أضيف في 21 شتنبر 2017 الساعة 20:36

حادثة يوم السوق الأسبوعي


المصطفى سالمي

سُمع فجأة ما يشبه صوت الارتطام ممزوجا بصراخ امرأة، اتجهت الأنظار نحو المكان وقد توهم الناس حينها أن الأمر يتعلق بحادثة سير سيما والازدحام على أشده، وقد رجح ذلك صوت الفرامل حيث كان احتكاك العجلات قويا مع الأسفلت، توقفت سيارة رمادية صغيرة بينما انهالت امرأة بقبضتها على الزجاج السميك، لكنها لم تنل منه رغم عنف وقوة الضربات، كان صراخها يملأ المكان ويغطي على أصوات الباعة أمام الساحة المحاذية للسوق الأسبوعي حيث تراصت العربات أمام دكاكين حي (البام) الذي يضج بالحركة والزحام، والواقع أن السائق توقف أمام المرأة التي سدت الطريق أمامه، وكانت تصرفاته توحي بأنه يعرفها تمام المعرفة، وكل همه إبعادها لتفسح له الممر الضيق للعبور، بينما كانت المرأة المهاجمة تستهدف كائنا آخر اندس في ركن بمحاذاة كرسي القيادة، كانت المرأة المتخفية بدينة، وحاولت استغلال فرصة خروج السائق لثني المرأة عن هجومها الجنوني، فتحولت بسرعة البرق إلى المكان الذي كان يجلس عليه قريبا من الباب المفتوح، بعيدا عن المرأة ذات القوام النحيف التي كانت تترصدها من جهتها ناحية يمين السيارة، واندفعت البدينة إلى الخارج بكل قوة وعنفوان، لكن الأخرى انطلقت خلفها كالسهم وكأنما قرأت مخطط خصمتها وتوقعته، إذ التفت عليها بحركة سريعة خاطفة، وأمسكتها من خصلات شعرها التي تناثرت بين يديها، وطرحتها أرضا كلبؤة تمسك بطريدة ضخمة تحت قبضتها، لا تحسب لكتلتها الجسدية وضخامتها حسابا، وجثمت فوقها ممسكة برأسها تضرب به الأرض وتهزه هزا، حينها فهم الناس القصة وفكوا رموزها، وكأنما هي معادلة رياضية كانت مستعصية على الفهم قبل أن تظهر تفاصيل المشهد. سارعت النسوة إلى التدخل وفك الاشتباك، بينما صراخ المرأتين ـ وخاصة المهاجمة ـ يملأ المكان، ويغطي على كل صوت، وخاصة أصوات منبهات السيارات التي توقفت بعد أن سدت السيارة الرمادية المتوقفة الطريق ومنعت حركية السير، كان السائق قد انزوى يترقب كواحد من المتفرجين، وقد احتار كيف يتصرف بينهما، وبالكاد فرق الناس بين المرأتين، لتظهر أخيرا المرأة البدينة وقد أفلتت كبقرة وحشية من مخالب لبؤة مسعورة، فعمدت إلى لف رأسها بثوب غطت به طرفا من وجهها، ولاذت بالفرار بعيدا عن أنظار الناس وكلامهم، بينما جذب الفضوليون المرأة النحيفة اتجاههم للحصول على مزيد من التفاصيل عن الخفايا حيث الجزئيات والكواليس المعتمة، في حين انطلق الرجل يجر ذيول الخزي مفسحا الطريق للسيارات والعربات من الجهتين...

تعددت عند ذلك التعليقات من الباعة والمشترين والفضوليين، فمن قائل:

ـ لعنة الله على أمثال هذا الزوج الذي يترك الحلال ويفضل عليه الحرام، ماذا ينقص هذه الزوجة حتى ينصرف عنها الزوج لاهثا وراء جاموسة..!

بينما قالت امرأة مسنة:

ـ كان على الزوجة أن تهجم على الزوج المذنب، فهو الخائن والمسؤول عن هذا الجرم.

وقال صاحب عربة:

ـ نِعْم ما فعلته هذه المرأة الحرة، فرغم نحافتها تلاعبت بدبّة ضخمة، لكن لا عجب في ذلك، فالمرفع الحديدي النحيف يحمل الحاوية الضخمة..

وخرج أحدهم عن الإجماع حين ردد:

ـ هذه الزوجة تبحث عن الفضيحة، إذا كان زوجها بهذا السوء، فلتنفصل عنه وتكفي نفسها عناء فُرجة أهل السوء.

وقال شيخ مسن وهو يتلقى لفافة الفاكهة من البائع:

ـ لو أن الله كشف حقائق كل الناس دفعة واحدة لوجدتم أغلب هؤلاء المتفرجين الفضوليين فرجة لبعضهم البعض، ولكن الله حليم ستار..!

وما هي إلا دقائق حتى غمرت المكان أفواج جديدة من الناس يتدفقون من بوابات السوق، وقد أصبحت الحادثة مما طوته الحكايات وأخبار الأسعار الملتهبة وزوال البركة من الأوراق النقدية.. وذاب كل ذلك وامتزج في غمرة طقوس يوم السوق التي لا تشبه باقي الأيام.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق