أضيف في 8 شتنبر 2017 الساعة 21:50

وردة قطار شائكة


رشيد اليملولي

وردة قطار شائكة .

أحمل حقيبتي ،عفوا أجرها موليا وجهتي شطر محطة القطار بمكناس ، أهفو لملاقاة نسمة بحر وصفاء موج و خرير مياه ثائرة ، علها تجود بما يطفئ حرارة ضغط نفسي و اجتماعي جراء أمراض تحوطنا من كل جانب .

أجر حقيبتي ومعها ذاكرتي ، توصلني إلى عوالم شتى .

تسعدني و تحزنني ، تبكيني وتضحكني ، و الأجمل أنها تظل شامخة تأبى النسيان .

الطريق إلى المحطة صور لمعاني لن تجدها إلا ملقاة على الطريق تنبئ عن ذهنية علاها الصدأ و عتورتها أيام الوعي الزائف و الحداثة الفجة .

سيارات يعلو صفيرها لمجرد التجاوز ، و أزبال متطايرة تزكم الأنف ، و عمارات تخاصم الجمال و تستعبد العين و ترديها أحجارا و آجرا لا عنوان له سوى الإسكان بغرض الإسكان .

جاهلية بعنوان حداثي ، إسكان الإنسان في بيت يقيه الحر و البرد و يقتله و جمالا و ذوقا و رمزا .

حركة لا عنوان لها ؛ مقاهي تعلو المكان و أشجار هجرت قسرا تندب حظها الأنكد ، وقطرات ماء تتعالى في نافورات أعياها الإهمال ، عليها أن تظل صامدة من أجل مجال أخضر ، عفوا مجال بلقع يباب .

وسرعان ما وصلت المحطة ، ألج بهوها و أنتظر دوري ، صورة تنظيمية وشكل هندسي وبرودة خففت من ألم صورة بل و صور احتفظت بها الذاكرة و هي في طريقها إلى المحطة .

خبا هذا الأمل على شريط يكرر كل مرة يممت وجهي صوب القطار للسفر ، إنه صوت ناعم لفتاة لا تتردد و لا تمل و لا تكل من : القطار القادم من فاس و المتوجه إلى سيدي قاسم و سيدي سليمان و القنيطرة و .....و ...............سيتأخر .

بمجرد اقتناء الذاكرة و دخول رصيف المحطة ، الصوت الجميل بكلامه القبيح يجتاح المكان :

القطار القادم من .............و المتوجه إلى ......و.............. سيتأخر خمسة و أربعين دقيقة .

الذاكرة تستعيد ماضيها الحافل ، و بالنغمة المعهودة .

يخرج رئيس المحطة ، يتبعه بعض أعوانه و فتيات في غنج قل نظيره ، محملين بالورود و قارورات الماء المعدني و قطع نقدية .

في صورة معبرة توزع الفتيات الورد و قارورات الماء و قطع نقدية من فئة عشر دراهم .

يستمر القطار في التأخر و يصر الورد على الذبول ، ويسخن الماء و قطار بلادي لا يأتي ، و إن جاء فمن أجل العربات و الدراهم المعدودات و ليس الإنسان .

و أعود إلى ذاكرتي محملا إياها وجعا من أوجاع الإنسان في وطني .

يموت الإنسان ألف مرة في وطني ، و يبقى القطار شامخا في تأخره .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق