أضيف في 15 غشت 2017 الساعة 23:49

ماذا حل بك يا قرية (النوارس)؟


المصطفى سالمي

أصبح حال القرية لا يكاد يمت بصلة لعهود قريبة ماضية، وها هو "سلاّم" راعي أغنام الحاج (ميلود) هو أيضا يمتلك هاتفا ذكيا لا يفارق ملامسة أصابعه، بواسطته يكسر الفتى وحشة المكان أثناء الرعي، إذ لم تعد مرأى القطعان وثغاء الأغنام مما يرضيه أو يشنف أسماعه، لقد فضل هذا الجهاز على جديد الملابس التي كانت أمه تشتريها له من خلال تخصيص نصف أجرة الرعي عند كبير قرية (النوارس)، والباقي كانت تصرفه على البيت وحاجياته، فقد هددها ابنها بالهروب إلى المدينة وترك مهمة الرعي الشاقة، مما جعلها تذعن صاغرة وتقبل أن يحل هذا الجهاز ضيفا ورفيقا لفلذة كبدها، كان الفتى يشحن هذه الآلة كل مساء، ويعبؤها باستمرار لمشاهدة الصور والأشرطة وتحميل الألعاب المختلفة.. هذا رغم ضعف شبكة الاتصالات وتقطعها في القرية الصغيرة، فهذا لا يحول دون استمتاع "سلام" بالموسيقى والألعاب الجميلة وكل ما هو مدهش وعجيب، وعلى نفس النهج سار عديد فتية القرية وصغارها، بل إن البعض ممن كان أولياؤهم يعين لهم جديانا أو حملانا للعناية بها كجائزة للقيام بأشغال الحقل والمساعدة في أعبائها من أجل شراء لوازم الدراسة أو شراء ملابس العيد أصر هؤلاء على تحويل الوجهة إلى شراء هذه الأجهزة الذكية الصغيرة التي سلبت عقول الكبار والصغار، لقد هجمت على قرية (النوارس) وأصبحت بعد حين كاللعنة في رأي كبار السن، ذلك أنهم لاحظوا تغيرات في سلوكيات الشباب الذين أصبحوا أشد تمردا وعدم انصياع، وظهرت عادات جديدة لم يكن لها أن تظهر لولا هذه الأجهزة كما يلح على ذلك الحاج (ميلود)، فكلما ظهرت أغنية جديدة أو مشهد شاذ أو حلاقة غريبة على لوح هذه الأجهزة، إلا وتلقفه الصغار، وظهر مجسدا في سلوكيات هؤلاء الصاعدين الذين فرضوا سطوة الجديد على كبار ما عاد يسمع لهم صوت أو نصح، بل إن بعضهم يجدون المبرر لهؤلاء، ويتطلعون بفضول هم بدورهم إلى تلك الصور العجيبة، ويشاركون بتعليقاتهم الخانعة على كل مشهد وصورة وجديد بصوت عال أحيانا كثيرة، ومع الوقت أصبحت الرنات الموسيقية والإزعاج يطال حتى مسجد القرية الصغيرة التي لم يسبق أن زلزلها عساكر الفرنسيس إبان الحملات الاستعمارية حين وقفوا عاجزين أمام شراسة وجبروت كبار القرية، وها هو جهاز صغير جعل قرية (النوارس) تركع وتخر نحو الأرض، فمن حلاقة تجعل لصاحبها عرفا كعرف الديك، إلى مشروبات روحية تركيبتها من تعليمات هذا المخترع، إلى مخدرات تحل بكبسة زر في المكان والزمان المعلومين، إلى جرائم لصوصية وجنح أخلاقية عابرة وصادمة لكل التصورات القديمة، ورغم محاولات شيخ القرية وبعض المدرسين الذين وصفهم أنصارهم بالحكماء والعقلاء، إلا أن السوس الفتاك كانت جذوره قد تقوّت وامتدت في العمق، فمن يستطيع أن يكسر علاقة عشق بين الصورة البراقة المتحركة وبين أجيال عاشت تحت نير العزلة والإقصاء والتهميش في قرية (النوارس)، لقد مل وأنف صغار وشباب ونساء البلدة جبروت السنين، وجاءتهم الفرصة مواتية محلقة على أجنحة هذه الأجهزة الصغيرة، ولن يقبلوا وصاية أحد أو عدم أهليتهم، لن يفلتوا الفرصة أبدا، فهؤلاء الناصحون ـ بدءا من معلمِي الفرعية إلى شيخ القرية الهرم ـ هم كلهم يمتلكون أجهزة ذكية يتواصلون بها مع ذويهم، ثم من يثبت بالدليل أن هذا الاختراع هو سبب البلايا التي يزعمون، هكذا إذن اختلفت الآراء بين فريقين في قرية (النوارس)، وردد أحد الظرفاء بسخرية: "يبقى الوضع على ما هو عليه، وعلى المتضرر أن يلجأ إلى قضاء الله وقدره".


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق