أضيف في 18 شتنبر 2017 الساعة 22:46

كربوب


المصطفى سالمي

جلس (الضاوي) يتأمل كلبه (كربوب) الذي لم يمض معه سوى أشهر معدودات، إنه مؤنسه وصديقه في هذه المدرسة الابتدائية، ومعينه في مهام الحراسة ليلا، لقد أصبح (الضاوي) أكثر انعزالا عن الناس من أي وقت مضى، وها هو (كربوب) يلعب بعظمة يابسة لا ينفك يضغط عليها بأنيابه الحادة، ولكنه لا ينال منها إلا العناء الذي يذهب هباء، إنها لعبته المفضلة بالاحتفاظ بالعظام الصلبة تحت التراب لأيام وأيام، هل تراه يستمتع وهو يمرر لسانه عليها كأنما ليستخرج لذة دفينة من أعماقها، وحين ينال منه الجهد يقفز هنا وهناك، متلاعبا ببقايا ثوب ممزق، وها هو يعبر عن فرحة كبرى بعد أن فتح (الضاوي) له باب المؤسسة في هذا الصباح البارد، لقد طرده بعيدا لمرات متعددة، وعاد الكلب ليجثم عند الباب منتظرا أن يفتح له الضاوي، كان يصدر صوتا كالبكاء والأنين، تُرى أين كان (كربوب) يقضي ساعات الليل القاسية؟ هل تراه كان يتعرض لاستفزازات كلاب شرسة لا ترحم؟ ولماذا يصر على العودة رغم أن نداء الحرية لا يقاوم؟! إن (الضاوي) لم يسبق أن وضع قيدا حول رقبته من قبل، والحقيقة أن (كربوب) كلب أليف مسالم، لكن له عزة نفس كبيرة، ذلك أن بعض التلاميذ الأشقياء كانوا يستفزونه ويرمونه بالمقذوفات، وما عاد المسكين يتحمل أذاهم، فبدأ يصدر في حقهم نباحا غريبا مخيفا، بل يعدو اتجاه المهاجم ليرهبه قبل العودة من حيث انطلق، وهو ما حمل مدير المؤسسة على توجيه تنبيه لـ (الضاوي) حارس المؤسسة بإبعاد الكلب نهائيا، وعبثا حاول إقناع السيد المدير بوداعة (كربوب)، فالمسؤول الأول في المدرسة أكد بحزم أن الكلب في عرفهم وأمثالهم هو "دنيا بلا شرع"، أي بلا أمان.

كان (الضاوي) يريد لـ (كربوب) أن يختار له وجهة خاصة لا يتدخل هو فيها، لكن الكلب الوفي اختار العودة والبقاء معه، لقد عاد أكثر من مرة إلى صديقه الذي ألفه رغم أنه لا يقدم له إلا بقايا أكل الصغار في المطعم المدرسي، يكفي أنه عاد للمرة الثالثة من سوق بعيد بحوالي خمسة عشر كيلو عن المؤسسة، كادت الدموع تسيل على خدي (الضاوي) في صبيحة هذا اليوم والندى يبلل ظهر (كربوب) الذي كان يرتعش أثناء لعبه المعتاد، لقد تذكر الرجل معاناته الرهيبة مع طليقته، كان قد اختار لها أحسن الأسماء يدللها بها، وينتقي لها أبهى الألبسة وألذ المأكولات والمشروبات، ولكنه حين مرض ولزم الفراش توهمت ربما أنه سيصبح مجرد معلول يشكل عبئا عليها، لقد رأى وجها آخر شنيعا لها، إذ لم تعد تكلف نفسها الاعتناء به، بل بدأ يسمع تجريحها الذي تحول إلى إهانات ثم إلى إهمال كلي، وقتها حمله الجيران والمحسنون إلى المستشفى حيث لم تزره إلا مرات معدودات ذرا للرماد في عيون الناس، بل لقد زعمت له أنه مريض بالمرض الخبيث، وكأنما لتعجل برحيله، بل لقد اختبرها للتأكد أكثر من حقيقتها مقترحا عليها بيع بعض الحلي التي اشتراها لها زمن عافيته حتى يشتري الدواء الفعال للتعجيل بالتعافي، لكنها قابلت الأمر بالتهكم القاسي... فجأة نبح (كربوب) بقوة كأنما ليوقظ صاحبه من غيبوبة الماضي الأليم، حمد الرجل ربه على نعمة الشفاء والعافية، وأقسم أن يبقي كلبه إلى جانبه، ولو كلفه ذلك منصبه في حراسة المؤسسة، لقد جرب الظلم وتجرع مرارته، ولن يكون ظالما مثل الآخرين. مرر (الضاوي) يده برفق على رأس (كربوب)، كان الكلب في قمة السعادة وصاحبه يداعبه بعد أيام من الجفاء التي لم يقابلها سوى بأنين خافت حزين، وبدأ يحرك ذنبه ويدور في مكانه دورات عدة، وكأنما هو طقس احتفالي لتأكيد الصداقة وتمتينها إلى الأبد.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق