أضيف في 5 شتنبر 2017 الساعة 01:15

الثورة تقتضي فهم العلاقة بين الدين والفلسفة


أبو يعرب المرزوقي

بعد تفكير ملي تبينت لي علة مواقف الكثير ممن ينتسبون للهم الفلسفي أو للهم الديني. فكل منهما يعيب علي ما يجعله ينسبني إلى ضديده. محقان في الظاهر.
ومما يترتب على ذلك سياسيا أن العلماني يحسبني إسلاميا والإسلامي يحسبني علمانيا. فيبدو كلاهما محقا في الحالتين. كيف أشرح هذه الأحكام المتضادة؟
وفي الحقيقة فالأمر لا علاقة له بي شخصيا حتى وإن تعينت الأحكام والتهم متوجهة إلي ظرفيا. ذلك أن الأمر كله ذو صلة بفهم علاقة الدين بالفلسفة.
وأكثر من ذلك ففهم علاقة الدين بالفلسفة ليست صاحبه بل ربما محييه. فهو أهم مشاكل الفلسفة والدين منذ بداية التاريخ المكتوب: كل الوثائق تشير إليه.
الدليل أن مؤرخي الفلسفة يجعلون بدايتها قطيعة مع ما يشبه الأديان من فكر الإنسان فيقابلون بين الميثولوجي والعقلي معتبرين الثاني هو الفلسفة.
ولذلك تسمع الكثير ممن لم يتجاوز تفلسفهم كليشيهات الفلسفة يرددون “ميتوس -لوجوس” وهم لا يدرون أن الفلسفة الحديثة حداثتها هي تجاوز هذه الخرافة.
لذلك فنفيي تعلق الأمر بي لا يحررني من ضرورة علاجه فهو مشكل حقيقي لا بد من علاجه لضرورته في تكوين شباب سيقود ثورة ذات عمق فكري جامع بينهما.
فلا فكر من دون الجمع بين الدين والفلسفة. فهذه تسمو من الطبيعي إلى ما فوقه وذاك ينزل مما بعد الطبيعي إلى ما دونه: فيلتقيان في بؤرة الحركتين.
وبؤرة الحركتين الصاعدة (الفلسفة) والنازلة (الدين) هي الإنسان وتاريخه الروحي والسياسي: وهذه البؤرة هي جوهر الحبكة القرآنية إن صح التعبير.
مفهوم “الحبكة” يستعمل عادة في الرواية الأدبية. والرواية الأدبية كما حددتها سابقا في الشعر المطلق تجمع بين النسقية الرياضية والنسقية الفنية.
وقد بينت في محاضرتي حول أسلوبي القرآن الكريم للقطع مع الظرف التاريخي والسوابق النصية ليبدع واقعا ونصا جديدا لمشروع مستقبلي متجاوز للماضي.
وفيها بشكلها الأكاديمي بينت تجاوز القطع اليوناني بين الفلسفي والميثولوجي. فابن خلدون نقلها مما بعد الطبيعة إلى ما بعد التاريخ أو الاخلاق.
وبهذه النقلة بدأت الفلسفة الحديثة التي لم تنتظر ديكارت ولا كنط بل حققتها المدرسة التي سميتها النقدية العربية: الغزالي وابن تيمية وابن خلدون.
وبهذا بدأت المعركة ضدي لأني اعتبرت كافرا بالرواية الغربية لتاريخ الفلسفة والدين وخرافة المعجزتين اليونانية والأوروبية.
كتابي حول السببية عند الغزالي وكتاب الابستمولوجيا البديل أثبت فيهما وهاء اسطورة المعجزتين الأوروبية واليونانية: التفسير بالإعجاز دليل كذب.
فبالأبستمولوجيا البديل بين أن الفلسفة اليونانية ليست ثمرة معجزة بل هي ثمرة عودة على ما تقدم عليها عند البابليين والمصريين: بالأدلة الدامغة.
ومفهوم السببية عند الغزالي بين سوء الفهم في علاقة ابن رشد بالحداثة وإظهار دور المدرسة النقدية فيها بصورة جلية تدحض سخافة اليسار الرشدي.
وهذا كاف فيما يتعلق بي. فلنعد إلى المسألة في ذاتها: ما الذي يجعل الدين والفلسفة متلازمين تلازما جوهريا لهما كليهما؟ الآن تبدأ المغلقات.
وأولها: ما العلة في العداء الظاهر والطاغي على علاقتهما وعلاقة من يتعاطوهما في كل مراحل التاريخ البشري؟ هل هي تقابل الحركتين نزولا وصعودا؟
وثانية المغلقات: كيف فسر الفلاسفة علاقة الديني بالسياسي عامة وعلاقة كل دين معين في فلسفة عصره المعين مثلا فلاسفتنا في الوحي والنبوة؟
وثالثة المغلقات: ما موقف الفلاسفة ورجال الدين من علاقة العلوم التي تتفرع عن الدين بالعلوم التي تتفرع عن الفلسفة؟ هل كان لهم رؤية واضحة؟
ورابعة المغلقات: هل الفكر الفلسفي له نظير المقابلة بين الدنيوي والأخروي أم هي خاصة بالفكر الديني والميثولويجي كما يظن أنصاف المثقفين؟
وآخرة المغلقات وهي مطلبي: ألا يمكن فلسفيا اكتشاف طبيعة العلاقة وأساسها الجوهري الواحد في الفلسفة الدين على حد سواء وبنفس العلة والوظيفة؟
ولذلك سأكتفي بالمغلقة الأخيرة لأنها هي بيت القصد في مسالة العلاقة بين الدين الفلسفة. ما الذي يجعل الدين والفلسفة متلازمين ولو عدائيا؟
وسأبدأ باستعارة: يوجد شبه تزاوج أو تطبيق لمبدأ الزوجية في المعرفة الإنسانية وهو مختلف عما سماه ابن رشد اخوة الرضاع. والاختلاف لعلتين.
أخوة الرضاع ليست طبيعية بل هي شرعية بالمقابل مع اخوة الرحم. وثانيا لأنها بنت الصدف إذ قد يرضع أحد مرضعة م أو م1 أو م3 دون علاقة ضرورية.
لكن العلاقة التي نبحث فيها علاقة طبيعية وليست بنت الصدف. هي إذن من مؤيدات مبدأ الزوجية القرآني في كل مخلوق لأن الوحدة منحصرة في الخالق.
ما الذي يعد بالضرورة زوجيا في كل إبداع إنساني متعلق بإدراك الموجود والمنشود-والإدراك الديني والإدراك الفلسفي-فيكون من ثم علة التلازم؟
وهذا الشيء المؤسس لضرورة التلازم ينبغي أن يكون موجودا في الموضوع والذات لعملية الإدراك: إنه مادة الموضوع وصورته وحدس الذات للعلاقة وصوغها.
فماذا نلاحظ في تاريخ العلاقة وليكن مثالنا المرحلة الإسلامية ومن تاريخها:
1- الإدراك الديني مدين للفلسفة بصورة قول الوجود أو العلوم المساعدة
2- ونلاحظ الدين المقابل: الفلسفة مدينة للدين بما وراء صورة الموجود أي بتمنع مادة الموجود على التصوير أو بما في الموجود من منشود متعال عليه.
وحتى أبسط، فلأقل إن ما تدين به الفلسفة للدين هو مادة الموجود أو مضمونه وما يدين الدين للفلسفة هو صورة الموجود أو شكله: علاقة الشكل بالمضمون.
ولا يهم إذا كان المضمون مستمدا من التجربة الحسية أو من التجربة الوجدانية: كلاهما متعال على التصوير العقلي في كل معرفة عقلية كانت أو دينية.
واكتشاف هذا السر ندين به لأعلام المدرسة النقدية: الغزالي وابن تيمية وابن خلدون. ولا بأس هنا من ذكر دوري: اكتشفت ما لا أحد منهم قاله صراحة.
وهو سر دفين وخبء عظيم به ندرك هذا التلاحم الدائم بين الدين والفلسفة ونتكشف بخلاف الآراء المسبقة: رؤية الدين يتقدم فيها المادي على الصوري.
والمادة هنا لا تعني الطينة التي تحتقرها الفلسفة والكلام بل هي تعني كم المدد في الموجود أو ما به يكون يوجد الموجود ويتعين وراء ظاهر الصورة.
وكم المدد هو أيضا مقدار المدة في حياة كل موجود وهو ما يمتنع تصويره لأنه في نسبة الإنية أو التعين العددي إلى الماهية أو الصورة النوعية.
فالعين أو المشار إليه ليس ماهية فحسب بل هو ماهية مأتننة أو متعنية فرديا ذات قيام يشار إليه في كم من المكان ومقدار من الزمان لا شركة فيهما.
أعلم أن هذه المعاني الدقيقة ليس محلها مواقع التواصل الاجتماعي. لكن الشباب الذي سيقود الاستئناف يحتاج إليها عاجلا: لتتحرر أمة القرآن من القيادات الأمية.
والأمية هي ثمرة الحرب بين الدين والفلسفة. فإذا بينت طبيعة العلاقة بينهما أكون قد بينت أنه لا يوجد علم ديني بلا فلسفة ولا علم فلسفي بلا دين.
الصراع بين سلطان محرفي الدين وسلطان محرفي الفلسفة-الكاريكاتوران-هو علة تخلف الأمة وانحطاطها فيهما معا: علوم الدنيا وعلوم الآخرة متلازمان.
ولا شيء يقتلني ضحكا أكثر من المقابلة بين النقلي والعقلي. إنها أكبر دليل على جهل القائل بها: كل علم مضمونه نقلي وشكله عقلي دينيا كان أو فلسفيا.
فحتى أكثر العلوم ابتعادا عن المضمون التجريبي -الرياضيات-فلا بد له من مضمون يصبح نقليا بعد أن يكون قد ابتدعه ليكون مادة فكره خلال الأكسمة.
وحينها يكون النقل دالا على خضوع العقل لموضوع صار مستقلا عنه وبه يقاس ما يستنتجه منه أي إن صاحب الوضع الأكسيومي يبدع المضمون نظير الأديب.
وبهذا المعنى فالقرآن يستعمل أسلوب الرياضي وأسلوب الأديب فيبدع الأكسمة المفهومية والأكسمة الدرامية: الأولى شرط حجاجه والثاني شرط أمثاله.
ولما كان الحجاج لا يكون إلا صوريا احتاج إلى ضرب الأمثال التي تمكن من إدراك العيني في المشاهد شبه المسرحية تقول نفس ما يقوله الحجاج بتعيين.
وهو ما أرد إليه الاعجاز القرآن من حيث فن التبليغ وهو من جنس الاعجاز الذي يعتمده في الاستدلال: المعجز القرآني هو النظام وليس خرقه بخلاف غيره.
اعتقد أن هذا كاف لأن الغوص فيما ورائه سيجعل أعشار المثقفين يذهبون إلى مناكفات الفكر المنحط الذي كاد يضيع فاعلية القرآن بجعله حكما شعبية.
فالدعاة وخاصة الجدد منهم الذين هم دون استثناء تجار يوظفون الدين والفلسفة. فهم أول من سيثور لحماية سوقهم النافقة والمنافقة خدمة للاستبداد
وهوما يمكن من فهم قصدي بأن الكهنوت العربي الحالي مضاعف: تكنيس الإسلام التقليدي وتكنيس الحداثة التقليدية لتأبيد الانحطاط ضد ثورة الاستئناف.
….


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أبو يعرب المرزوقي

مفكر   / , تونس


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق