أضيف في 22 شتنبر 2017 الساعة 18:43

بؤرة الأحزان


المصطفى سالمي

ألقت (رابحة) بجسدها المتعب والمرهق بآلام السنين على كرسي خشبي في مستوصف المدينة الصغيرة التي هي قلب سهول (دكالة)، كانت مثل عشرات غيرها تنتظر قدوم الطبيب الوحيد لفحص وتشخيص حالة ابنها (محمد) الذي استيقظ هذا الصباح منتفخ العينين، وقد كانت عينه اليسرى أشد انتفاخا حتى أنه يكاد لا يبصر بها نور الشمس، لقد أوصلهما زوجها (العربي) إلى المستوصف وبقي في الخارج بعيدا عن زحام المكان الذي يعج بالمنتظرين، كان الذباب يزاحم ويزعج بطنينه المرضى ويزيد من توترهم، وخاصة مع تواتر أخبار إلى مسامع بعضهم أن الطبيب لا يباشر الفحص إلا عند الساعة العاشرة والنصف أو الحادية عشرة أحيانا، وقتها فقط قد يدخل أصحاب الأرقام الأولى التي يتحصل عليها من حضر في السابعة والنصف صباحا، والتي توزعها عاملة النظافة، بينما يعود الآخرون أدراجهم من حيث أتوا متحسرين، رغم أن الطبيب لا يفعل شيئا أكثر من أنه يخط ورقة صغيرة للمحظوظ فيهم كُتب عليها اسم الدواء المطلوب شراؤه للتداوي من المرض الذي يقدر أن صاحبه يشكو من تبعاته.

فجأة دخل (العربي) وأشار من بعيد لزوجته أن تقوم من مكانها، فقد أخبره أهل الخير في الخارج بأن المرضى لا يتأخرون في تلقي الفحص بالمستشفى الإقليمي الذي يقع في الطرف الشرقي للمدينة، سحبت (رابحة) ابنها من يده وغادرت معه القاعة التي كانت تئن تحت وطأة المرض والعفونة وقيظ الصيف ورائحة العرق..

تدلت أرجل الثلاثة على العربة التي يجرها حمار خامل قدِم بهم من قرية (العجيلات)، كان (العربي) يستعجله بسياط خفيفة حتى لا يتأخر عن أشغال الحقل..

بقي الرجل بجانب عربته فاسحا المجال لـ (رابحة) حتى ترافق الطفل المنتفخ العينين بينما يتفرغ هو لحراسة العربة والحمار في الخارج، وفي قاعة كتب أعلاها: "مستعجلات" كان جمع غفير ـ لا يقل عن تجمع المستوصف ـ ينتظرون دورهم على أحر من الجمر ، بينما ممرضة ضخمة الجثة توجه الناس لضرورة دفع واجب الصندوق المحدد في أربعين درهما حتى يقابلوا الطبيب، وأنه لن يسمح لهم بمقابلته قبل أداء الواجب.

ألقت (رابحة) ببصرها على المكان بحثا عن كرسي تجلس عليه هي والطفل، فإذا بها تبصر واحدة من معارفها بقرية (العجيلات)، إنها (فطومة)..! تُرى ما الذي جاء بها إلى هنا؟ توجهت نحوها وسلمت عليها، أخبرتها الأخيرة انها جاءت بابنتها (خديجة) التي لسعتها عقرب، وأنها رغم دفع الأربعين درهما ما زالت تنتظر دورها، كانت الصغيرة قد اصفر لونها وذبلت عيناها وما عادت تقوى على الوقوف، فاستلقت على كتف أمها في ارتخاء تام، سألتها (رابحة):

ـ لِمَ ربطتِ ذراع الطفلة بهذا الرباط؟

أخبرتها (فطومة) أنها فعلت ذلك حتى لا يتسرب السم لباقي الجسد، وردت عليها (رابحة) بأن توجيه تيار قنينة الغاز البارد اتجاه اللسعة مفعوله أشد في الحد من انتشار السم...

كان الناس في هذه القاعة الفسيحة يتبادلون حكايات ألمهم، بينما تمر بين الفينة والأخرى بين الغرف العديدة ممرضات يمشين بتباطؤ على أطراف أصابعهن وكأنما تُوجهُهُنّ إيقاعات موسيقية هادئة، أو كأنهن في عرض للأزياء.. كان بعض المنتظرين قد أصابه منجل وتحولت حمرة أصابع رجله إلى زرقة من شدة تجمد الدم عليها، بينما آخر عضه كلب فكاد يقتلع مكان العض، لكن أسوأ ما تهامست به النسوة هو حالة امرأة كانت منبطحة على كرسي في زاوية القاعة، وقيل إن الديدان عبثت بثديها، وأنه تم رفض استقبالها بدعوى التأخر في الحضور، بينما تصر المرأة أنها حضرت مرارا وكان يُطلب منها المجيء في مواعيد متباعدة، مما جعل الحالة تتفاقم وتصبح شبه ميؤوس منها.

كان العنصر الموحد بين المرضى والمتعبين المكدودين في هذه القاعة أنهم في أغلبهم قرويون بسطاء من قعر العالم المنسي القابع في شقاوته، وفجأة سُمع صوت سيارة إسعاف، فانتقل معظم الممرضين إلى القاعة الرئيسية، وقد قيل إنه يعالج بها من يكون مصابا في حوادث السير الخطيرة. كانت (رابحة) تتعجب من عدم تأثر المعالجين بما يرون ويشاهدون، والحقيقة أن عينيها كانتا قد شرعتا بسكب الدموع حارة سخية، حتى (فطومة) كان قلبها يدمي من الداخل، لكنها تمالكت نفسها.

تململت الطفلة (خديجة) وقد أخذتها رعشة، فجأة ظهر على بشرتها بياض مريب، واستلقت في أحضان أمها، وتعالى صراخ النسوة في المكان.

في قاعة الفحص دَوّن الطبيب الرئيسي ورقة مكتوب عليها ضرورة نقل الطفلة إلى المستشفى الكبير بمدينة: (الجديدة) الساحلية التي تبعد أزيد من ستين كيلو. في ذلك الوقت كانت (رابحة) تمسك بيد ولدها تنزلان أدراج قاعة المستعجلات التي عجت أكثر بالمنتظرين، توجهت المرأة نحو زوجها (العربي) قائلة:

ـ ابننا بخير، وحالتنا لا تستحق هذا المكان، سأخلط قليلا من مسحوق الحناء بالماء، وأجعل منه عجينا أضعه على عيني (محمد)، وسيكون بألف خير، لا حاجة لنا بالطبيب..!

نطقت المرأة بالجملة الأخيرة بكل حزم وتصميم، وقد كان (العربي) أسعد الثلاثة بسماع هذا الخبر، كان الرجل يخمن أن الأمر لا يتعدى حساسية بسيطة أو هبّة ريح محملة بالأمراض تعرّض لها ولده، وأن العلة عابرة لن تتعدى اليوم أو اليومين.

قالت (رابحة):

ـ أن نسمع البلاء خير من أن نراه.

لم يعقب (العربي) على كلامها ولم يطلب توضيحا أو تفسيرا لما تلفظت به دون أن تمهد له أو تضيف إليه، كان الرجل في طريق العودة قد أصبح أكثر تسامحا مع حماره الذي انطلق بحركية وإيقاع أكبر دونما حاجة للتلويح بالسوط، عدل (العربي) قبعته على رأسه وبدأ يفكر في ما ينتظره في الحقل من أعمال لا تقبل التأخير، كانت الأصوات المنبعثة من عجلات العربة الصغيرة وحوافر الدابة كلحن عذب في مسامعه، بينما كانت الصور الكئيبة تعتمل في ذهن ومخيلة (رابحة)، مما استفز من جديد دموعها التي تنطلق غالبا دون استئذان، بينما كان الصغير يغالب نفسه لفتح عينه اليسرى التي أنعشتها هبة ريح عذبة نقية..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق