أضيف في 19 شتنبر 2017 الساعة 18:31

العنف و التربية الإسلامية


نورالدين البودلالي

تذهب بعض الأقلام إلى ربط تفشي العنف (وفي أقصى حالاته الإرهاب) بتدريس مكونات التربية الإسلامية. فهل يمكن لعامل واحد (وليكن المعرفي) أن ينتج ظاهرة اجتماعية خطيرة: العنف؟ هل يمكن لتدريس مادة القرآن، وبعدها التربية الإسلامية، أن تخلق ظاهرة العنف وتجسيداتها سواء في المدرسة أو المجتمع؟ أليس لمكتسبات المتلقي من معارف متنوعة أدبية وعلمية، التي تشكل هي الأخرى بالتأكيد قنوات لتمرير قيم مجتمعية تقوّم سلوكه، أن تلعب دورها في توجيه شخصية الفرد؟

أدبيات تربوية تؤكد أن عملية التنشئة عملية معقدة تدخل فيها عوامل عديدة. هذا ما علمه لنا المكونون بالجامعات وبمعاهد التكوين التربوية. التربية الأسرية لبنتها الأولى، وتمضي في الاتساع لتضم كل المؤثرات التي تجاوزت في عصرنا المجتمع، لتشمل كل وسائل الاتصال. لم يعد الطفل هو ذاك الذي في اتصال مباشر مع والديه، أو المحتك مع محيطه المسيدي ثم المدرسي. إنه ذاك الذي يستطيع أن يكون نفسه بنفسه بالتصاق شبه مرضي بأجهزة التواصل وقد تعددت حجما وتقنية، تكون له ترفيها، ولكن أيضا وسيلة تعليمية يستغلها في البحث والتكوين.

مدرسيا يتعامل المتلقي مع مجموعة من المواد تهدف إلى تكوينه والتأثير فيه. تتراوح بين مواد أدبية (العقائدية جزء منها) وعلمية. المشكل هو ما سينضح عن تدريسها. المسألة هنا عميقة تتزاوج أثر مادة في تخريج أفراد عُنف. مربون عديدون أكدوا أن العنف المجتمعي عامة، و المدرسي منه خاصة، ظاهرة تتنامى بشكل خطير في العالم، ترتبط في الغالب بالمشاكل التي يعيشها الأطفال بين أحضان أسرهم، وراجعة بالأساس إلى الفقر، وأسباب أخرى مرتبطة بالعلاقة مع الفاعلين التربويين. ماذا يكون ردة فعل طفل وهو يُسمح له برؤية شريط يقتل فيه البطل لأجل القتل، ويطبق هو ذلك أولا في "تابليت"ه.

أما حينما نتوقف عند مدرستنا المغربية فذاك أمر آخر: وزارة لا يهمها من المنظومة سوى تسجيل رقم عال من لتلاميذ الجدد، واعية تمام الوعي بالاختلال الفظيع في الجانب النوعي، والسبب لم يعد سرا: صندوق النقد الدولي. الآباء، وهم يجربون حلا ترقيعيا، يرسلون أولادهم للمدارس الحرة، كل يختار التي تناسبه حسب إمكاناته المادية. الآخرون، هم الكثرة، يسلمونهم للمدارس العمومية، على علاتها التي لم تعد تخفى على أحد؛ وأساتذة أول ما يتخرجون من معاهد التكوين يحرقون مقرراتها لأنها لن تقيدهم في شيء، يواجهوا مصيرهم بأيديهم، إما مجتهدين أو متكاسلين إزاء أقسام متعددة المستويات و/أو مكتظة تعجز أمامها كل الطرق. ناهيك عن التجهيزات الضرورية للعمل المثمر، وما يجب أن يلحقه من تكوين مستمر، والاجتهادات التربوية التي يجب على الفاعلين التربويين القيام بها لتدليل الصعوبات.

المدرسة المغربية أول من يخون مهمة تمرير المعارف والخبرات للناشئين، يلحق بهم الآباء رغم أنهم معذورين، إذ كيف تطلب الشيء من فاقده: فالأمية ضاربة أطنابها في الأحياء الهامشية والبوادي؛ الفاعلون التربويون، الذين اختار العديد منهم التعليم للهروب من آفة البطالة، يعامل العديد منهم، وليس جميعهم، التلميذ باعتباره واحد من كان سببا في وضعه. أما الجانب الأهم فهو شكل وبنية العلاقات التربوية والنفسية التي ربطت الطفل بوالديه، وبأسرته، وبمحيطه المدرسي، ومحيطه الاجتماعي. وإنه لمن السابق لأوانه حمل حكم على مادة دراسية بكونها مترع لتفريخ العنف والإرهاب فقط لأن مجتمعا آخر قعّدها في فكره إثر تراكم تاريخي لفكر شكّلته شروط موضوعية وذاتية، لايزال يعالج نفسه متطورا وسابرا أغواره، في الوقت الذي نظل نحن، وكما كان مبشرو الحداثة من مصلحين ونهضويين و"محدثي" الفكر العربي والإسلامي، نعيد هضم الفكر الأوروبي، ثم نعيد كتابته متبنين له برمته.

إذا وضعنا كل هذه العوامل مجتمعة أمام عامل تدريس مادة، لنسميها إجمالا، التربية الإسلامية، فهل نجيز لأنفسنا أن نقلدها هذا الدور الجسيم: إشاعة العنف وبالتالي تفريخ الإرهاب؟ الغرب حين شرع العلمانية وأضعف دور الدين لم يحارب تعليم العقيدة إلا بعد أن كان المجتمع كله مهيأ لذلك، فكانت النتيجة أن المجتمع احتضن فكر النهضة، ثم جعل التربية والتعليم يرسخان العلمانية التي كانت واحدة من قيمه المستحدثة. المغرب، حتى لا نعمم قولنا على باقي الأقطار، بلد يجعل في أولويات قيمه، دستوريا، الإسلام، علاوة على أن مجتمعه في رمته متمسك بدينه الإسلامي. وأما العنف المستشير في وسطه فأعتقد أنه من اللازم البحث عنه في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق