أضيف في 29 غشت 2017 الساعة 11:33

انحدار مأساوي


المصطفى سالمي

انطلقت السيارة بأقسى سرعة على الطريق السيار، كان (شعيب) خلف المقود يتجاوز سيارات أخرى وشاحنات وحافلات، منذ عقدين من الزمن لم تكن هذه الطريق الأنيقة موجودة، كانت مجرد طريق عادية يصعب في إطارها التجاوز السهل المريح، حقا أصبحت البنية التحتية في بلده أمرا يسعد النفوس، لكن هذه النفوس ذاتها تؤرقها أزمات أخرى لا يمكن للبريق أن يغطي عليها، أدار (شعيب) زر المذياع فانطلقت موسيقى عذبة، ربما تؤنس وحشة الطريق وطولها وهو يتجه نحو الشمال المغربي، لقد تحققت عديد المكاسب في البنيان والحجر، لا ينكر ذلك إلا جاحد، لكن إنسان بلاده تحاصره أسئلة كبرى، لم يدر (شعيب) هل هي أزمة مسؤولين فاسدين، أو أزمة قيم شاملة لا يُستثنى منها الشعب ذاته، لقد أمضى صاحبنا زهرة عمره في البلاد الأجنبية، مرت سنوات من الكدح ببلاد المهجر، وما زال يتردد في المناسبات الكبرى على وطنه، لم يترك (شعيب) للقسوة أو للأحقاد أن تستبد به وهو الحاصل على شهادات عليا، لقد نحت في الصخر وانطلق من خط بداية جديد، إنه مؤمن أن تعليمه وإن لم تنفعه فيه الشهادات العليا، فقد نفعته اللغات الحية والثقافة وحسن إدارة الأمور، وهي أمور لا يستطيع إنكار دور المدرسة في صقلها وتطويرها، لكن إخوة له يلحون عليه باستمرار أن يساعدهم في الالتحاق به في الديار الأوربية، وعبثا يحاول إقناعهم بأن مهمتهم الحقيقية هي استكمال دراستهم، ففي الغرب أزمات اقتصادية حقيقية، هم يريدون اختصار الطريق وعدم التعب في تحصيل أي شيء، لقد كان في صغره يشتغل في مهن مختلفة لتدبر لوازم الدراسة، أما هذا الجيل فثقافة العمل اليدوي والكدح والكفاح معدومة عنده، وما زاد الطين بلة هو أن إخوته يريدون بيع الأرض الفلاحية التي تركها الوالد، إنهم يريدون مشاريع خاصة بهم، لم يدر (شعيب) سر هذا التحول الكبير في مفاهيم الناس واعتقاداتهم في هذه البلاد الطيبة، لقد اكتشف أن النظرة له تغيرت عن كل ما سبق، أصبح يبدو لهم كمحفظة نقود متنقلة، ما عاد يحس بمشاعر دافئة منهم البتة، تمنى أن يكون هذا مجرد وهم كاذب، أحيانا يتخيل ذاته كأنه واحد من شخصيات أهل الكهف، عاد به القدر ليرميه في زمن غير زمنه الحقيقي، وبين ناس غير الناس الذين عرفهم وعاشرهم، سنوات معدودات تغير فيها كل شيء، حتى الغرب المادي لا يقدس المادة كما أصبح يقدسها أبناء بلده، ترى هل هي منظومة التعليم فسدت، أم بنية الأسرة اختلت، أو هي عدوى شريرة استنشقها الناس أو ربما شربوها مع مشربهم، أو التهموها مع مأكلهم، فالتهمتهم.. إنه التحول الكبير.

ها هي سيارات تتجاوزه بسرعة فوق المسموح بها في هذه الطريق السيار، وبين الفينة والأخرى تنطلق منبهات دون داع، إلا من آفة لفت الأنظار، هي دون شك عقليات جديدة صاعدة لا تبشر بالخير، الحمد لله أن مقامه قصير يوشك على النفاذ، لقد أمضى مع العائلة مناسبة عيد الضحى، وها هو في طريق العودة إلى بلاد العمل والانضباط، مخيلته طافحة بسلوكيات أبناء بلده مما هو مستجد عليهم، مصائب اجتماعية بالجملة، تخيل (شعيب) أن يسمح ببيع الأسلحة النارية هنا كما هو الحاصل في الغرب، دون شك ستتحول الأحياء والساحات والأسواق إلى ميادين قتال وانتقام حقيقي، هل تراها الأحقاد الدفينة أم هو القهر والمهانة تبحث لها عن تجليات، أم هي الحرية غير المعهودة كما يردد بعضهم، أم هي نوازع شريرة استبدت بالناس الذين كانوا طيبين منذ أمد ليس بالبعيد، حتى في زمنه ـ قبل تجربة الهجرة السرية ـ كان هناك كبت وقهر وفقر أكبر، وتسلط للكبار سلطة وسنا ومعرفة.. ولكنه وجيله لم يقع منهم تنكر وانفلات وتمرد على كل شيء كما الحاصل الآن، جماعات هنا وهناك من حليقي الرؤوس مطليي الأجساد بالوشم حاملي السكاكين والسيوف يشكلون فتوات ويفرضون الأتاوات، وطوائف أخرى لا تنتج سلعا ولا تمتهن مهنا أو صناعات، إنهم عصابات من السماسرة، يتاجرون في البشر، بنفس مهارة وحذق المتاجرة في الغنم والبقر، وغلات الأرض والشجر، وآخرون يتاجرون برمال شواطئ الوطن، أو يحتكرون مساحات وقوف السيارات، بعضهم يتوسطون لمن يؤجر محلات الاصطياف فيربح في اليوم أكثر مما يربح صاحب العقار في شهر كامل، والبعض يتاجر في الخادمات كما يتاجر في الذمم، أو يبيع شهادات مزورة في ردهات المحاكم وحسب الطلب وآخرون يتاجرون في الأعراض.. وطن في المزاد، وربما هؤلاء مجرد واجهة لما يعتمل داخل رقعة جغرافية أصبحت تشبه الغابة، فالسماسرة الكبار لعبتهم هي ثروات في أعماق البر والبحر.

كان الخط الأبيض المتقطع يتلاشى تحت بصر (شعيب) بفعل السرعة الجنونية التي وجد نفسه ينساق إليها، كأنما هو يفر من حمولة قاسية تطارده، خفف قليلا من الإيقاع المتسارع، وطرد الهواجس السلبية، عادة كان يعود لأوروبا والشوق والحنين يشدانه نحو وطنه، لكن الوقائع القاتمة الكئيبة البئيسة جعلته هذه المرة يرضى بالغربة طائعا، الناس في وطنه لا يترددون في التهام بعضهم البعض دون شفقة أو رحمة، منذ وطئت قدماه أرض الوطن هذا الصيف وحوادث الاعتداء والسرقة والاغتصاب والدم لا تتوقف..

أصبحت المناظر الطبيعية تزداد بهاء وجمالا كلما طوى المسافات باتجاه الشمال، رددت أعماق (شعيب):

ـ لا شك أن جمالا حقيقيا يكمن داخل نفوس تقطن وسط هذا الجمال الطبيعي، لكن عوامل طارئة دون ريب عبثت ببهاء النفوس كما يعبث الخريف أو الجفاف الظرفي بحسن الطبيعة..!

كان هذا الإحساس بمثابة العزاء الذي خفف من آلام وحسرة شعيب على واقع لا يمكن للمرء إزاءه اللف أو الدوران، تمنى (شعيب) لو يعود في المرة القادمة وقد صدقت تخيلاته التي هي في حقيقتها مجرد أمنيات، من يدري؟! ورددت جوارحه وهو يقترب من الحدود:

ـ في أمان الله ورعايته يا أهل هذا الوطن الذين هم روحي وكياني!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق