أضيف في 18 غشت 2017 الساعة 13:02

بعدا للمغفلين


نورالدين الطويليع

انزوى أبو كاسب في زاوية المسجد باكيا منتحبا, ملأ نشيجه كل الآفاق, كان الناس يهمون بمغادرة المسجد بعدما أدوا صلاة الصبح قبل أن يشغلهم وينصرفوا إليه عن بكرة أبيهم, عسى أن يظفروا بسر بكاء الرجل الذي عرفوه جلمود صخر مجردا من العاطفة والإحساس الإنساني, لا يلين له قلب, ولا ترق له نفس, كائنا انتخابيا استثنائيا, يلهث وراء الصفقات, وماجنا يركض خلف الليالي الحمراء, وسكيرا عربيدا شعاره الدائم "اليوم خمر وغدا خمر".

انبطح أبو كاسب أرضا, لم تسعف توسلات المصلين في انتزاع ولو كلمة منه, لاذ بدموعه الغزيرة وبشهيقه المتعالي, راسما بذلك علامات استفهام كبرى وفرضيات كثيرة حول مشهد اتخذ صبغة الجنائزية بامتياز, بعد أن انخرط ثلة من المصلين بدورهم في البكاء والنحيب, وقد آلمهم منظر الرجل , وذهبوا بعيدا في توقعاتهم, فظن من ظن منهم أنه فقد القدرة على الكلام, واعتقد آخرون أنه رزئ بفقد حبيب, فيما اجتهد من اجتهد, فقال بأن الرجل مصاب بمرض مزمن, وأن الأطباء يأسوه من إمكانية تشافيه منه, وأخبروه بأن مدة إقامته في الحياة الدنيا باتت معدودة, لكنه, وبعدما رأى الجمع ينفض من حوله بالتدريج, قطع الشك باليقين, وحكى الحكاية التي انتظرها الجميع على أحر من الجمر, لما يقارب الساعة: إخوتي, أحبتي, هذا العبد الضعيف المذنب, المجرم, ولغ في ماء الدنيا الآسن, ولم يترك صغيرة ولا كبيرة من الموبقات المهلكات إلا أتى عليها, نهبت المال العام, أخذت الرشاوى بلا حدود, زورت,

كذبت على الناس, خلقت العداوة والبغضاء بين الكثير ممن كانوا محيطين بي, وجعلتهم شيعا, يحارب بعضهم بعضا, ليخلو لي الجو, في غمرة انشغالهم بالحرب الأهلية, لأمارس السرقة والنهب والاختلاس بأريحية واطمئنان, وها أنذا أقف الآن بين يدي الإله الغفور الرحيم, فأعينوني بصالح دعائكم, ولا تتركوني عرضة للضياع, من الآن أنا أخوكم وحبيبكم.

رب إن عظمت ذنوبي كثرة....فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يلوذ بك إلا مؤمن....فبمن يلوذ ويستجير المجرم"

تعالت التكبيرات, وطفق الجميع يحتضن أبا كاسب ويقبله, ويهنئه على توبته النصوح, وماهي إلا ساعات حتى انتشر الخبر في كل أرجاء المدينة وروابضها, وصارت تنسج حول الموضوع الأساطير, أما هو فقد أصبح من عمار المسجد, لا يخرج منه إلا ليعود إليه, تراه مصليا, مسبحا, تاليا القرآن.

مرت أيام فأعلن عن انطلاق الحملة الانتخابية, وأعطى الحاج الانطلاقة الرسمية لحملته من داخل المسجد, بعد أن أقنع الناس بأنه صار زاهدا في الدنيا, راغبا عنها, وأن إصراره على الترشح هذه المرة يأتي عن رغبة جامحة في محو عار السنين العجاف, ورد دين ثقيل في رقبته إلى أبناء المدينة التي وعد بأن يحولها إلى جنة فردوس, وأن يقف سدا منيعا في وجه كل من يريد نهب خيراتها, ذكرهم بأنه سيهب نفسه على طول الولاية لله ولعباده, وأنه سيملأ أرض المدينة تنمية لم ولن تخطر ببال أحد.

تداعى الناس من كل فج عميق, وانخرطوا في حملة الرجل

الانتخابية بالمجان, صاروا يلقبونه ب "خليفة الله في الأرض", وبمرشح "الذات الإلهية", متوعدين كل من يخلف موعد التصويت عليه بالويل والثبور والظفر بغضب الرب, كان, وهو يجول الأحياء وسط كواكب مريديه, لا يكف عن ترديد هذه الآيات: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة, أو يصيبهم عذاب أليم", مع حرصه على استبدال ياء المتكلم بهاء الغائب في كلمة أمره.

في يوم الاقتراع انثالت الأصوات على أبي كاسب انثيالا, وأتته تباعا, نال بها نصرا مؤزرا بوأه الظفر برئاسة المجلس الجماعي, هنالك ترك أبو كاسب أتباعه وإخوته المؤمنين يحتفلون بالنصر في المسجد, وذهب هو وزبانيته إلى مكان قصي ليحتفلوا بدورهم على نخب الشامبانيا وكل أنواع الخمور الغالية الثمن, تعالت قهقهات الحاج بعدما لعبت الخمرة برأسه, وخاطب ندماءه: " أبناء الكلبة صدقوا كلامي, وانطلت عليهم حيلتي, ما أشد غباءهم, بعدا وسحقا لكم أيها المغفلون, أنا سفير فوق العادة لإبليس منذ نعومة أظافري, وسأبقى كذلك,لا وألف لا,لن أخون العهد الذي بيني وبينه".


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق