أضيف في 25 شتنبر 2017 الساعة 18:16

ارهاصات 2: التبادل الثقافي


نورالدين البودلالي

أعرف أن من القارئين من سيتهكم عني (صديقي التاريخي، بعض من تعرفت عنهم، وشريحة ممن سيقرأ هذا). لكن اسمحوا لي أن أبسط هذه الفكرة:

وأنت تتهيأ لاستقبال أجنبي عجمي، أقصد فرنسيا أو انجليزيا أو اسبانيا أو إيطاليا أو غيره، وعلى اختلاف مستواك التعليمي، خاصة عند اللقاء الأول، فإنك داخليا تستعد له باستحضار مكتسباتك اللغوية حتى تضمن لقاءا ناجحا معه. تعلم تمام العلم أن استعمال لغتك الأم ستفرض عليك الانزواء في الركن، وترك "الآخرين" يتحدثون عوضك، ولربما تفضلوا فشرحوا النذر القليل مما يجري أمامك/خلفك. لهذا تجمع في سكينة دواخلك شتات كلمات طرقت سماعك ذات يوم من تاريخ قديم صادفك ب"امْعلم" فرنسي، مثلا، علمك حرفة، وتجهد نفسك لتكوّن جملةً تحتفظ بها للحظة سوداء. ولربما لقيت حاجا من أصدقاء "الضاما" الذين ينتظرون الرحيل الأكبر (الموت)، أنت منهم، تخبره عن القادم، فيمرر لك كلمة أو اثنتين على سبيل الضحك والدعة، تسندك هي الأخرى. بطبيعة الحال لا يليق بالقادم أن يتفضل بمحاولة النطق بلكنتك.

لكن لا تظن، أبدا أبدا أبدا، أن الآخرين، أقصد أبناءك وجميع معارفك، أنهم أحسن منك حالا. أنظر إليهم وهم ينظمون جملهم: كلما أتموا جملة صرخوا مقهقهين ضحكا.. انتقاما. تجدهم لا يهدؤون، يتحركون يمينا وشمالا، يشعلون النار في أفخاذهم من الحك عليها. أحينا يستنجدون بالذين حولهم، طالبين ترجمة أو حتى توكيل آخر عوضهم لشرح أمر ما. كن مرتاحا، لو كان الغريب يتكلم لغة غير التي يجيدون، لكانوا أوْرط منك ضعفين أو زد قليلا.

طيب والأمر بهذه الشاكلة، لكن لماذا يشددون علينا بخطبهم عن التسامح: ألست التسامح عينه وأنت تجهد نفسك لمد أواصر التواصل؟

لنقلب وجه العملة، إذ كل شيء قائم على العلاقة بهذه؛

أنت الآن تطأ أرض "أَلْهِيهْ"، تتطرطق في أذنك أحرف، كلمات، جمل لا لك بها مران. يوجهون لك القول، تنظر حولك ثم إليهم مشدوها، جائلا ببصرك كالدوامة، لا تكاد ترى شيئا. لا تحس كيف ندت منك ابتسامة، حتى لا تدرك كيف انشقت. تستسقي إن يتكلم فرنسية.. انجليزية.. ينظر إليك بصرامة مجيبا نفيا قاطعا. تقول بلغة أمك: "ولا لأنا". وددت لو تستسقيه إن كان يتفوه عربية، فأنت تجيدها أكثر من غيرها، وهو في إطار التسامح والتبادل الثقافي وخدمة الإنسانية عليه أن يُكوّن في لغتك. مُغلقْ. أنت أذكى: تفطن أنه القوي بسماحه لك الدخول أرضه، فعلى كل حال تبقى دوما مشروع الساعي لسرقة رزقٍ هو ضامنه لك بوثائق تخرجك من حجر مخبئك في بلاده. كن من تكون فأنت دوما ذاك الذي ينظر هو إليه الآن: مشروع هجرة. وأنت ذاك، المحتمل جدا، الذي سيشعلها حربا جهادية في حماه. تفطن أنه الأقوى بكل الأسلحة الطائفة حولك بأحدية وأسمطة سوداء مترجلة. هو يتفوه كلاما.. يضحك صاخبا.. يلوح بيديه بغضب بادٍ، وأنت تنز عرقا باردا على صفحة وجه يكاد ينفجر دما.

                                                                                               ***************

التعدد سمة العالم، وهم العالم الذي هو التعدد؛ العالم ثقافات متعددة، وهم تجسيد ثقافة العالم الشاملة. العالم لا يفتأ يتداول لغاتهم، ولغاتهم تختزل لغات العالم. هم البؤرة التي، أثناء دورانها، ينجر إليها شتات الهوامش.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق