أضيف في 17 شتنبر 2017 الساعة 11:52

الديوان الزجلي ( مقام الطير ) لادريس أمغار مسناوي :تأملات فكرية و شطحات صوفية


مجد الدين سعودي

 

مجدالدين سعودي

 

ناقد مغربي

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

الاصدار

 

صدر للزجال المتميز الأستاذ ادريس أمغارمسناوي ديوان زجلي تحت عنوان ( مقام الطير ) …ويتكون من 104 صفحة و يضم 4 فصول أو مقامات و هي ( طير النور ، طير لمداد ، رماد العنقا ، الطير السمي ) ، و يطرح هذا الديوان في مجمله عدة أسئلة متعلقة بالحياة و الموت و الذات الانسانية و النور و العشق ، انه باختصار ( البحث عن الانسان ) من كاتب انساني يستغل الحلم و الذوات و التصوف للرقي بالزجل المغربي ..

 

العنوان

 

( مقام الطير ) هو عنوان صوفي بامتياز ، فالكاتب الانساني ادريس أمغار مسناوي المعجب بالفكر الصوفي ، يعلن انحيازه لهذا الفكر الروحي السامي و الجميل و ذلك بتطعيمه بحداثة تساير العصر و مستجداته .

 

في هذا الصدد يقول الأستاذ محمد بوستة في كتابه ( شعرية القصيدة الزجلية المغربية الحديثة … ) ، نقلا عن كرم أمين أبو بكر : حقيقة العبادة عند محيي الدين بن عربي ، دار الأمويين ، الطبعة الأولى ، القاهرة ، الصفحة 67 : ( … و لا يخفى أن هذا اللفظ مما تداوله أهل العرفان و التصوف ، و المقامات عندهم مراتب و منازل و درجات يقطعها السالك أو المريد ، يرتقي عبرها بنور الله ، متسلحا بالمجاهدة و الطاعة و الاخلاص استعدادا للدخول في الحضرة الالهية و الوصول الى لحظة الفناء في الحق ) .

 

لقد كان ادريس مسناوي موفقا في اختيار هذا العنوان ، فكل فصل – مقام في ديوانه هو بمثابة مرتبة أو درجة أو مرحلة ، يمر منها الانسان بحثا عن ذاته و عن الحقيقة و عن اكتشاف العالم …

 

التصوف حاضر بقوة في هذا الديوان عبر عدة مفاهيم و مصطلحات صوفية ( الوجود ، المرايا ، السفر ، المحبة ، الطير ، الظل ، الطين ، الجسد ، البعث ، الصبر ، الزهد … ) .

 

لوحة الغلاف

 

لوحة الغلاف هي للفنان التشكيلي فؤاد شردودي ،و تضم طائرا أبيضا و قرص الشمس الأصفر ، اضافة الى اغناء الفنان لوحته بعدة ألوان دالة ( الأصفر ، البنفسجي ، الأبيض ، الأزرق .. ) .

 

الملاحظ أن هذه اللوحة التشكيلية و الأشكال الهندسية و الفنية التي تملأ فضاءها هي في حد ذاتها مقامات مجتمعة لاكتشاف حياة هذا الطائر و اكتشاف هذا الكون الفسيح ..

 

ظهر الغلاف

 

في ظهر الغلاف ، يكتب ادريس أمغار مسناوي الأبيات الزجلية التالية :

 

( ف حلقي كلمه واقفه

 

تقلب فين تحط

 

ف صدري طير مشدود

 

ف انفاسي يتخبط

 

ف كفي بحر

 

على الريح تايعيط )

 

في هذا المقطع الرائع الحكيم ، يمزج الزجال بين 3 أيقونات ( الكلمة ، الطير ، البحر ) ، و بهذا يلخص لنا في مقطعه كل مقامات ديوانه الزجلي ( مقام الطير ) عبر ايمان شيخ الضو بالكلمة الهادفة ( الزجل الحداثي ) و الروح – الطير المسافرة في كل بحار الحكمة و المعرفة و الانسانية و التصوف و الفلسفة و الأسطورة و غيرهم …

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

سفر في الكتابة

 

في كل أعماله الزجلية أو النقدية ، يخصص الزجال ادريس مسناوي حيزا هاما لعشقه للحرف و الكتابة ، فالكتابة عالمه الروحي و وسيلة للتحرر و العشق و الانفتاح و التسامح ، و الزجل هو الوسيلة المثلى لايصال أفكاره التي ينادي بها في مجموعة من التصريحات و الاصدارات ( سفر في السؤال و سؤال في السفر ، المستقبل ورثي … ) ، و لهذا اختار زجالنا الحكيم الزجل كلغة فكر و تواصل ..

 

بنبرة صوفية يقول الزجال في قصيدة ( طير النور ) :

 

( يا شبيهي ف لكتابه

 

اذا ضربت الخط

 

و خرجت لك الطريق الوسط

 

تعلا و على شوفتك حط

 

و اعرف أنك مقبل على انتقال

 

اذا وقف لك الخط ف الخط

 

و تصورت لك لشكال بحر بلا شط

 

اطلب ضميرك

 

حضر عقلك ف الحال )

 

الكتابه عنده تفجير و ثورة ، و في هذا الصدد يقول :

 

( اطلق سحور مدادك يا طيري

 

بق الستر

 

ياك السحر حللوه أهل الشعر ؟

 

اسحرنا … زد اسحر الصفحة 46 )

 

و بحسرة يقول :

 

( آح من حريق الكلمه و مرارة النغمه

 

أح على حلاوة الكلمه و سحر النغمه

 

آح من لون الكلمه و لوحة النغمه الصفحة 29 )

 

و يناشد الزجال الناس الى التعبير بواسطة الزجل قائلا :

 

( اكتب ، زجل ،

 

شطح لشباح العلويه

 

هز لرواح السفليه

 

موج لقبور المنسيه

 

احيي عظام لمدون

 

اشعل زين الطبيعه لون بلون

 

ابعث م الميت الحي و م الحي المدفون

 

مض اللسان ، مض الحرف ، مض لوتر الصفحة 46 و 47 )

 

و يخاطب شبيهه قائلا :

 

( اطلق لبخور

 

ياك الزجل من طيبة لعطور ؟

 

بخرنا ..

 

سحرنا ..

 

حيرنا ..

 

جذبنا ..

 

و ذا غبنا ف طاعة الحب

 

حضرنا وسط الضي نور الصفحة 56 )

 

الحرف يسكن الزجال ادريس مسناوي و يسكنه ، و كل وصاياه تدور حول الحرف و أهميته :

 

( يا تويمي

 

فور حرفك حتى يسبل

 

غرز ريشتك ف بياض الورقه

 

ما نقول لك سبع غرازي

 

ما نقول 12 بوح … الصفحة 51 )

 

و كذلك :

 

( لمداد حياة لحروف

 

لمداد حياة الحضاره

 

لمداد بلسم لجروح

 

م لمداد خلقنا شي من كل شي …

 

و اطلقنا سراح الروح

 

اكتب وسط النار

 

لكتابه وسط النار من كرامة المبدع المريوح

 

حط الحواس تحت طاعة الاراده

 

اكتب و اسم …

 

الحرف مادة ف طاقه و طاقه ف ماده

 

اللغة سلاح حضاري نقول شهاده الصفحة 52 )

 

 

 

شطحات صوفية

 

لقد أشرنا سابقا الى أن ديوان ( مقام الطير ) هو ديوان صوفي بامتياز ، ابتداء من العنوان و تقسيم الديوان الى أربع مقامات ( طير النور ، طير لمداد ، رماد العنقا ، الطير السمي ) ، اضافة الى الاستغلال الكثيف للمفاهيم و المصطلحات الصوفية بكثافة في كل قصائد الديوان .

 

( النور ) له مكانة هامة في أزجال سي ادريس مسناوي :

 

( باسم النور المداد المنير

 

مداد العين البزولة الجبح الفايضين نور

 

نور السبوله الفارقه نور الشجره الوارقه نور السحابه الباسقه

 

نور الطير البارق نور العقل الخارق نور الجسد الشارق

 

الشارق نار بالنوار نوار ف النوار نوار ع لنوار ….

 

لنوار المنشوره ف الكون المعمور

 

لنوار ف الكون المعمور

 

لنوار لمدبراني و لمدبره كل الأسوار

 

لنوار الساحره انا المسحور المجبور

 

لنوار الجذابه انا المجذوب المجرور

 

لنوار العروس انا العبد العاشق المأمور الصفحة 7 )

 

و( للظل ) مكانة كذلك في ( مقام الطير ) :

 

( قالي لي شبيهي : مال ظلي مال

 

على جنب الشقا حتى غوى ؟

 

قلت لتويمي : سال ريقك اللي سال

 

ف لخوا ع لخوا

 

تعرف ظلك باش دوى يبان الدوا

 

و تعرف علاش هواك هوى ف لهوا الصفحة 44 و 45 )

 

و ( الرؤيا ) موجودة كذلك :

 

( الرؤيا الى تعلا تعلا على ساس الصفحة 72 )

 

و كذلك نجد حيزا هاما ( للموت و الحياة ) :

 

( اللي فكر ف الموت يلقى الحياة كذوب

 

و اللي فكر ف الحياة يلقى الموت اكثر منها كذوب الصفحة 95 )

 

مفهوم ( الكشف ) هو كذلك موجود :

 

( يا شبيهتي فالكشف

 

خذي مراية بلا ريه ف شكل قرصه شمسية

 

خذي ما الورد و الزعفران الحر

 

كتبي آية الكشف مثينة

 

دخلي ف لمراية صورة قمرية الصفحة 34 )

 

( الماء ) هو الآخر حاضر بقوة :

 

( تحت الماء حفرت قبري

 

فوق الماء اجر اجر

 

منك يطلع شجري ….

 

يتفتح زهري

 

يطيب ثمري …

 

منك منك يسيل حبري

 

و فيك يخمر خمري الصفحة 88 )

 

و كذلك ( السفر ) موجود :

 

( السفر يا ميزان عيني

 

السفر يا عين ميزاني

 

خذني خذني لأبعد شط ف حلمي …

 

لأقرب نقطة ف كياني .. الصفحة 70 )

 

 

 

سفر في العشق

 

يتخذ العشق عند الزجال ادريس مسناوي عدة أشكال ، فهو عشق انساني حتى النخاع ، قد يأتي عبر حلم بعيد أو سحر و جمال أخاذ أو بوح عميق …

 

و في هذا الصدد يقول :

 

( يا خليلتي ف المحبه

 

خلي قلبك يكبر يكبر من جسدك

 

يكبر حتى يولي جسمك ف قلب كبدتك نقطة عسل .

 

خلي قريحتك ملتهبة لك و لأميرها .

 

خلي نار عطشك كاديه ف بيرها .

 

لا تطفي سعيرها ،

 

لا تخمدي زهيرها ،

 

لا تبردي جمرها ، الا بالمحبه الصفحة 35 )

 

و بهيام ، يقول مخاطبا دليله :

 

( يا دليلي ف الحلم فالك فال ،

 

باح لحلمي بسر المحال .

 

ياك أنا على سحر المحال تيهت البال ؟

 

دليني يا دليلتي على عمق السؤال ،

 

و ع الخيرات الفايضه من كفه شلال …

 

دليني على خط البيان و قرب الاتصال الصفحة 11 )

 

العشق كما قلنا عند أمغار الزجل المغرب ، هو سحر و جمال :

 

( السحر م الجمال ،

 

و الجمال من السحر .

 

السحر و الجمال خيوط السر المكنون . الصفحة 19 )

 

و يواصل بسحر :

 

( السحر مح الجمال

 

الجمال سحر العين و الخيال

 

اسحر … اسحرنا ف طاعة الحلال الصفحة 53 )

 

و كذلك :

 

( … السحر حق و له حقيقه ،

 

سحرك انت ابيض فايت العاده

 

ما دام تا يشرب من واد الحب الحب

 

ما دام تا يقرا طالع السعاده . الصفحة 53 )

 

و كذلك :

 

( اكتب حبك ف كتاب

 

علقه ف مهب السحاب

 

رش .. اسقي أناك و انساه الصفحة 28 )

 

سفر في الحياة و الموت و الانعتاق

 

هو سفر صوفي و بطعم فلسفي في القضايا الكبرى التي تؤرق الانسان و تجعله يتساءل دوما ..

 

السفر روح الزجال :

 

( كنا واحد من الطيور

 

المسكونين بنور السفر ،

 

سريت ف سري جهر .

 

تمعدن طيني

 

و المعنى ف دماغي ختر الصفحة 68 )

 

الموت عند الزجال حياة ، هو لا يهابه :

 

( اجري طوالك آلموت

 

انت آخر حرف ف سؤالي الصفحة 87 )

 

و كذلك :

 

( سعدات اللي مات

 

و خلى مكتبته ضاحكه جواهر

 

رحمات اللي راح

 

و خلى مرسمه بشجرات الحياة زاهر الصفحة 81 )

 

وفي اعتزاز بأهمية الكتابة ، يقول :

 

( الابداع كبير و كبير م الموت

 

و كبير من كل طاغي جبروت الصفحة 87 )

 

السفر ابحار صوفي في مراتب الكون :

 

( السفر يا ميزان عيني

 

السفر يا عين ميزاني

 

خذني خذني لأبعد شط ف حلمي …

 

لأقرب نقطة ف كياني الصفحة 70 )

 

سفر في أسئلة المعرفة و الحيرة

 

المعرفة عند ادريس مسناوي هي رأسماله الفكري ، فالزجال عبر تمكنه من أدواته المعرفية ( التاريخ و الأسطورة و الفلسفة و الشعر و غيره من الأجناس الأدبية ) و اطلاعه الواسع على ثقافات الشعوب ، يجعل منه زجالا كبيرا و حكيما .

 

يقول :

 

( سفينة الدماغ من جاج

 

ضوها فيض ف بحر الخيال أمواج

 

و الفيض فالسفر هداية لبراج .

 

برجك انت

 

من هياج لمداد هاج الصفحة 12 )

 

و كذلك :

 

( نطلع كامل ف جهلي

 

نهبط ناقص ف معرفتي

 

نعري على ذراعي ،

 

نطلق سيقاني نسعى النور

 

نجري بلا جناح نتخطى بحور الصفحة 22 )

 

الحيرة تسكن زجالنا القدير :

 

( يا شبيهي ف التأمل

 

شهوتك للخلق ملتهبه لطايف

 

حروف الزين جذبتك

 

مثل البرق الخاطف

 

من جناح قلبك هزتك الصفحة 13 )

 

و كذلك :

 

( العقل تايدبر .

 

العين تاتصور

 

القلب ف كتاب الكون

 

تايرتب بيته شطر شطر ،

 

الوجدان تايملي السر .

 

الذوق من السحر

 

تايبدع فنون السحر الصفحة 21 )

 

و بحيرة :

 

( روحي ملتهبه ، نفسي معذبه .

 

مسقوم ،

 

سقامي ما يعالجوه لا طلبه و لا أطبه .

 

مسحور ،

 

سحوري ما يفسخه لا حرمل و لا شبه .

 

مملوك ،

 

مالكني حرف عفريت

 

مسكون ،

 

ساكنني كلمه ذايبه ف قنديل روحي زيت .

 

اشعلني .. الصفحة 40 )

 

و كذلك :

 

( دليني يادليلتي على عمق السؤال

 

و على الخيرات الفايضه من كفه شلال

 

دليني على خط البيان و قرب الاتصال

 

دليني على خيط زلال شارق هلال

 

دليني على باب الخيال ف متاهة لدغال

 

دليني على حسن الحال ف خريطة لحوال

 

دليني على مركب الانتقال من حال لحال

 

دليني على راس الدرجات ذاك المقام الجلال

 

دليني على سر بلوغ الأمل فالسحر الحلال … الصفحة 11 )

 

و كذلك :

 

( يا شبيهتي ف الحيره

 

مديني برقة الكلمه النايره ،

 

ندرك الصوره و هي طالعه دايره .

 

مديني بالسر

 

نشوف روح النور و نور الروح سايره .

 

نحس … نلمس ذاتي على جناح النور طايره .

 

نجمع انوار بصايري الحايره . الصفحة 27 )

 

 

 

خاتمة

 

يمكن القول و بكل يقين و جزم أن قصيدة سي ادريس أمغار مسناوي الزجلية هي ، كما يقول الأستاذ عبد الناصر لقاح : ( قصيدة عالمة أو مثقفة ) ، فعلا نحن أمام قصيدة حداثية تختزل التراث و التاريخ و الأسطورة و المثل الشعبي و غيره ، بينما يؤكد الأستاذ الباحث محمد داني في كتابه ( فن الزجل من خلال زجليات ادريس أمغار مسناوي ) ما يلي : ( و الكتابة عنده – يقصد ادريس مسناوي – وجود ، و خلق .. و من ثم فانه ينحى في زجلياته منحى صوفيا تجربة و استلهاما .. الصفحة 51 ) ..

 

فعلا نحن أمام زجال من العيار الثقيل و الذي أعطى للزجل المغربي قيمة كبيرة و طعمه بفكر روحي و فلفي عميق ، و جعله بالتالي زجلا راقيا جميلا …

 

بالنسبة لديوان ( مقام الطير ) الزجلي ، يصعب الاحاطة و الالمام بكل جوانبه و تيماته و أفكاره ، لأنه ديوان متكامل غني بالدلالات و الاشارات الصوفية العميقة و ينهل من كل الثقافات العالمية .

 

مجدالدين سعودي

 

كاتب و اعلامي و ناقد مغربي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : مجد الدين سعودي

كاتب واعلامي ناقد مغربي   / أكادير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق