أضيف في 23 غشت 2017 الساعة 20:14

كيف برروا وفسروا ما اصطلح على تسميته بحادثة: (احنا بتاع الأوطوبيس)


المصطفى سالمي

أفرز الاعتداء على عرض فتاة متخلفة ذهنيا في حافلة للنقل الحضري بالدار البيضاء عدة ردود فعل أجمعت على رفض مثل هذا السلوك الهمجي، إلا أن الآراء حركتها الإيديولوجيات والمعتقدات الفكرية، وانصبت على إدانة نوع معين من التفكير كمحرك يقف وراء هذا السلوك أكثر من إدانة الفعل ذاته، وإليكم ما يميز هذين التيارين:

ـ أ ـ تيار أول اعتبر أن الابتعاد عن الدين وقيمه مبادئه هو المسبب لهذا النمط من السلوكيات المنحرفة، فإفراغ المقررات الدراسية من القيم والأخلاقيات الإسلامية وإنهاء أدوار الدعاة والمصلحين أو تقزيم أدوارهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. كلها عوامل ساهمت في شيوع الفاحشة، خاصة في ظل إعلام فاسد مفسد.

ـ ب ـ تيار ثان اعتبر أن الدين والتدين لا علاقة له بمثل هذه الاعتداءات الشنيعة، وأن مسبباتها ثقافية فكرية، ومبرر هؤلاء أو حجتهم أن الدول التي يزعم الزاعمون أنها "كافرة" أو "مارقة من الدين" لا تشهد مثل هذه السلوكيات البهيمية الهمجية، فشوارع هذه البلاد تمشي فيها النسوة عاريات أو شبه عاريات دون أن يتحرش بهن أي متحرش أو معترض، في حين لا تسلم حتى المكتسيات والساترات لأجسامهن من المضايقة في بلادنا المسماة بلادا إسلامية، وأن دعوى عري بعضهن أو تبرجهن ـ حسب هذا التيار الثاني ـ لا علاقة لها بهذا السلوك المشين ولا يمكن اعتبارها مبررا له ولأمثاله، وإنما هو الجهل والتخلف والكبت، ويدعو هؤلاء إلى مزيد من التحرر وإلى نشر الثقافة الجنسية في المقررات التعليمية وفي وسائل الإعلام، عوض اعتبار جسد المرأة "عورة".. وكأنما يتوجس هؤلاء من أن تكون هذه الحادثة ومثيلاتها مما يتهدد ثقافة ومسلك هؤلاء في السلوك والحياة..

هكذا يظهر أن لكل تيار منطلقاته ورؤاه، فالأول محكوم بالالتزام الديني وأسسه، والثاني بالرؤية الغربية والإطار العلماني أو "الحداثي" حسب زعمهم، ولكن هذا الطرف الأخير يتناسى أن البلاد الأوربية أو الغرب عموما يحترم المرأة ويحترم الإنسان ليس فقط لاعتبارات ثقافية، وإنما بسبب عوامل حقوقية بالأساس، فسلطة الردع الحقوقي أو القانوني لا ترحم هناك، إن مجرد إيذاء قطة أو كلب قد يعرض لما لا تحمد عقباه، بينما في بلادنا العربية المتخلفة ـ ومنها المغرب طبعا ـ فإن سلطة القانون مرتخية لا يشتد ساعدها إلا عند ملامسة خطوط السياسة الحمراء، فلو كان هؤلاء المراهقون الذين اعتدوا على الفتاة في الحافلة يعيرون اعتبارا للقانون وسلطته ما تجرأ أحد منهم أن تمتد يده إلى عرض وشرف تلك الضحية، يكفي أنهم عاينوا مغنيا مشهورا احتشد كثير من أبناء بلدهم لمؤازرته ضدا على سلطة القانون رغم أنه مارس اعتداء جنسيا مماثلا أو مشابها، إن الظروف الغابوية التي أصبحنا نعيشها في بلادنا في ظل عبثية الأوضاع وانتشار الجريمة والمخدرات والبطالة وتراجع دور الأسرة وتدهور التعليم وانتشار الفقر ودور الصفيح والانحلال الأخلاقي والفساد السياسي.. أمور إذا اجتمعت لا يمكن أن نتوقع إلا مثل هذه الظواهر والاعتداءات بل وأشد وأخطر من ذلك، لقد تجاور البنزين مع النار، ويكفي لأقل شرارة أن يشتعل اللهب وينفجر الوضع، إن بقايا التماسك الماثلة لحد الآن في مجتمعنا ليست إلا من بقايا الدين والتدين ومن قيم الإسلام التي تجعلنا نتراحم بيننا ونغار على بعضنا وندفع الأذى عنا، وإلا كان أصبح وضعنا أسوأ وأخطر في ظل وضع أصبح أشبه بحالة "السيبة" التي شهدها تاريخ المغرب في فترات قديمة عاشها أجدادنا، ضعفت فيها سلطة المخزن، خصوصا حين يطغى قلة من المتنفذين المتسلطين على رقاب الناس، ليصبحوا فوق القانون، بينما البقية تدوسهم السلطة القاهرة الغاشمة وتسلب حقوقهم وأرضهم وعرضهم ومالهم وكل شيء. إن المجتمعات الغربية وإن كانت المرأة فيها سلعة ككل السلع، إلا أن كل شيء هو مقنن وبثمن، أما عندنا فالأوضاع ملتبسة، فالخمور تباع في الحانات والمتاجر الكبرى، لكن ضبط شخص مخمور قد يعرض للمساءلة في تناقض صارخ، والدعارة في مجتمعنا مستشرية، لكن ضبط شخص في وضع لا أخلاقي قد يجر لما لا تحمد عقباه، وهذا ينطبق على صغار المجتمع وحدهم، أما علية القوم فهم فوق المساءلة القانونية حتى لو التقطت لهم الصور وضبطت مشاهد توثق مزالقهم، كما أن منطقة الريف المغربي تعرف زراعة (الحشيش) ـ القنب الهندي ـ إلا أن ضبط أحدهم متلبسا بتعاطيه أو بيعه قد يجر إلى ردهات المحاكمة، إنه الفراغ القانوني والتسيب والبلبلة، فالمراهقون الذين تورطوا في حادثة (الأوطوبيس) هم إلى جانب الفراغ القيمي جاهلون كذلك بالقانون ومحدداته، إن الأمر عندهم مجرد لهو ولعب، وأكيد أنهم لا يدرون أن ما فعلوه مجرّم بالقانون الدولي، فإلى جانب تفسخ الأخلاق والخواء الديني عند شرائح واسعة من المجتمع يمثل غياب النصوص القانونية الواضحة مدخلا لكثير من الانزلاقات المجتمعية في بلادنا، إن المتأمل لحشود المدافعين عن المغني الذي انتهك عرض الفرنسية وتم إيداعه السجن بفرنسا، يتأكد من أن هؤلاء لا يعرف شيئا اسمه ضريبة المخالفة القانونية، وجزاء السقطة الجنحية التي لا ينبغي أن يستثنى منها أحد، لقد أوهمت هؤلاء مشاهد المسلسلات حيث الخيانة الزوجية والاعتداء الجنسي والعنف المجاني أن كل شيء مباح ومتاح، وأن لغة القوة والعنف هي لغة هذا المجتمع المتخلف، خاصة في ظل تراجع سلطة القانون وعدم إنصافه المظلومين، بل تسبب السلطة الغاشمة نفسها في الظلم والغبن وشيوع الزبونية والمحسوبية وسلطة المال والجاه والبقاء للأقوى، لقد أصبح الظلم عاتيا يمارسه المستبدون ضد شعوب بأكملها يبيدونها كما يشاؤون ولا يعيرون القانون الدولي اعتبارا، لا مانع عند صغار هذا المجتمع من الاستهانة بكل شيء إذن.. ربما هذا هو لسان الحال!

إن المجتمعات الغربية تقدس الإنسان ليس لتدينها أو مجرد وعيها وثقافتها، بل لوجود رقابة قانونية وسلطة رادعة لا تميز بين كبير وصغير، وحتى في عز الدولة الإسلامية حيث درجة التقوى والتدين كانت أشد رسوخا، كانت السلطة الرادعة التي لا تترك الأمور لمجرد اليقين والإيمان، فقد بلغنا عنهم عبارة: (يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، وما السلطان إلا القوة القاهرة التي تردع بالقانون وتقيم حدود الله وشرعه، إننا حين نصبح سواسية أمام القانون فلن يتجرأ أحد على انتهاك حقوق الغير، وأما إلصاق التهمة بالدين واعتبار الكبت سببا في ما قام به الفتية من شناعة فأمر مجانب للصواب، إن الإسلام لم يكن أبدا سببا في الكبت بأي نوع من أنواعه، وهو الذي يوجه الطاقة ويصرفها في ما ينفع الإنسان، جاء في الحديث النبوي: (يا معاشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، وإذا كان الغرب يعتبر الجنس ثقافة، فالإسلام قدس المعاشرة الزوجية ورفعها إلى درجة العبادة حين قال الرسول الأكرم: (وفي بُضع أحدكم صدقة)، ـ والبُضع هو الجماع ـ قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عيه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).

إن كثيرا من بلايانا سببها العري الفاضح في شواطئنا وشوارعنا وفي إعلامنا الذي يحرك ويثير الشهوات ويهزها هزا، فإما ينفجر ذلك عدوانا لتصريف الطاقة المشحونة، أو ينقلب إلى خمود وتَعوُّد وبرود وفقدان للفحولة ولرد الفعل حين يغيب المتنفس لتصريف الطاقة إبداعا وفنا .. وهذا لسان الحال في بلادنا المتخلفة، أما المجتمعات الغربية فقد أصبح جسد المرأة متاعا عاديا لا يحرك ساكنا ولا يثير شهوة، بينما قاعدة الشباب هنا متسعة مقارنة بالمجتمع الغربي الذي قاعدته الشيوخ والعجزة، مما يجعل تفجر الجرائم الأخلاقية عندنا أشد وأكثر لما ذكرناه آنفا من العوامل، خاصة أن المشرع لا يتعامل معها بالحزم اللازم، وربما هناك تعمد لذلك، مادام هذا الشباب مغيب بالجنس والإدمان والأجهزة التقنية الحديثة (الهواتف الذكية) مما يبعده ـ في اعتقاد أصحاب القرار ـ عن السياسة ودهاليزها، لا يضير إذن أن ينصرف الشباب إلى هذه الانحرافات، هكذا إذن يبقى المستقبل مجهولا ملغوما حابلا وحافلا بالمفاجآت التي لا يعلم مداها إلا الله والراسخون في العلم والله أعلم!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


تعليقاتكم

1- mr.roudali@yahoo.fr

العربي الرودالي

الهفوة تكمن في أننا فقدنا توازننا، أي سيرنا ومشيتنا ...فلا نحن حداثيون ولا نحن تقليديون..فنحن عراة من الكل، منسلخون من الذات...لقد ألممت أخي في مقالتك،بكل عيوبنا وأعطابناالسياسية والحقوقية والثقافية، والإنسانية أيضا ...لقد وضعنا قدرنا، نحن المثقفون، في محنة شقاء الوعي

في 24 غشت 2017 الساعة 11 : 00

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق