أضيف في 9 شتنبر 2017 الساعة 13:40

أيام الانتظار


المصطفى سالمي

بدأت الحركة تدب في المحطة الصغيرة رويدا رويدا ، ووجد بائع التذاكر نفسَه يمني الذات بمكاسب يوم جديد. حمل أوراق التذاكر، وانطلقت عملية الجيئة والذهاب في ممر الحافلة. لقد أمضى عقدين من الزمن في هذا العمل كموزع للتذاكر بعد أن جرب عشرات المهن والحرف. توزع في أرجاء الحافلة في هذا الصباح الباكر بضعة أفراد تناثروا على الكراسي البئيسة، وعما قريب تنطلق الحافلة باتجاه مدينة البيضاء. وفي طريقها تمر ببلدة مطران.

ووجد نفسه يسب ويلعن قدره، تناول سيجارة وسبحت به مخيلته نحو الطريق المتآكلة ونقط الدرك.. أحس أن العالم كله يعانده. وفجأة تذكر أمسه القريب، لقد أصبحت سيارات الأجرة الكبيرة أيضا تدخل على الخط وتقف في إحدى نقط توقف الحافلة وسط مدينة سيدي بنور بجانب مقهى الأميرة. السائقون أعداؤه اللذوذون يسرقون زبائنه، وخاصة المدرسين بالقرى النائية. لابد أن ينتقم، لقد عاين حالة بالأمس ترى هل تتكرر اليوم ؟ واستيقظ من غيبوبته ليجد نفسه أمام مقهى الأميرة حيث مجموعة من المدرسين ينتظرون أمام بناية أنيقة.

"تُرى إلى متى هذا الانتظار اللعين ؟" ردد (حميد) مع نفسه. حياته كلها انتظار، طابور في الجامعة أمام مطعم الحي الجامعي وطابور انتظار أمام شباك المنحة الهزيلة أثناء الدراسة بالكلية، وانتظار عمل وانتظار انتقال للحاضرة، وانتظار ترقية متأخرة. كان يقول مع نفسه: "إن بائع الجوارب أفضل من هذه الحياة المتعبة". وها هو الشهر يتمطط وأسبوعه الأخير لا يريد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. البقال ينتظر وإيجار البيت ينتظر . وفجأة أطلت حافلة "الفهد" في هذا الصباح المتجمد، وأطلق صاحبها العنان للمنبه معلنا مقدمه.

توقفت الحافلة لينزل أخيرا وجه مقطب عابس متوعدا بالشر، وقف بائع التذاكر قبالة المدرسين صائحا: " أين سائق سيارة الأجرة ؟". أقبل هؤلاء نحو درج الحافلة، فامتدت يد تعلن استحالة الصعود. تدفق الدم إلى رأس (حميد) بسرعة البرق معلنا حالة الطوارئ، بدأ التدافع ، لم يفهم الرفاق شيئا، حاول (عبد الوهاب) ثني حميد عن أي نزاع أو عراك غير محمود العواقب. كان (حميد) يرى كرامته فوق أي عمل بات أشبه بالعبث، كادت يده تمتد إلى عنق الرجل الذي توارى إلى الخلف. اندفع الجميع إلى داخل الحافلة، ولم يجد حامل التذاكر لدفع الحرج إلا أن يعلن بتصميم : "إن الثمن هو ثمانية دراهم للتذكرة بدل خمسة دراهم. هذا هو القانون "، كان (حميد) أكثر حزما وهو يردد : " تريد القانون ؟ هيا إلى رجال الدرك لتنال ما تدعيه". أحس الرجل بالمؤامرة تحبك، تدخل بعض الركاب ليهدئوا الوضع. كان كل من في الحافلة يحمل على أكتافه قهر السنين، ووطأة الأيام وكان بود كل واحد لو ينفجر في الآخرين، لكن يدا قوية كانت تكتم على أنفاس الجميع مؤجلة كارثة تنتظر. جلس بائع التذاكر وحيدا وأرسل مساعده لينوب عنه في مهمته، استل من جيبه سيجارة، دخن بعمق، وتذكر ولدين له في المدرسة، دون شك هما في انتظار المدرس. ماذا فعل بربّه في هذا اليوم ؟! اختلطت الأفكار في ذهنه. ولم يدر إلا والحافلة تتوقف في بلدة صغيرة اسمها "مطران ". نزل المدرسون . تقدم (عبد الوهاب) نحوه قائلا: "ماذا تربح يا هذا إذا تأخرنا عن صغار ينتظرون في البرد القارس مدرسهم ليدخلهم إلى الفصل؟". نفذت الكلمات إلى داخله . وفجأة أطل عليه وجه (حميد) قائلا: "الله يسامحك يا رجل، ما كنت أظن أن عقلك بهذا الصغر حتى تمارس علينا تمييزا لا معنى له" تردد الرجل في الرد. وكاد يعود لعناده. ولكن أعماقه جرته إلى الخضوع لقوة داخلية غريبة، ليجذب نحوه من كان منذ قليل خصمه مقبلا رأسه طالبا المعذرة. تعانق الرجلان، وإذا بأثقال الأيام والزمان تتسرب بينهما كالملح الذائب، قفز بائع التذاكر بخفة وقد أحس بأيام الشباب تعود إليه، بينما عادت الابتسامة لوجه حميد لتحل محل امتقاع وشحوب داما مدة رحلة بين مقهى الأميرة ومقر عمله.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


تعليقاتكم

1- مقدرة السرد القصصي

العربي الرودالي

حبكة نص القصة القصيرة هنا،أدارت بفنية كبيرة حلبة الصراع من أجل القوت اليومي والمسؤولية المناطة بأرباب ألأسر الفقيرة، والذين يصارعون زمنهم، وخاصة المتنافسين بعناد كبير... سوسيولوجيا هي ظاهرة معتادة في حالة هذه المهن التي يلعب فيها العراك المثير للشنآن دوره، من أجل "رزق" غير مضمون، هو أصلا في مهب الريح...لقد نقلتنا الأخ المبدع السي مصطفى سالمي، إلى هذه الحلبة التي تغلي مراجلها عادة بين المدن الصغيرة وقراها، وكأن ذلك هو عبارة عن شريط وثائقي، فني ومؤثث

في 09 شتنبر 2017 الساعة 17 : 23

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق