أضيف في 24 غشت 2017 الساعة 23:48

مأمآت خروف مغربي أيام العيد


الحبيب عكي

        أيام العيد في سوق الخرفان،جلس القرفصاء وعلى غير زملائه الصائحين المضطربين،كان واثقا من نفسه زاهيا متبخترا وهادئا،لم يكن صاحبه يمسكه بأي حبل قصير أو ممتد،بقدر ما ألبسه قبعة تحميه من الشمس ونظارات سوداء،يتخيل إليك أنه يتفلسف عبرها الحياة والذكريات،في انتظار زبون قد يشتريه أضحية للعيد أو فقط يشبعه هزا وحطا وتقليبا ويشبع صاحبه سؤالا ومناقصة وشطارة فارغة ولا يشتريه،ورحم الله كل من استمع إلى مأمآته وأخذ من حكمتها أحسنها،ومن يدري فربما كانت لجراحاته النفسية بلسما شافيا و على صراعاته السلوكية مع مختلف الكائنات في هذا الكون إيمانا وأمنا وإسلاما وسلاما:

1- خروف الجاحظ:

       أيها المغرد الساخر من مأمآت الخرفان،مهلا فربما،بعد عهد التغريدات يأتي عهد المأمآت،ولو أن "الجاحظ" عاد إلى قيد الحياة،لما وسعه إلا أن يغير كتابه"الحيوان"على ضوء الهائل من تطور الزمان،ويجعل فيه صوت جميع الحيوانات كلها هو التغريد،فلا هديل ولا صهيل ولا..ولا،كيف لا وحتى الإنسان أصبح اليوم يغرد كالبلابل،ولكن من يدري ربما مأمأ غدا كالخرفان.."باع..باع"؟؟.

2- نظرة خـــاطئة:

       لا يشقى الإنسان بغير أفكاره وسلوكاته الخاطئة،و ربما،ليس هناك نظرة خاطئة ينبغي أن تصحح أكثر من تلك التي ينظر بها بني الإنسان إلى الخرفان من بني الحيوان،وخلاف ما يشهد الله به اتجاهها"ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون"،فنحن ننظر إليها نظرة قبح واستهجان ومجرد قطيع يساق إلى ما لا يدري،رغبة ورهبة وتغريرا،فحولة و"خصيان"أو شبعة و"ذبحان"،يعطونك اليوم البرسيم والماء ثم ينقلبون عليك غدا فيذبحوك وينفخوك ويسلخوك ويشووك ويأكلوك وهم يتفرجون ويضحكون،"الجغديد" لا "القديد".."باع..باع"؟؟.

3- خرفانية الشقاء:

       و أنا الحق أقول لكم،فعلا، لا شيء يسبب في شقاء الشعوب مثل"خرفانيتها"،كيف لا إذا أصبحت هذه الشعوب المسكينة في نظر بعض رعاتها مجرد قطعان،لابد لها من الهش والبش والرش والنش،ولابد لها من الكلاب والذئاب والأحصنة والبنادق،وكل هذا مقابل ماذا؟؟،ربما فقط مقابل زيادة في بعض ليالي المبيت في الفنادق.."باع..باع"؟؟.

4- اتهامات خرفانية:

     من غير خروف العيد،يجعل المرء مجرما؟،سارقا لأموال غيره؟،مرتشيا بهدايا لا يستحقها؟،بائعا لآثاث منزله؟،مقترضا من أبناك تشنقه بأقساطها وفوائدها طوال السنة والسنوات؟،...،لا شيء غير شهوة التباهي في الأحياء أمام الأعداء والذبح والسلخ وإراقة الدماء أمام الأصدقاء،ولتحيا السنة وليحيا النباتيون،خاطىء من يبرىء نفسه ويتهم الآخرين.."باع..باع"؟؟.

5- فداء وتضحية:

      وعلى العكس في عقيدتنا وثقافتنا،لم يكن الخروف إلا فداء وتضحية،ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب،إبراهيم صدق الرؤيا وأراد أن يضحي بابنه إسماعيل،ففداه الله بكبش عظيم،كبش تتنسك به في الدنيا طاعة وتقربا وتتمتع بجلده وصوفه وأكل لحمه وتصدقه،ويحملك إلى الجنة في الآخرة،فنعم التضحية ولتختر حاملك ما محمول،لا أدري ماذا تقرؤون يا أمة اقرأ؟؟،.."باع..باع"؟؟.

6- والعكس هو الصحيح:

       ولا يرتبط الخروف في حياتنا الاجتماعية إلا بالأفراح: سنة العيد..مناسك الحج..الأعراس..الصلح بين القبائل..إسقاط الثأر والعفو عن الجاني..قبول الغريب الوافد على غير قومه..فلولا الخروف لتأزمت كل وزارات حقوق الإنسان وكل ما يرتبط بها من وزارات الأمن والإسكان والقضاء والمحاكم والسجون والمستشفيات،حقا،يستحق الخروف أن يسمى وزير كل شيء،ما رأيكم؟،.."باع..باع"؟؟.

7-مقاولات عرفان:

     هل نتصور شركات خرفان -عفوا- شركات عرفان للنسيج والألبسة الصوفية..والزرابي والأغطية..وموزعي اللحوم على المطاعم والفنادق..وحتى تلك المقاولات الموسمية من "درازة"و"فحامة"و"قدارة"و"حدادة"و"شواطة"و"طباخة"و"ممونين"..،من دون شيء اسمه الخرفان،"الله الله..إلى خطاكم الخروف..جاءكم الإفلاس..والإفلاس العالمي؟،.."باع..باع"؟؟.

8- مدرسة تربوية:

     ولا يزال الخروف في الأدب العربي والعالمي مدرسة تربوية لكل الأجيال،خروف جحا..الخروف الأبيض(الغرور)..الخروف الأسود(المظلوم)..الخروف والراعي(التلاعب)..الخروف والحصان(النصيحة)..الخروف الثائر(الشجاعة)..الخروف المثقف الناطح والفيلسوف المكتئب والناطح والمنطوح..،إلى غير ذلك مما لا نستغني عنه من قيم الحياة وإكسيرها،هذه وحدها تكفي لنا فخرا وشرفا في زمن العولمة وانهيار القيم،.."باع..باع"؟؟.

8- خروف "مستوني":

      بعض الناس لا ينظرون إلى الخروف إلا كبركان من التعسير والاضطراب ويلعنون اليوم الذي ولد فيه وكأنه مخلوق شيطاني،فعلا هناك خروف شيطاني "مستوني"يعيش في مزارع خاصة،وفي حظائر و زرائب آلية خاصة،وبأعلاف مهجنة خاصة،يمنع على الجالية المسلمة هناك ذبحه بطريقتها الخاصة،وفي أحيائهم ومنازلهم الخاصة،آه،تمنع عليهم غيرها من العادات كالختان والحجاب وغيرها،إنه العهد الحقوقي الحيواني "ستون"،لا هذه ليس "باع ولا باع"؟؟.

10- خروف جمهوري:

      يحكى أن خروفا قد هرب إلى القصر الجمهوري،وبينما الشعب يصر على إخراجه وإنقاذ حياته،وجده بين عشرات المئات من الخرفان،كل يوم تذبح بغير حساب،ولمن هب ودب تقدم شواء وكباب،في الرحلات والمؤتمرات وكل المناسبات،هذا في الوقت الذي لا يزال من المواطنين من لا يرون اللحم إلا عند الجزار معلقا ولا يأكلونه إلا بأعينهم حنقا،على أي كما تكونوا تكن خرفانكم،.."باع..باع"؟؟.

11- خيام وأهازيج وخرفان:

      يقال والله أعلم والعهدة على المفتي - أبونا الخروف طبعا -،أن الخرفان في المواسم قبورية وشعودة،وفي "التبوريدة" قد تكون كرما وأصالة أو إسرافا وعربدة حسب النوايا والأوضاع،أما توزيع الخرفان قبيل الأعياد وفي موائد الانتخابات،فالخيام وحدها تشهد من فيها على الرشاوي والفساد ومن فيها على التضامن والصدقات،فقهاء ومرشحون وخرفان آخر زمن لا يفعلون الخير ولا يتركون من يفعله،.."باع..باع"؟؟.

12- خروف استنساخ:

      يحكى أن موظفا قد اشترى خروفه للعيد،وما أن أوصله إلى المنزل حتى وجده خروفان وكأنه استنسخ نفسه،سأل أهل بيته عن الأمر فأخبروه أن الخروف الثاني من عند الشركة الفلانية هدية له والهدية لا ترد؟؟.قال المسؤول العفيف الكفيف: بل ترد وترد لأن تلكم الشركة هي التي أمسك ملف فسادها وتظن أن بخروفها سترشيني،"يا سيدي خليها تديني وتوديني..ما الكل ينادي بتحليل الــــــلاحلال،.."باع..باع"؟؟.

13- خروف بالمجان:

      ويحكى أيضا أن"طالب معاشو"قد أوصل خروفا إلى بيت غير بيت أهله خطأ،وما أن دخل عليهم في الأخير صاحب الخروف فوجدهم فقراء وأهل عيال قد فرحوا بالعيد حتى استحيا أن ينزع منهم فرحتهم تلك وهي أهم عنده من العيد،سلم أمره إلى الله وأخذ ما تبقى عنده من المال وعاد إلى السوق يشتري خروفا آخر وهو يرجو فيه من صاحبه بعض السماحة،ولكن كم كانت دهشته عندما قال له بائع الخرفان،بل خذ الخروف مجانا لأنه نذر مني إلى الله لما أنجاني من مشاكل كدت أن أذهب وخرفاني ضحيتها في الطريق،إيه على أعياد الزمن الجميل،.."باع..باع"؟؟.

14- خروف "كريدي":

      يحكى أن موظفا قد أرهقته الديون وتكاليف الحياة،و رغم ذلك تكلف واقترض من جديد 10 درهم للعيد،طبعا ثمن الخروف واللوازم والسجائر وبعض المصروف للأيام القادمة،لكن وأثناء عودته إلى مدينته اضطر أن يستقل السيارات والحافلات وسط زحام شديد،وما أن وصل مدينته حتى وجد المليون قد سرق منه وطار،ربما وسط الزحام؟؟،سقط الرجل في المحطة مغشيا عليه والمسافرون مجتمعون حوله،وما أن أيقظوه وفتح عينيه حتى رآهم خرفانا يعتذرون منه..أحمد أحمد..سامحنا يا أحمد..نحن السبب نحن السبب؟؟،وما من مسافرين ولا خرفان إنما كانت تلك زوجته توقظه عندما حان موعده للذهاب إلى البنك،فحكي لها حلمه البعبع وجلسا كليهما"يبعبعان"،.."باع..باع..باع ..باع"؟؟.

15- خروف إلكتروني:

       ويحكي الشريط السينمائي أن موظفا ومن كثرة ما رأى من ضغط المجتمع وتكلف الناس بسبب الخروف ما لا يطيقون،وحتى لا يحرجه الجيران بالتصدق عليه أيام العيد كالمعدم ببعض قطع من اللحم المشوي و القديد الميبس،فقد تكلف أكثر منهم ولكن فقط بجهاز مسجلة ميكانيكية كان قد وضع فيها شريطا مغناطيسيا بمأمأة خروف يسمعه السامعون أملح أقرن، وكان حجم الصوت المرتفع لا يتقطع و يزعج المارة والجيران،ولما نفذ صبرهم هجموا عليه فانكشف أمر خروفه الإلكتروني و وقع المسكين في الذي كان يتحرج منه،"عيدنا بكري في الأنترنيت.."باع..باع"؟؟.

16- عناد الأطفال والخروف:

       يقال أنه كلما اشتكى الآباء من قلة ذات اليد،إلا وتمسك الأطفال بضرورة خروف العيد،جعله الله ولو من دمى الخرفان التي ترتفع مبيعاتها في بعض دول التوتر في العالم الإسلامي كاليمن وسوريا والعراق وفلسطين،ناسين أن الإنسان يذبح كل يوم هناك في كل الملل والنحل "داعشية" و"اجتياحية"و"احتجاجية"،فهل أصبحت هذه الضلالات المستعرة المتكالبة سنة نبوية مؤكدة؟،وتساءلت كيف يضحي الأعداء بالرؤساء..لطفك يا الله..لطفك يا الله،.."باع..باع"؟؟.

الحبيب عكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق