أضيف في 19 غشت 2017 الساعة 12:07

أوراق الخريف تتساقط تباعا


رشيد اليملولي

أوراق الخريف تتساقط تباعا .

إن ارتباطنا بفكرة أو حلم أو رغبة ، مسكون بهواجسنا الداخلية و الخارجية ؛ بمعنى قدرته على توفير أمنها بمفهومه الشامل و تنميته المستدامة ، و فلسفته الخاصة في تسييج إمكانية اندحارنا ، و نزولنا إلى قاع الرذيلة أو الانحراف بدلالته الاجتماعية و النفسية ، من هنا يعد تحزبنا تجاه فكرة أو عرق أو دين ، أو مرجعية أخرى ، تعبير عن مديونية المعنى التي تستوجب منا نضالا وتضحية بالغال و النفيس مهما لنا أساءوا ، ومهما أبدعوا من أشكال تمويهنا ، وتأجيل أحلامنا و ربما لغاية قد نعلمها و قد لا نجهلها ، المهم أننا نسوق أنفسنا نحو عالم ، نحاول ترصيعه بالورد و أحلامه و النسائم و أريجها ، لشيء أرقى هو الحفاظ على الأمل و التشبت بالفكرة و في أقصى الأحوال المبدأ .

لكن هل يمكن لهذا الفكرة أن تستمر طويلا في اقتناعنا ؟ ألا يبطن هذا الاستمرار تعطيلا لقانون التغيير و التغير ؟ .

و هل الثبات على الفكرة في صيغة مطلقة يعني فكرة بالمعنى العلمي و الفلسفي ؟ .

المرجح أن ارتباطنا بفكرة سياسية في تاريخنا الشخصي ، قد مكننا من تمثل المشهد السياسي و الحياة المرتبطة به ، و فهمها في حدود معينة ، و غالبا ما كان هذا الانتماء يأخذ صيغا مطلقة و حدية ، تستبعد الخطأ أو التواطؤ عن هذا التيار السياسي ، و ترفعه إلى الطهرانية أو السلفية القحة ، أو الصوفية المثلى ، و المبدأ القح و الوطنية الصادقة ، من خلال الدفاع السياسي عن قيم يسارية ، تدعو إلى المشاركة في السلطة و اقتسامها ، و تروم التوزيع العادل للثروة ، و ترسيم العدالة الاجتماعية ، و كل القيم التي ناضل من أجلها اليسار و دافع عنها ، بل و سجن من أجلها و ذاق مرارة التغريب و الإقامة الجبرية و غيرها .

أمام كل هذا الرأسمال كنا ننحني احتراما وتقديرا و أحيانا تقديسا لهذا الإرث النضالي ، و لم نشك للحظة أن هذا الميراث يمكن أن يتحول إلى ماضي مات مع رموزه ، و في أحيان كثيرة كنا نسعى وراء بضاعة ما من خلال انتمائنا قد تكون الوصول إلى منصب رمزي أو مادي ، أو غيره من القيم التي ترسيها القبلية الحزبية أو الفهم الضيق للسياسة و دواليبها .

الدال في هذا السياق أن الانتماء قد يعني مدرسة في النضال و التفكير و أسلوب الحياة ، قد يرتد إلى " أوساخ اجتماعية " نهرول إليها بوعي أو غير وعي ، و لم نكن نزعم في أي لحظة من هذا الانتماء أننا نطارد وهما أو سرابا ، أو إننا نسلك ما نعيب الناس عليه ، و كلما زاد انخراطنا و فلسفة قربنا يتنامى وعينا و إحساسنا بأننا بقرب كائنات اجتماعية و سياسية لها عيوبها ، نواقصها ، نقط ضعفها و أحيانا كبيرة "شبقيتها " السياسية ،نرجسيتها الحادة التي قد تصل إلى إنتاج المفارقة بكل مقاييسها المرضية .

إن العمل السياسي في المغرب و من خلال تفاعلنا الثقافي و المعرفي معه ، قد ولد لنا إحساسا يرقى إلى الاقتناع بأن الممارسة السياسية لم تمارس بذلك الصفاء و الفطرية و السليقية التي تم تمريرها أو تلقينها لنا ، أو حتى في إقناعنا بها ، بل كانت وسيلة " دوغمائية " لإنتاج الرعايا و تكثير النسل السياسي و القاعدة الجماهيرية ( الشعبية ) على مستوى العدد و العلاقة الممتدة للشيخ و المريد ، و كلما خبت في نفوسنا الآمال ، كلما توسعت عقيرة الاحتجاج و ارتفع سقفها ، و تعالت أصوات التنديد في دواخلنا بضرورة الطلاق البائن ، مع التوجهات التي يفرضها المنطق الحزبي في دلالته الضيقة ، الذي تحول إلى نفعية مفرطة ، توارت فيها الأحلام و القيم و الإضافة النضالية ، وأضحى سقف المطالب و الالتفاف حول النظام السياسي و الأدهى قتل الفكرة و التحايل على المطالب الاجتماعية .

لقد غدت الحزبية نوعا من العقوق الاجتماعي و الترامي على النبل و المبدأ ، و لم يستطع هذا الوباء أن ينتج استقلاليته و يضمنها ، بما يفيد التدافع و الصراع على القيم و الأفكار و المشاريع السياسية ، و تحول الإجماع السياسي إلى بدعة لا جديد تحت شمسها ، لا على المستوى الاجتماعي و لا السياسي و لا القيمي ؛ الذي أضحى مجالا تتناسل فيه كل معاني السلبية ، لدرجة أن القنافذ أسقطت أشواكها و أصبحت من دون مخالب ، و الأخطر من دون أفق أو شرعية تنموية ، من ذلك أن الاختلاف و التنوع يداس باسم الوطنية ، التي تعني قسرا خدام الدولة بما يعنيه جيش المنافع و الريع و الجاه المرتبط بها ، و هكذا أصبح الإسلامي حليفا للاشتراكي ، و المخزني أخا للعلماني ، و التقنوقراطي صديقا حميما للوجودي و كأن كل القطط في الظلام سوداء ، و ذلك على حساب التنمية التي يتذيل المغاربة مراتبها و منذ مدة ، وتوارت قيم الانتماء على أساس العمل المنتج و النضال القيمي .

فشلت الأحزاب ـ مع التمييز في الدرجة و الحدة ـ أن تتبنى المواقف النضالية أمام سلسلة التراجعات ، التي أصبح التواطؤ حولها لا تخطئه العين ، و كلما صدر بيان لا يعدو كونه موقف بئيس لأحزاب أصبح همها الأساس الأسلاب و الأنفال و الغنائم ، يتساوى فيها العقلاني و الظلامي و المخزني و التقنوقراطي ، و أضحى الشارع وفقا لذلك مركزا لتصدير الشرعية النضالية ، و على الرغم من طابعه النضالي فقد أسهم في إضفاء الهلامية و غياب الفعل السياسي في نضاله بإيعاز من الفتات الذي يقدمه الكرسي و النضال من داخل المؤسسات .

هذا التحول من شأنه أن يؤسس لفوضى خلاقة يختلط فيها الغث و السمين ، و تتحول طيور الظلام إلى ملائكة تحمل الأمل و الغد المشرق ، و إن كان من أزمة هنا فهي تواري و سقوط المطلب الثقافي و العلمي في إدارة الصراع و التدافع بما يعنيه من غياب المثقف عن إبداع صيغ و بدائل التدافع ، و إنتاج القيم النضالية ، و هكذا تحول المثقف العضوي عند غرامشي إلى مثقف البضاعة و التحليل و خدمة السلطة ، و تقديم الاستقالة من الانتماء الاجتماعي و السياسي .

إننا نعيش فعلا زمنا تهاوت فيه كل الورود و معانيها ، و أصبح الشوك الدامي يرجى من خلاله تحقيق أغلى المكاسب في غفلة من الحركة الاجتماعية و الحقوقية ، التي أضحت أقلية تصيح في واد عبقر .

لقد سقطت فعلا أوراق الخريف و نحن في حاجة ماسة إلى سياسة احتجاجية مشاكسة و لا يهم الاختلاف إن كان سيقدم نظام قيم فعال على الأقل في المراحل الانتقالية .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق