أضيف في 21 شتنبر 2017 الساعة 01:22

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : حين يتحدى الإبداع الخراب بشموخ المبدع : تجربة التشكيلي السوري عبود سلمان


خيرة جليل

 

كل من يعرف الفنان والناقد التشكيلي العربي السوري عبود سلمان يعرف انه صحفي من مواليد دير الزور على نهر الفورات شرق سوريا ويعيش حاليا بيروت. هو خريجي معهد الفنون الجميلة بنفس المنطقة، ليعمل مدرسا للتربية الفنية والخط العربي وينتقل في هذه المهنة بين العديد من التخصصات والأماكن، مما عمق تجربته الفنية والعلمية وجعلته يتوجها بالتأليف والممارسة النقدية.

الحديث عنه يجعلنا من باب التبسيط المنهجي نميز بين الفنان والناقد والمؤلف للكتب الفنية. في حين أن تحليل أعماله الفنية يجعلنا نستحضر كل هذه المكونات الفنية والثقافية في تفاعلها مع الأحداث الاجتماعية والسياسية التي عاشتها الذات المبدعة في تنقلها داخل المشرق العربي والعالم الغربي. مما فرض علينا كذلك الوقوف بشكل متأني عند إبداعاته التي لم تنال حظها من الدراسات والتمحيص كفنان متحكم في مادته الخام ويسكنه الفن إلى حد الهوس وفي أدق التفاصيل لأنه فنان حقيقي ولا يجري وراء البهرجة أو البحث عن الشهرة .

فعات أنه من باب التبسيط المنهجي كذلك سوف نطرح مجموعة من الإشكاليات ، ستكون الإجابة عنها هو الوقوف على أعماله ولو بالقليل مما تستحق من الاهتمام.

كيف تعامل مع المنشأ الفني من حيث المادة والضوء والكتلة اللونية والتوزيع المجالي لها؟ ما هي المدرسة التشكيلية التي اختار سلمان عبود التعبير في إطارها عن فنه؟ هل استطاع التحرر من عبث الفن المتكرر والمجتر؟ هل استطاع تأسيس نمط فني خاص به يطبعه نسق فكري معين أم انه أعاد نسخ التجارب العالمية فقط؟

التشكيلي عبود سلمان يجمع بين الفن التشكيلي والنقد الفني، فهو ناقد حقيقي لأنه مبدع في الأصل للقيم الجمالية الموجودة في العمل الفني كمنشأ فني جمالي. وبما أن فلسفة الفن أو الإستيتيكا تنبني على"السند الفني وتأخذ طريق السؤال في علاقته بالتأمل، فإننا سنقف بشكل متأني عند إبداعاته الفنية في علاقتها باللامفكر فيه جماعيا. إذا كان الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر يقول في كتابه: "الهوية والاختلاف" "identité et différence " وهو يتحدث عن أبحاثه الدؤوبة في فهم التراث الفلسفي مقارنا نفسه بالفيلسوف هيجل:

" إن قانون الحوار مع التراث التاريخي بالنسبة إلينا هو ذاته بالنسبة لهيجل، حيث إن الأمر يتعلق ببلوغ الفكر الماضي في دقته وقوته. إلا أننا لا نبحث عن تلك الدّقة فيما فكر فيه المفكرون، وإنما فيما لم يفكروا فيه، في اللامفكر فيه impensé، ذلك اللامفكر الذي يستقي منه المفكر فيه ماهيته. بيد أن المفكر فيه هو وحده الكفيل بأن يمهد لما لم يفكر فيه بعد."1، فان عبود سلمان رجع إلى الموروث الشعبي السوري كالتراث التاريخي السوري الغير المفكر فيه ليستقي منه ماهيته كفنان تجمع الميادين، ثم يترجمها لتجربة سورية عربية متميزة تنفلت تارة على الورق الأبيض وتارة أخرى من القماش الأبيض الذي يلتحف به كقطعة فنية تعج بالأشكال والزخارف والخطوط والألوان المتعددة الرئيسية والمركبة والعناصر الرمزية والمباشرة من حكايات شعبية . هذا الفراتي يؤثث فضاءات لوحاته الفنية بوجوه نسوية تارة حالمة وتارة أخرى واجمة إلى جانب الزخارف الشعبية والأحصنة الجامحة ، وهذا في حد ذاته لا يعبر عن شهوة جامحة بقدر ما يعبر عن هوية بلده وعن ذاته الحائرة بين الحق والباطل بين الواقع والمتطلع إليه ، بين الواقع والتموقع فيه كأنه يسال نفسه : أيها الفاراتي أين أنت من كل هذا؟ أيها البوهيمي الذي يسكنه الفن إلى حد الهوس إلى أين تحمل قضيتك في ألواحك على ظهرك بثقلها وزخمها وضجيجها ؟

الفنان اخضع عالمه هذا الفوضوي اللامنطقي والغير المفكر فيه إلى منطقه الفني ليؤرخ لذاكرة جماعية بسوريا بنسائها ورجالها ، بكوفياتهم السورية وأزقتهم الشعبية بمورثها الشفهي العريق الذي يمتح من الموروث التاريخي الشعبي بالدرجة الأولى، بوجوه تعلوها الدهشة تارة والصدمة تارة أخرى .

كتل أعماله اللونية تارة غامقة وبإشكال جد متداخلة يصعب تتبع خيط الوصل بينها ،وأحيانا أخرى تذوب كتلة في كتلة أخرى لتفسح المجال أمام كتلة لونية مركبة إما ناتجة عن انصهار الكُتل السابقة فيما بينها لتتولد عنها كتلة جديدة شبيهة بانبثاق الضوء والذوات الحالمة أو شبيهة باحتراق الفينيقس للانبعاث من جديد وبقوة. تلك هي شخصية الفنان والناقد الحقيقية .فكلما اشتد عليه الخناق وحاولت يد خفية وقهر نفسه الفني وإخماده إلا وانبعث من ظلام القهر والقسوة في لوحات تضع القارئ أمام إشكالية فك طلاسمها الفنية ومحاورة وجوهها الصارخة والمتأملة والمتألمة ....واقعية بتشخيص تجريدي تارة وسريالي تارة أخرى. واقع مر وشخوص متمردة .فالتشكيلي عبود تحرر من اجترار الموجود الجاهز وتكرار أعمال جاهزة ليبني لنفسه أرضية صلبة تحمل بصمته الشخصية في لوحات تحررت في معظمها من إطاراتها الخشبة لتعلن تمرد ها وصمودها أما الحرب والتمزق والتشرد . لوحات تركت إطارها الخشبي وراءها بمرسم دمرته الحرب لتسافر على ظهر فنان ملتزم نحو أماكن أكثر أمانا ، لتنقل رسائل صاحبها إلى ما وراء الحدود السورية لتقول : أنا هنا أيها الفراتي الثائر والمتمرد الذي يبدع بوعي وضمير ناقد تشكيلي ويكتب النقد بوعي وضمير التشكيلي وعيا من بان القيم الجمالية في العمل الفني مكون أساسي في اللوحة في اطار الفلسفة الجمالية التي فتحت أبوابها على اللامحدود في التنظير الفكري ، هذا الذي الآن تعدى حدود اللوحات العادية إلى الإنشاءات الفنية الضوئية والمادية ... والخروج عن اطار السند المألوف لتمتد إلى الجسد البشري العادي ويتم دمجه جسدا وحركة في العمل الفني، وهذا ما قام به الفنان في العديد من أعماله الفني منذ سنين. لتصبح اللوحة غطاء جسديا تلتحم فيه اللوحة بألوانها وشخوصها المتعددة مع الذات المبدعة ليكون الاثنان عملا فنيا مركبا يقحم الذات الواقف أمامه لمساءلته عن خلفيات العمل الفني وإبعاده وامتداداته. ليعبر عن تمرده بألوانه التجريدية ورموزه وزخارفه عن المعنى الحقيقي الثاوي خلف لغة الألوان وتداخلاتها لمناهضة العنف والتطرف و المسكوت عنه والمضمر والمبهم في الثقافات العربية عامة في اطار الهوية السورية والاختلافات العربية في علاقاتها باللامفكر فيه .

إن تعدد بنيات اللغة التشكيلية ، خاصة في البناء التجريدي يصعب معها تنميط أعمال عبود سلمان في خندق فكري معين ، لان أعماله الفنية ذات ثراء و تركيب وتشعب وتفرع مما يعكس الثراء الفكري والخصوبة الثقافية لدى مبدعنا.فكل لون أو حركة فنية لا تأتي من فراغ أو من باب الصدفة. أعماله تأتي من وعي ثقافي مسؤول وفلسفة جمالية مدروسة ولغة لونية مضبوطة ليصبح العمل الفني صرخة من صرخات الوعي التشكيلي المسؤول لعبود سلمان والذي تحركه خلفية فكرية فلسفية وجمالية وذات مبدعة واعية بأدق التفاصيل من حيث الكتلة اللونية أو توزيعها أو التلاعب بالضوء أو المساحة.

عموما إن عبود سلمان كتشكيلي وناقد ومثقف سوري يسعى في سبيل ترسيخ ثقافة الابتكار الفني قصد الرقي بالوعي البصري عند المواطن السوري و العربي عامة لتعميق ثقافة التأمل الجمالي الفني رغم كل العوائق والاكراهات التي يعيشها المجتمع السوري مع التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية ، لتأصيل الوعي التشكيلي الجاد والمسؤول والتربية الجمالية لتصحيح مسار الوعي الجمالي السوري أو المجتمعات العربية عامة وتحريرها من مظاهر الاجترار وإعادة الإنتاج والتكرار، رغم ما يعانيه هذا الفنان من الاضطهاد سواء كمفكر أو تشكيلي أو ناقد بحيث لم تنل أعماله حظها من الدراسة والتمحيص من طرف النقاد و ا لمهتمين بالشأن التشكيلي العربي ... الناقدة خيرة جليل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


تعليقاتكم

1- امتنان ودهشة سارة في شكل مفاجاة

عبود سلمان

خيرة جليل الفنانة والناقدة الاصيلة في ملامح ومميزات الفن الانساني ابدا
تحتار الكلمات الخجولة امامك . ومنك .ولاتعرف كيف تنسج فيك . ولك . قصيدة شعر ياخيرة جليل وانت من اجمل المخلوقات الكونية . الانسانية الزاهية بحب . وحبور .
ياسيدة الكرم الانساني والابداعي والجماليات الحبيبة . لقد ادخلت الى قلبي المتعب السرور . ودمعت عيني . وقرءتها مرات ومرات من الان لاني الان حتى عرفت انك كتبت لي . وشكلت لي المفاجاة السعيدة . التي لم اكن اتوقعها ابدا . لقد فجرت في روحي عواصف الامتنان بحيث لم اقدرر الا ان افرح وافرح وافرح .
لقدد اااااخجلت في دراستك الكثيرون مما كتبت عنهم دراسات هامة ومقالات وقراءات . ومن هم محسوبين عالفن والكتابة التشكيلية وهم من صغار الكتبة امامك .. وانتهاوينون الفرص السانحة .. واسقطت عنهم كل اوراق التوت . امام عظيم كلماتك وقراءتك النقدية الحكيمة . وكشفت بؤسهم في ان ينشروا لي شيءا عن عميق تجربتي وللاسف . وياحيف .

ولكن انت جعلت للمنطق حياة وللربيع ازهاره وسمواته في فضاء محكم الابعاد بروح خالدة . يطول الشكر في واسع امتناني واحترامي وتقديري .. وربي يجمعنا في معرضا واحد ونص واحد .. لك تحياتي الحارة . وجميل امنياتي . وسعيد كلماتي . ورقيق انفعالاتي . ياشقيقة الروح في منابع الدهشة واكثر .. اخوك في الانسانية والابداع
ابو الفرات من بيروت

في 22 شتنبر 2017 الساعة 19 : 13

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- رد

خيرة جليل

ابدا ايها الفنان هذا واجب الناقد اتجاه الاعمال الفنية الوازنة ...اعمالك تستحق وقفات متانية لان لها مرجعية جمالية وفلسفية وفكرية فالكثير من التشكيليين يرسم ولقليل من يبدع....

في 25 شتنبر 2017 الساعة 03 : 22

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق