى ومهنتى؟ ألم أقل، وأنا فى الإعدادية، إننى أريد أن أدخل الكلية التى تخرّج الأدباء؟ إذن فأنا قد أضحيت شيئا قريبا من الأديب، وإن لم يكن هو الأديب ذاته، وشىء خير من لاشىء كما يقال. أليس كذلك؟ ألم تكن زوجتى تعد لى ألوان الشراب والعصير وتحضره لى بمختلف ألوانه؟ فماذا تريدون ل أكثر من ذلك؟ لقد كانت تحلم بالزواج من أديب تصنع له المشروبات وتحملها إليه فى مكتبه. فها هى ذى كانت تصنع ذلك بحذافيره. إذن فأنا أديب، على الأقل: فى نظرها لأن من السهل علىَّ إيهامها بأننى أديب على سن ورمح، وهذا هو ما يهمنى، لأنى من الذين يقولون: من بات مرضيا عنه من زوجته فقد حيزت له الدنيا وما فيها. لكن هل زوجتى ترضى عنى على الدوام؟ ولكن من ذا الذى يحظى برضا زوجته عنه يوما متصلا، فضلا عن "على الدوام" هذه التى لا تؤكِّل عيشا حافيا؟ لا أحد. إذن فأنا محظوظ.

ولكن هل معنى ذلك أننى سعيد فى عملى؟ لا، بل هناك أسباب للتنغيص لا حيلة لى فيها، إذ قد انحدر مستوى التعليم انحدارا بشعا، وصار الطلاب بوجه عام لا يريدون أن يتعلموا. أنا أعرف أن للطالب بعض العذر فى ذلك نظرا للظروف السيئة التى يتعلم فيها، ونظرا إلى يأسه من أن يكون هناك ثمرة لهذا التعليم ينعكس على حياته: وظيفةً يجدها حين يتخرج، ومرتبًا محترمًا يحقق به ما يحتاج إليه، وزواجًا يستمتع فيه برفيقة طيبة تدخل البهجة على حياته وتقضى على ما يعانيه من حرمان، ومسكنًا يصلح للآدميين ويستطيع أن يدفع إيجاره، ونظامًا للتأمين الصحى يكفل له العلاج والدواء بشكل إنسانى متحضر... إلخ. ولا ننس أن كثيرا من المدرسين الآن لا يعلمون التلاميذ ولا الطلاب شيئا فى المدارس مؤثرين أن يدخروا جهودهم للمراكز التعليمية وأمثالها التى تدر على الواحد منهم ألوفا من الجنيهات فى اليوم. وأنا هنا أصف واقع الحال وانعكاسه على نفسيتى، وأترك تدارك الخلل للمسؤولين، مكتفيا بالتشخيص، وهو ليس بالقليل أبدا. وقد جاءتنى اليوم فى المكتب طالبة فى الفرقة الرابعة وطلبت منى أن أكتب لها كلمة تشجيع فى الأوتوجراف قائلة فى تلقائية تامة دون أن يطلب منها أحد ذلك: والله إننى أحب محاضرتك يادكتور رغم أن الطلبة يكرهونك. فلكزتْها زميلتها منبهة إياها أن هذا كلام لا يصح، فقلت لها ضاحكا: دعيها تتكلم، فهى تتحدث بما فى قلبها. أقصد أنها تقول ما تعرفه عن موقف الطلاب من محاضراتى، وإن كنت لا أظن أنهم جميعا يكرهون تلك المحاضرات، بل هى تقصد أن قطاعا كبيرا منهم لا يحبون ما يكلفهم به الأساتذة من قراءة وتعب ووجع دماغ، وبخاصة إذا كان مثلى لا يجاريهم فى تدللهم الماسخ ولا يحذف شيئا من المقرر آخر العام كى يكسب رضاهم، ولا يعطيهم أسئلة لا يخرج الامتحان عنها... إلى آخر ما يريد طلبة هذا الجيل من أساتذتهم أن يفعلوه.

فهذا بطبيعة الحال لا يساعدنى على أن أشعر بالرضا عن وظيفتى رغم أنها أحسن عمل أتصوره لنفسى، وخاصة أننى أُكْبِر دراسة الأدب والنقد والدين إكبارا عظيما. ومع هذا فالطلاب الكسالى لا يهمهم شىء مما أقوم به من أجل إنعاشهم وما أنبههم إليه من أن اهتمام أى منهم بالعلم هو جهاد فى سبيل الله، ولا يبالون بما أعلنه أمامهم دائما من أن الأستاذ يستفيد من طلابه وما يقولونه فى المحاضرة مثلما يستفيدون هم منه، وأن ما يقولونه أثناءها يحرك أذهان أساتذتهم ويساعدهم على رؤية ما يتناولونه من الموضوعات رؤيةً أفضلَ ويلهمهم أفكارا جديدة، وأن الأستاذ ما هو إلا مشروع ثقافى لا يكتمل أبدا حتى لو امتد عمره منذ بداية الخلق إلى يوم الحشر، وأنه فى واقع الأمر جاهل كبير رغم آلاف الكتب التى قرأها وجعلها موضوعا لتفكيره لأن علمه كله، وعلوم البشر جميعا، مستمد من الله، الذى هو العالم الحقيقى والمطلق، وأنهم لا يقلون فى شىء عن طلاب أمريكا وأوربا لأن الذى خلقهم هو نفسه سبحانه وتعالى خالق طلاب أمريكا وأوربا، ولا يعقل أن يحابى الله العادل الكريم الرحيم الغربيين علينا. كل ما هنالك أنهم فى بلاد الغرب يقرأون ويفكرون ويجتهدون فى طلب الثقافة والمعرفة، أما هنا فالناس بوجه عام فى عصرنا هذا يكرهون التفكير والعلم ولا يريدون أن يوجعوا أدمغتهم فى شىء من ذلك.

كما أؤكد لهم فى كل مرة تقريبا أدخل لهم فيها لأحاضرهم أنهم قادرون على أن يحققوا ما لا يخطر على بال من تقدم علمى وفكرى لو اهتموا بالعلم كما يطلب منهم دينهم وأن السعى فى سبيل العلم عليه أجر كبير، وأن الذهاب إلى المكتبة، والمشاركة فى المحاضرة بالنقاش والأخذ والرد من شأنه أن يكسب الطلاب رضا ربهم عنهم ويسر قلب نبيهم بهم يوم القيامة ويجعله يفتخر بشباب أمته... فضلا عن تشجيعى الملتهب لأى طالب يسألنى أو يدلى برأيه فيما أقول أو يعترض علىَّ، وتقديمى المكافآت المالية للمجتهدين والإيجابيين منهم حتى لو كان ما قاله الواحد منهم آنذاك مجرد كلمة لا راحت ولا جاءت، فالمهم أنه نطق وشارك وخرج عن صمته وسلبيته، علاوة على أننى لا أسخر عادة من طالب يخطئ فى الجواب على أسئلتى، بل أترك الآخرين يحاولون الوصول إلى الإجابة الصحيحة، وهو ما يأخذ عادةً وقتا طويلا وتوجيها مستمرا منى لخط سيرهم المعوج أثناء هذا وإلصاق شذرةٍ طائرةٍ من كلام هذا بفِدْرَةٍ عارضةٍ من كلام ذلك إلى أن نصل إلى شىء، مع تنبيههم طوال الوقت إلى أن ما أطرحه فى محاضراتى وكتبى ودراساتى ليس سوى اجتهاد منى قد يخطئ وقد يصيب، وأن المهم هو أننى اجتهدت وحاولت، لكنى لا أضمن أن يكون هو الصواب الذى لا يقبل نقضا ولا إبراما، وأن ما يميز ديننا العبقرى العظيم هو أنه دعوة إلى الاجتهاد حتى لو أخطأ المجتهد، فالعبرة بهذا الاجتهاد، الذى لا بد أن يثيبه الله عليه حتى لو لم يصل إلى الصواب ما دام قد بذل وسعه ولم يقصر وأخلص فى هذا البذل، وهو ما لا وجود له فى أى دين أو مذهب آخر، وأن العلم إنما يقوم على مثل هذه الاجتهادات والمحاولات، وهو ما يعبر عنه العلماء والفلاسفة الآن بالتجربة والخطإ... إلى آخر هذا الكلام.

إلا أن النتيجة العامة هى ما عبرتْ عنه الطالبة الصريحة المسكينة حين جبهت أستاذها بما جبهته به، مبينة على نحو باتر أننا فى واد، والطلاب فى واد آخر، وأن البون الذى يفصل بين الواديين شاسع وعميق جدا. والواقع أننى كثيرا ما أحس أنه يتعين علىَّ حمل جبل المحاضرة وحدى، بينما الطلاب صامتون مشغولون فى أذهانهم بأشياء أخرى خارج المحاضرة، مخرجين محمولاتهم أو ممسكين بها فى أيديهم ومنصرفين إلى العبث بها فى أية فرصة تسنح لهم دون اهتمام بما يقوله الأستاذ. على أن تفوق الطلاب الذين أشجعهم وأسرف فى الثناء عليهم هو تفوق نسبى، بمعنى أنهم متفوقون بالنسبة لزملائهم، أما بالنسبة لما ينبغى أن يكون عليه التفوق، فالمدى الفاصل جد كبير. ومع هذا فالمجاميع التى يحصل عليها طلاب هذه الأيام عالية جدا بحيث إن عددا منهم كل عام يحصل على تقدير "ممتاز" فى المجموع الكلى والمجموع التراكمى، وهو ما لم يكن يحدث فى أيامنا إلا مرة كل عقدين مثلا. ورغم ذلك فالطلاب لا يَرْضَوْن أبدا عن النتيجة، ويرون أننا نظلمهم ونبخسهم قدرهم. طبعا، فهم عباقرة، ونحن عُمْىٌ لا نستطيع أن نبصر وجه العبقرية فيهم أبدا، ونستـأهل من ثم الحرق!

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق