أضيف في 5 شتنبر 2017 الساعة 18:34

مقهى و هاتف و كتاب


رشيد اليملولي

مقهى و هاتف و كتاب .


أن تجلس في مقهى معناه أن تمارس طقسا اجتماعيا من دون روح واعية ، و أن تعبد الطريق لتزجية الوقت تحت العديد من المبررات التي تتخذ أحيانا كثيرة عند البعض صفة الاقتناع ، و معاقرة التخمة في الكلام المجاني و الهامشي أو ما سمي عند فرنسيس بيكون وهم السوق ـ طبعا لا نصادر الحق في إضفاء المعنى الثقافي و العلمي عند البعض في جلسات المقهى ـ ، و غالبا ما تتحول الجلسة إلى استعراض الإنجازات الشخصية ، و رسم البطولة في شتى المجالات الفنية منها و الرياضية و السياسية ، و أحيانا قليلة في المجال الاقتصادي ، و في القضايا الوطنية و الدولية ، المهم أن النقاش العابر و الأفقي يكون سيد الموقف ، و سرعان ما ينقطع البث و يتحول وهم التواصل من الكلمة إلى الصورة و التعبير الالكتروني عبر الفايس و الواتساب .


الجماعة الجالسة بقدرة قادر ينتقل ضجيجها و أصواتها المتعالية إلى عبادة بالأصابع ، خلوة مع الهاتف و تركيز عالي نحو عالم المستجدات في الإشاعة و الصور و الأخبار العابرة التي تشكل " البوز" ، و الطرائف الفكاهية التي تصل إلى التشهير ، و من الشكل الاجتماعي للجلسة نعبر إلى العولمة التقنية بما هي تدعيم خاص للفردانية و للعزلة ، و إن بدا أن الصور التي يتم تقاسمها تخترق الحدود و تجتاز الأوطان ، إذ تغيب الإشارة و الإيماءة و كل الصيغ المعبرة عن التواصل الرمزي و اللامادي . و تحضر فقط الأجساد النابعة من مجال أصبح يفرض منطقه و أسلوبه في بيع وهم التواصل ، و لا غرابة أن تتفنن المقاهي في توفير الخدمات المرتبطة بعالم التواصل الالكتروني ، و تحبذ هذا المنحى لزائريها بزيادة الصبيب ، و توفير ما يلزم من الشطحات الكروية اليومية و الآنية و الأسبوعية .


لقد أضحى الهاتف و المقهى وسائل تربوية لتعميق الأزمة و إنتاج الأجيال بقصد جنائي بغرض الاستهلاك خارج أي مسعى لبناء الإنسانية و القيم النبيلة المتعلقة بها ، بل أصبح الهم ترسيخ أزمة الانتماء إلى الذات و تعطيل الارتباط بها ، عن طريق تحقيرها و تسفيه الرؤية إليها ، حيث غدت أيقونة تجارية و رسما إشهاريا يعبد الاستهلاك و ينثر قيمه و كراماته ،فلا المقهى توفر الراحة الترفيهية المبشر بها ، و لا الهاتف يؤسس لتواصل بناء ، فيه الفكرة و الرسالة الهادفة و الساعية إلى أفق دال و منتج للمعنى و القيمة .


لقد تحولت الجلسة في المقهى و في العائلة و المنزل و الشارع إلى فضاءات للتباهي بالصورة ( نوع الهاتف ) ، و الأشكال التقنية المتطورة التي تنطوي عليها ، و غدت العلاقات الاجتماعية وفق هذا المنحى أشبه بعلاقات ديبلوماسية يتم الإبقاء عليها ، و في أحسن الأحوال تدعيمها ب " أحب " و " أعلق " و "أتقاسم " ، الدال في هذه الأزمة ليس استعمال التقنية المرتبطة بالهاتف ن و لكن بالأثر و الامتدادات الناتجة عنها ، و لتوضيح ذلك أسرد تجربة عشتها خلال صيف هذه السنة .


حين أهم بالذهاب إلى إحدى المقاهي المفضلة لدي بغاية لقاء بعض الأصدقاء ، و تجاذب أطراف الحديث ـ طبعا الغث و السمين ـ ، و ارتشاف كأس شاي " منعنع " ، أحمل معي كتابا للقراءة حتى أتجنب الفراغ الذي أصادفه إن غابوا أو حال مانع من حضورهم ، و حتى أستغل الوقت إذا جد طارئ أو مستجد ، لكن حين يؤذن المؤذن معلنا دخول وقت الصلاة ، أترك الكتاب و أحمل الهاتف و في أحسن الأحوال أترك هذا الهاتف عند من لا يصلي من الجلساء أو النادل ، بينما أترك الكتاب في الكرسي المخصص للجلوس ، و أثناء العودة أسترد الهاتف أو أغراضا أخرى ، في وقت أجد الكتاب في مكانه جالسا لا و لن يحركه أحد ، و النتيجة الخوف على الهاتف من الضياع أو السرقة لا يوازيه الخوف على الكتاب لسبب بسيط هو أن القراءة رمز للتخلف و تكتسي معنى تراثيا و ماضويا ، و هذا بيت القصيد ؛ قيم القراءة و المطالعة بغاية الوعي و بناء الأفكار و التصورات و القيم الرمزية ، لا تكتسي ذلك البعد أمام حضارة الهاتف الجارفة بما هي حضارة تسلية و ترفيه و أحيانا صورة اجتماعية لمركز اجتماعي ، و المهم الصورة وليس الفكرة ، و الغريب أن سرقة الكتاب لا يعاقب عليها إذا كان الهدف نبيلا ، أما سرقة الهاتف أو انتشاله تحت أي مبرر فهي سرقة موصوفة كاملة الأركان . لذلك صدق من قال :الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها ، و أمتنا فعلا ميتة و بأثر رجعي .


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب