أضيف في 16 غشت 2017 الساعة 18:38

في شأن علوم التربية(*) (ترجمة)


نورالدين البودلالي

           ميشيل دوفولاي                                                                                                                        ترجمه: نورالدين البودلالي

لابد أن نتساءل عن تيمة الأطروحة التي نسعى إلى الدفاع عنها. ما الاعتقاد الذي نتبناه ونأمل في هذه الخلاصة أن نقيم الحجة عليه؟

لقد رمنا التذكير بأن كل مشروع تربوي، بأي مؤسسة كانت (الأسرة، المدرسة، الشارع، وكل مؤسسة نظامية أو غير نظامية)، هو في نفس الوقت خطاب وتطبيق. خطاب من شأنه أن يضع مشروعا، ويبرهن، ويصاحب، ويوضح ممارسة تُتَرجم بفعل متحقق،» ظاهرة منتظمة «تتحكم فيها معارف ومبادئ مرتبطة ارتباطا بالفعل. فميدان التربية بذلك ميدان النقاش المسهب، والأحاديث، وتبادل الرأي، والندوات، والخطب الطويلة أو لتوضيح خطوة علمية، أو مبادرة، أو نشاط أو فعل. لابد، في مجال التربية، من الأخذ بعين الاعتبار، بطريقة جدلية، العلاقة بين القول والفعل ( 1)، بين الفهم والنقل، بين المعرفة والممارسة.

إننا ننطلق من اعتقاد راسخ مفاده أن علوم التربية، من خلال مساءلة الفكر للفعل والعكس بالعكس، تحمل في طياتها أراء متعارضة يصعب تجاوزها: فهي تتوق إلى تسليط الضوء على الممارسة بغية التحكم فيها بشكل أفضل، رغم وعيها باستحالة تحقيق ذلك. بعبارة أخرى، تروم علوم التربية بلوغ أفق تدرك استحالة الوصول إليه. إنها تروج يقين شكها.

نعتقد أن ثلاثة أسباب تؤسس لهذا التناقض الذي يخص طموحا نعلم انه غير متحقق، لكنه يبقى، في نفس الوقت، ضروريا.

• تقترح العلوم التربوية توضيحات تعرّض موضوع بحثها لخطر التفكك

استعملنا في فرص عديدة مصطلح المرجعية المتعددة، في إشارة إلى ضرورة العمل على أن تتكامل التخصصات العلمية فيما بينها، أمام عجز التخصص الوحيد على تقديم تفسير متكامل لموضوع البحث. هذه الحاجة إلى الانفتاح والتعايش تدعم مشروع الرؤية المتعددة لنفس الموضوع، جاعلة منه موضوعا شفافا أكثر فأكثر. خلف هذه الرغبة المحمودة، ثمة شك: ألا يستحوذ كل تصور له علاقة بتخصص ما على الموضوع نفسه، ما دامت زاوية مقاربته متميزة، وإشكاليته غير متشابهة، ومنهجيته ومفاهيمه مختلفة. ونعلم أن هناك إمكانية التوحيد بين عدة مقاربات، ستظل الواحدة منها منفصلة عن الأخرى. وفي هذا يتحدث برنار شارلو عن التكعيبية الميتودولوجية (2 )

تجزئ علوم الإنسان إلى وحدات أدى إلى إثارة أفكار راديكالية، دفعت بميشيل فوكو إلى الإعلان عن» موت الإنسان«، والانتهاء إلى الحسم في كون العلوم الإنسانية ليست باطلة فقط، بل إنها ليست علوما قطعا. والسبب في هذا عدم قدرة أي علم من هذه العلوم وضع مشروع لدراسة كائن يكشف تاريخه عن الطابع اللاختزالي والعرضي، مشروع يتطلب انشطارا عجيبا للإنسان-الفرد يسمح له بالابتعاد عن نفسه مسافة تجعل منه شيئا قابلا للملاحظة، ويتبين بنفسه تمثله السببي وطريقة اشتغاله Instrumentation. » أعتقد أن العلوم الإنسانية لا تؤدي بتاتا إلى اكتشاف شيء سيصبح "الإنساني"- حقيقة الإنسان، طبيعته، مولده، مصيره؛ الواقع أن ما تهتم به مختلف العلوم الإنسانية أمر مختلف تماما عن الإنسان، إذ تهتم بالأنساق، والبنيات، والتركيبات، والصياغات، وغيرها« (3 ).

ردا على تلك الانتقادات تجاه العلوم الإنسانية، طالب المؤرخ جورج ﮔـوسدورف بالتواضع وعدم توقع الخروج بنتيجة أو صفر اليدين. » يحدث التقاء الإنسان بالإنسان حينما تنتفي الثقة القائمة، ويكتشف الإنسان نفسه كسؤال. فباستثناء أرسطو، كان الإنسان، منذ الأزل، هو الملاحظ المحبَّذ لواقع ينشره أمامه بحسب وصف ترنسندنتالي؛ لقد عرّف نفسه بنفسه كعالم صغير، نقطة بؤرية من حيث يتملى بنية الكون، أو كخالق للإله، والمسؤول عن ملكوت الخالق. ولابد من نسيان (جهل) كل هذا عند بداية كل عملية تعلم. فالفكر الإنساني، الذي يرتب كل شيء، مطلوب بالتخلي عن سلطته الإيبستيمولوجية المرتبطة بالحق الإلهي. فيصبح المخرج نفسه واحدا من شخصيات المسرحية؛ والإنسان، ككائن من بين باقي الكائنات، عليه أن يطبق على نفسه العلوم التي اكتشف أنها تنظم بشكل عقلاني الكائنات والأشياء. إن ردة فعل مذلة ومحمسة، في نفس الوقت، كفيلة بتحويل موضوع المعرفة نفسه إلى واحد من مواضيع معرفته[...] وما بين مكانة الملاك الفوق بشرية ومكانة الإنسان الدوني الما تحت إنسانية، تطرح بالضرورة مسألة التحديد، أي أن نغزو في العقل تلك المكانة الخاصة بالإنسان، والتي توجد في صلب الواقع. فالكائن الإنساني، وهو يميط النقاب عن الأقدار الإلهية، يجرأ على النظر إلى نفسه، محاولا القيام بجرد لإنسانيته «(4 )

إن علوم التربية هي جزء من العلوم الإنسانية. والأسئلة التي تطرح على المستوى الإيبستيمولوجي ليست أسئلة خاصة بها ومن الضروري أن تدرج ضمن سياق أكثر عمومية، سياق المعرفة الإنسانية، وبالتالي في سياق الوقائع التربوية، التي لا يعرف متى تبتدئ ولا تنتهي. لذلك، وعلى الرغم من التجزئ الذي عرفته العلوم التربوية بشكل لا رجعة فيه، فقد اشتركت بشكل متزامن في ميزة جماعية: الأمور والوقائع التربوية. سيمكن للتعدد المرجعي للأنشطة، على مستوى التداخلات Interface بين التخصصات العلمية، أن يهتم بخلق مفاهيم مابين-تخصصاتية (المعرفة، العلاقة بالمعرفة، النقل الديداكتيكي، الحقل المفاهيمي، التدخل، المؤسسة، التكوين...)، أو منهجيات جديدة (البحث-الفعل، قصص الحياة، حكايات السيرة الذاتية، التحاليل الإيثنوميتولوجية)، أو أهداف عملية (التعلم، التعليم، التربية غير النظامية، التربية الأسرية، التكوين)، التي ستؤدي، دون شك، إلى إعادة تنظيم التخصصات العلمية.

• الإنسان كائن حر يستحيل الإحاطة بسلوكه إحاطة شاملة اعتمادا على الحدس

ما من شك أن حرية الإنسان- التي تحيل على إرادته في الفعل، المرتبطة إما بالذكاء أو بالعقل أو فقط بقدرته الدائمة على قول نعم أو لا- هي أقوى مِمَن يريد أن يحاصرها. » لم يعد الأمر يتعلق بانتظار أن تمنح الطبيعة حريةً ستغمرها إن آجلا أو عاجلا المحددات، ولا بالقفز من على الطبيعة لبلوغ حريةٍ مثالية ستنتهي محدداتها إن آجلا أم عاجلا بأن تكون لها كلمة الحسم، وإنما بإتاحة الفرصة لكل فرد بمراجعة المحددات التي تساعده على التكيف، بحيث يوجهها الوجهة التي يراها الأفضل له وللإنسانية : أي للإنسانية الموجودة فيه. فالواجب هو أن يقوم كل واحد بإنجاز عمل من إبداعه، انطلاقا مما هو عليه.« (5). إن كل مؤسسة تربوية تتغيى تغيير الآخر يصطدم مشروعها هذا بمسألة حريته: إذ لا أحد بمقدوره أن يقرر في حرية الآخر. سيكتب البعض أن هذا أفضل، وذلك حتى لا يصبح المربي خالقا. آخرون سينتهون إلى أن مشروع القيام بالتربية يتضمن الإقرار بوجود عجز جدري. بينما سيجد البيداغوجيون في هذه المقاومة شروط ميلاد نزعة إرادية مصرة على إنشاء وإعادة إنشاء الإستراتيجيات، والوسائل، والمناهج الضرورية.

فحينما يكون مشروع علوم التربية هو الفهم بغرض التغيير، فإنها تضع بشكل مسبق، على المستويين الأداتي والأخلاقي، الإستراتيجيات والوضعيات التي يبدو لها أن لها نتائج جد إيجابية على التربية. لكن عليها، في نفس الوقت، أن تعي أن التربية هي غير صنع الأشياء، وأن هذا الاستباق لا يمكنه بذلك أن يكون، في أحسن حالاته، صورة بعيدة جدا عما يمكن أن يصير. يطوق هذا التناقض علوم التربية ويضعها في مجرى الممارسة وليس في حمام النظرية Poïesis: التنبؤ دون أن يكون بإمكانها رؤية ما كانت تأمل فيه يتحقق، أو تحقق جزء منه فقط، بل وتحقق شيء آخر غير ما تم افتراضه مسبقا. يتعلق الأمر بتنبؤ لا يعتمد على الما سبق، بسبق لا يتقدم، باستنفار دون تحذير.

• لا يمكن استنباط ممارسة ما من طرح نظري، كما يُحدد المظهر الجانبي لمنحنى انطلاقا من قوانين فيزيائية

يؤثر الفكر الميكانيكي دوما على تصورات الفعل. فلا يزال الاعتقاد ساريا بأن معرفة ما يجب القيام به كافيا لأن يحول النية إلى عملية، ثم إلى منتوج في النهاية.

لكن شتان بين القول والفعل، شتان بين التحكم الكامل في التحول المرتجى وبين التغيرات المرجوة. لا وجود لممارسة لها علاقة استنباطية بطرح نظري. فعلى مستوى المعارف النظرية المساعدة على التنبؤ بممارسة ما، يمكن، باعتماد الممارسة الطبية، تبني الفرضية التي يصوغها د. شاون D. Schön التي تقول:» الذين يدرسون الأعضاء كاملة ينحنون أمام الذين يدرسون المقاطع، والذين يدرسون مقاطع ينحنون أمام الذين يدرسون الخلايا«. وكي تكون الممارسة فعالة، تحتاج إلى صياغة مسبقة، تعتمد فيها على ترسانة من المعارف النظرية، من أكثرها شمولية إلى أكثرها دقة، مما يتيح تحقيق عملية النمذجة، شريطة أن لا تصطدم بحادث غير متوقع. فإذا لم يحدث هذا الغير المتوقع( وهو ما شككنا فيه)، فستفعِّل الممارسة بشكل تدريجي معارف تجريبية، معارف تنتمي لممارسة لا تنكشف لذاتها إلا من خلال هذه الممارسة.

وعليه، فالممارسة لا تستنبط من النظرية، وسيكون المرور إلى الفعل ناتجا عن قدرات التدخل الجديدة، بصرف النظر عن المعارف المستخلصة من علوم التربية ذات الصلة. بهذا يكون للممارسة وجه مزدوج. بالنسبة لكلود ليفي شتراوس إنه وجه الإصلاح المرتق Bricolage:» إن العالَم الأدواتي للمصلح المرتق عالم منغلق، وقانون لعبه على الدوام يكمن في تدبير أمره بواسطة "الوسائل المتاحة"، ونقصد بها مجموعة الوسائل والأدوات المحدودة في الزمن، التي تشكل على الأرجح خليطا، وذلك لأن التركيبة في

مجموعها[...] هي النتيجة المحتملة لكل الفرص التي أتيحت له لتجديد أو إغناء الرصيد(6)« . بينما يتعلق الأمر، بالنسبة لميشيل دوسيرتو Michel de Certeau ، بوجه الصيد الحرام المحظور. » الصيد المحظور هو منتوج مغاير [...] إنه يعتمد الاحتيال، ومكان وقوعه غير محدد، غير أنه ينساب بشكل متستر ومتخف في كل مكان. هذا المنتوج المغاير لا يكشف عن نفسه ضمن المنتوجات الخالصة، وإنما بطرق يستعمل فيها المنتوجات المفروضة من قبل نظام اقتصادي مسيطر (7).

وهكذا فعلوم التربية، إزاء الطموح - للوصول إلى استجلاء الممارسة للتحكم بشكل أفضل فيها مع الوعي باستحالة ذلك-، التي تدرك أنه لن يتحقق بالرغم من الحاجة إليه، تجد نفسها من جديد أمام أسطورة سيزيف: البلوغ بصخرة ضخمة إلى رأس الجبل، التي تنفلت منها بالضبط عند وصولها القمة، فتكون مجبرة، بشكل مستمر، على معاودة الكرة دون كلل و، على الخصوص، دون نهاية.

نتذكر أن سيزيف، ملك كورنثيا، قد عوقب لارتكابه جرائم مختلفة- منها إفشاؤه أسرارا تخص الآلهة- مما جعل سيوز يقرر أن يرسل إليه تاناتوس، إله الموت، الذي كبله واعتقله أياما عديدة. فهل ستساهم علوم التربية، بدورها، في الكشف عن سر الآلهة، باهتمامها، من خلال موضوع التربية، بالخفايا التي تسمح للمجتمع بالاستمرار و، في نفس الوقت، بأن تتطور؟ هذا ما لانشك

----------------------------------------------------------

(*) – خاتمة كتاب :"قضايا في علوم التربية" ، ميشيل دوفولاي، ESF،2001

1- انظر ميريوه ب.، البيداغوجيا بين القول والفعل، باريس، منشورات ESF،1995

2- شارلو ب.، علوم التربية: رهان وتحد، باريس، منشوراتESF، 1995

3- فوكو م.، أقوال وكتابات، باريس، كاليمار، 1994

4- گـوسدورف ج.، ثورة گـليلي، باريس، بايو، 1969

5 - سوتار م.،» الطبيعة والحرية في التربية«، ضمن مؤلف(تحت إشراف) هوساي ج.، التربية والفلسفة، باريس، منشوراتESF، 1999

6- ليفي-شتراوس ك.، الفكر المتوحش، باريس، بلون، 1962

7- دوسرتو م.، الابتكارات اليومية، فن الإنجاز، باريس، UGE، مجموعة18/10، 1980

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق