أضيف في 21 غشت 2017 الساعة 12:06

رابعة تعليلها العميق وشروط الاستئناف


أبو يعرب المرزوقي

كتبت عن رابعة في حينها. لكني لم أكتب عن تفسيرها كظاهرة في لحظتنا العربية الحالية. ذلك أن التفسير المباشر بفساد العسكر وإن صح جزئيا لا يكفي. فـ”رابعة” في لحظتنا لم تعد حادثة منعزلة بل هي ظاهرة عامة لها نظائر في جل الأقطار العربية منذ بداية ثورة الشعوب على الاستبداد والفساد.
هي إذن ظاهرة جديدة ملازمة لظاهرة جديدة في بلاد العرب: عسر بداية الخروج من حالة الطوارئ التي عاش عليها المسلمون منذ أربعة عشر قرنا: حكم المتغلب.
ظاهرة رابعة وتكرارها منذ بداية الظاهرة التي ترد عليها جريمة رابعة في الجزائر في أواخر الثمانينات وكل التسعينات هي ما أريد فهمه وتفسيره.
عرفت الأمة عرفت فزات كثيرة خلال الأربعة عشر قرنا لكنها لم تكن لاستعادة السلطة للشعب والاحتكام إلى قيم الإسلام الكونية فضلا عن قيم الحداثة.
كانت فزات صراع بين قوى قبلية أو بين حاميات لافتكاك الحكم بنفس منطق التغلب وليس بمنطق استرداد شرعية الحكم الممثل لإرادة الأمة وحريتها.
وحتى دعاوى الثورة المنسوبة إلى الحسين وما تلاها فهي لم تكن بحق ثورة من أجل استرداد الشرعية بهذا المعنى بل للاعتقاد بالحق الإلهي في الحكم.
ظاهرة الثورة التي بدأ الرد عليها بما بلغ الذروة في رابعة بدأت فعليا في الجزائر عندما وصلت حركة اسلامية إلى الحصول على حق الحكم بإرادة الشعب.
ومعنى ذلك أن بلد أكبر ثورة تحرير في تاريخ المسلمين الحديث هو الذي بدأ أكبر ثورة تحرر كذلك بالجمع بين قيم الإسلام مضمونا وقيم الحداثة شكلا.
تلتها نفس الظاهرة في فلسطين رغم ما حصل في الجزائر ما يعني أن الشعب المسلم مصمم على الحل مهما كلف ثم تلته تونس وتوالى الأمر في مصر وسوريا إلخ.
وما يجري حاليا هو حرب اهلية سنية حول بين من صف يستعيد قيم الإسلام الكونية مضمونا وقيم الحداثة الكونية شكلا وبين رافضيهما في الإقليم.
والرافضون في الإقليم هم مجرمو رابعة التي تكررت وكانت ذروتها ليس ما حصل في رابعة المصرية بل ما يحدث روابع سوريا وليبيا واليمن والعراق الخ..
ولا أقول ذلك لأقلل من شناعة ما حصل في رابعة بل لأبين أن الظاهرة لا تقتصر على حادثة فريدة يمكن تفسيرها بخاصية يتصف بها السيسي وعسكر مصر.
فالصف الذي يكرر الروابع بظاهرة تحول دون سعي السنة وإلغاء حالة الطوارئ يوحده تواطؤ أصحاب الفتنتين الكبرى الماضية والفتنة الصغرى الحاضرة.
ومدار الفتنتين أساس شرعية الحكم: بين القائلين بالوصية والقائلين بالاختيار قديما وبين القائلين بدور الدين والقائلين بنفيه في السياسة حديثا.
قديما: بين ثيوقراطية الوصية وشورية الاختيار التي تحولت إلى التغلب بمنطق الطوارئ للخروج من الفتنة بحرب أهلية دائمة يحسمها السيف لا الدستور.
شورية الدستور القرآني أصلا للشرعية لم تدم طويلا (العصر الراشدي) ولم تكن يسيرة التطبيق فحدثت الفتنة مقابلة بين ثيوقراطية الوصية وشرعية التغلب.
وظل الحكم السني على هذا النحو وهو ما أطلقت عليه حالة الطوارئ لأن الحكم لا يطبق الدستور القائل بشرعية شورية الاختيار بل يطبق شرعية المتغلب.
ولما كانت شرعية المتغلب تقبل بالدين بشرط أن يبقى شكليا فيقتصر على ما لا يعارض إرادة المتغلب واستبداده وفساده فإنه وإن سلبا يبدوا علمانيا.
فدين لا سلطان لقيمه على سلوك الحكام والاستبداد بالمحكومين يقتصر على خدمة الحكام سواء باسمه أو بغيره فيؤدي وظيفة الأفيون ويشرعن التغلب.
فأصحاب الفتنة الصغرى -أي الصراع على دور الدين في الحكم سلبا وإيجابا-يستفيدون من التباس الموقف ويرفضون دور قيمه ويحبذون توظيفه التنويمي.
وهو ما يشترك فيه نوعا الحكم العربي باسم الأصالة أو الحداثة-القبلي والعسكري-ونوعا النخب الخادمة لهذين النظامين والذراعان إيران وإسرائيل.
والمستفيد من ورائهم جميعا محرك لم يعد خفيا لتدخله جهرة في الروابع أعني بقية السوفيات (روسيا الجريحة) وبقية الاستعمار الغربي (أمريكا النطحية)
فلنحص المتدخلين في رابعة وما ماثلها من نهاية الثمانينات في الجزائر إلى الآن مرورا برابعة مصر: إنهم نوعا الأنظمة ونوعا النخب في الوطن العربي.
ثم الذراعان في الإقليم-إيران وإسرائيل-ولهما غاية أبعد من مجرد معركة سياسية على الحكم: استرداد امبراطوريتين يعتبران الإسلام أخذهما منهما.
ثم سندا الذراعين والنظامين والنخبتين بتعليل فيه شيء من الماضي وشيء من الحاضر وشيء من المستقبل: فمن الماضي عدم نسيان علاقتهم بالإسلام القوي.
ومن الحاضر استغلال ما في الإقليم من ثروات طاقية وممرات مائية.
ومن المستقبل ما هو أهم من هذين: البقاء قوة عظمى شرطه اعادة استعمار الإقليم.
ذلك أن من يملك الإقليم يملك راس دار الإسلام وروحه فيتمكن من السيطرة الجيوستراتيجية والقوة المادية على المعمورة من ناحية الأطلسي أو الهادي.
فالغرب لم يعد يتميز على القوى المنافسة بما كاد ينفرد به: العلوم وتطبيقاتها. لذلك فهو يخاف من المنافسين الذين تمكنوا منهما ولهم ما لا يملك.
فمثلا إذا قارنا قوى الغرب الأدنى والأقصى بقوى آسيا الادنى والاقصى وجدناها بصدد فقدان ما كانا تنفرد به وينقصها ما تنفرد به هذه من حجم.
إذا سبقتها فسيطرت على افريقيا ودار الإسلام في القارات الثلاث أصبح الغرب في المرتبة الثانية ولم يعد سيد العالم كما يريد في نظامه الجديد.
لذلك فالروابع كلها تشير إلى نفس المعركة: كيف يحال دون المسلمين واستعادة دورهم في العالم الحديث بقيم القرآن مضمونا وبأنظمة الحداثة شكلا.
ذلك أن الغرب الأدنى (أوروبا) والأقصى (أمريكا) ومعهما الروس يعتبرون عودته ضارة لهذه العلل الثلاث: ذكريات الماضي ومصالح الحاضر ومصير المستقبل.
ومن لم يدرك هذه الحقيقة لا يمكن أن يحلل ما يجري تحليلا يمكن من فهمه أولا من وضع استراتيجية للخروج من مآزقه فييأس لعدم الفهم فقدان الدهاء.
فلو قارنا ما كان عليه العرب بما كانت عليه فارس وبيزنطة في النشأة الأولى لإمبراطورية الإسلام بما نحن عليه بالقياس لأعدائنا لخجلنا من أنفسنا.
فوزن الأمم يقاس بالأحياز: مكانها وزمانها ودور مكانها في زمانها ودور زمانها في مكانها ومرجعيتها التي توحد هذه الأحياز الأربعة وتؤسسها.
فهبنا اقتصرنا على العرب: جغرافيتنا الثانية عالميا بعد روسيا تاريخنا الأول عالميا لجمعه بين القديم والوسيط والحديث وما سيليه أي المستقبل.
وأثر المكان في الزمان أي وحدة الثاني بوحدة الاول هو التراث الذي يتراكم ويتأثل فيجمع بين التراث الفلسفي العلمي والديني الروحي الأثري عالميا.
وأثر الزمان في المكان أي توحيده بتوحيده ينتج الثروة التي هي مفعول تراكم فعل الإنسان في الطبيعة لتسخيرها واستخراج ما يسد حاجاته بعلمه وعمله.
وما كانت هذه الامة تصبح مستقرة في المكان وتنتقل من البداوة الحضارة لم يكن فيها من الخبرة والمعرفة ما مكنها من التعمير: أبعدت الرقم والحرف.
ولا رياضيات من دون الرقم ولا علوم من دون الرقم والحرف ولا دولة من دون العلوم والعمل على علم ومن ثم فكل أركان الحضارة أبدعها الإقليم.
على شبابنا ألا ينسى هذه الأمة عظيمة لأن قرآنها يؤسس لذلك كله: يجعل استعمار الإنسان في الارض شرطا في الاستخلاف فيفصل بين السياسي والديني.
لكنه يرفض الدولة الثيوقراطية (أصل الفتنة الكبرى) ويرفض العلمانية الإلحادية (أصل الفتنة الصغرى) ويؤسس لحكم أمره أمر الأمة تسييره بشوراها.
فأساس الدولة مبدأ ديني يجعل الحكم جمهوري طبيعة (أمر الجماعة=راسبوبليكا) وديموقراطي أسلوبا (شورى الجماعة=ديموقراطية): لا ثيوقراطية ولا علمانية.
وهذا يعني رفض أصل الفتنتين الكبرى والصغرى: هو شرط الخروج من حالة الطوارئ التي دامت أربعة عشر قرنا واستئناف دور الإسلام العالمي كنشأته الأولى.
….


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أبو يعرب المرزوقي

مفكر   / , تونس


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق