أضيف في 10 غشت 2017 الساعة 21:04

المتناقضات و فضلها على الحضارات !


يونس بلخام

 

من البديهي أنّ الحضارة تتطور باستمرار و لا تؤمن بمبدإ الإستقرار على طور معيّن كانت قد بلغته في فترة زمنية محددة فهي لا تحافظ على خصوصيتها إلّا إذا حدّثت _و لا نقول جدّدت_ نفسها في شتى المجالات الموجدة و المكونة لها ، هذه الخاصية لا تأتي تلقائيا هكذا من العدم بل هناك أناسٌ ذو خصوصيات عقلية و ملكات معرفية و علمية يعملون على توفير الظروف و المناخ الحضاري المناسب لحدوث هذا التطور على أكمل وجه ، كما أنّ هذه الطفرة الحضارية لا تحدث إلا إذا تناغمت الجهود الفكرية و نبذت عنها كل صنوف النرجسية المعرفية و أبدلتها بحُزَمٍ من المعتقدات الحضارية الموحدة أو على الأقل متوافقٌ و متآلَفٌ عليها بحد أدنى من الإجماع ، إنّ هذه الشروط لا يمكن أن تتوفر إلا إذا توفرت العقول المُهيّئة لتحقيقها ، تلك العقول التي لا شُغل يشغلها سوى العمل على الدفع بعجلة التقدم الحضاري إلى الأمام ، هي عقول لا تقف على الإختلافات الحياتية بل تستغلها لجعل الطبخة الحضارية أكثر تنوعا و بأكثر مقادير ممكنة .

 

هذا السر الذي وعِيَهُ العالم الغربي و وظّفه أحسن توظيف لتحقيق ما صار يدعى بالرفاهية الحضارية و هي أكمل صورة للتّطور الحضاري ، هذا السر الغريب الذي يتناقض مع ظاهرية المنطق العقلي إلّا أنّه متناغم و متواشج أشد التواشج مع باطنية المنطق العقلي ، و ما بين ظاهرية المنطق و باطنيته رؤى و تحليلات علمية تقوم على أساس التدقيق و التمحص و التفحص في سبيل عدم النأي أو الإحجام عن المتناقضات و الإختلافات و اعتبارها صفدا حضاريا يعيق تحركاتها و تفاعلاتها المستمرة .

 

ليس تزيدا إن جزمنا بأنّ قوة الحضارة لدى أيّ أمة من الأمم تقوم على أساس الإستغلال الأمثل للتناقضات و المفارقات و الإختلافات مع محاولة دراستها من كل جوانبها و حيثياتها بعيدا كل البعد عن ضروب التعصب الأيديولوجي لأي طرف أو فكرة تضمرها أو تبديها تلك الاختلافات ، إنها الإنتهازية الفكرية المحمودة التّي تسمح باستغلال كل المتناقضات و تذليلها في سبيل المضي صعودا على سلم الحضارة ، هذه الصفة لا تتوفر لدينا نحن العرب أو بالأحرى لا نحبذ هضمها و تبنيها بل نعتبرها و للأسف تشدقا و ضربا من الجبن و التّخلف و ما ندري مدى نفعها الجزيل الذي يعود علينا إن أحسنا توظيفها بعقلانية .

 

إنّ مشكلة الحضارة العربية ليس في عدم توفرها على قدر كاف من المتناقضات التي تدفع بها إلى التقدم و مواكبة الركب الحضاري للعالم الغربي بل بالعكس تماما نحن لو حاولنا إحصاء هذه المتناقضات من حيث القيمة المعرفية و العلمية لا من حيث العدد لشُدِهنا بما يزخر به تاريخنا و تراثنا الحضاري من فرص لِاستئناف البناء الحضاري و عدم الإضطرار كلّ مرة للبدء من القاع و البقاء فيه ، نحن إن لم نعالج تلك المتناقضات لن يكون بمقدورنا استئناف الصرح الحضاري الموروث إذا المسألة لا تعدو كونها استئنافية و ليس تجديدية و عليه فنحن محكومٌ علينا لزاما مواجهة تاريخنا الحافل بالمتناقضات بشيئ عظيم من رباطةِ جأشٍ فكرية و التخلص الكامل و النهائي من فوبيا التاريخ التي صارت ترعبنا حتى في أحلامنا !

 

تاريخيًا لم يعرف العالم الغربي سبيل الاهتداء الصحيح لطريق الحضارة السوية و المتطورة إلا بعد تخلصه من فوبيا الكنيسة الاكليروسية التي منعته عن كل فرص التفكير و الإبداع في مواجهة تحديات الحياة المختلفةة، كما تخلص الفرد الاوربي آنذاك من البطش الاقطاعي و جابهه بطرق جديدة كان قد استقاها من تناقضات ذلك النظام بحد ذاته ، و هنا تظهر لنا أهمية المتناقضات و كيف أنّها الدافع الرئيسي للتفكير و الإبداع في مرمى إيجاد وصفات فكرية يؤدي تراكمها المتعاقب إلى التأسيس لما يسمى بالحضارة القابلة للتطور و ذلك مع الحفاظ على الحدّ الأدنى من التناقضات التي تُمكّن و تسمح بالحفاظ على الخاصية السر للتطور المستمر .

 

لن يفيدنا البكاء و رثاء أطلال حضارتنا فهذا لن يزيدها إلّا هزلا و وهنا و ضعفا ، إنها تصيح لتخبرنا بأن تناقضاتها هي الدواء الذي يُعجِّل بشفائها إلّا أننا لا نرضى الإنصات لها بالشكل اللازم بل رحنا نحوّر تلك المضامين التي تصيح بها حضارتنا العربية إلى ما لا تعنيه و ترمي إليه في الحقيقة ، فأوْرَثْنا عقولنا أنواعا شتّى من الفوبيا و لعل أبرزها فوبيا الماضي و فوبيا مواجهة المتناقضات و ما لنا أن نعيَ بأنّ المنافخة الغبية عنها و محاولة الإنتصار المستحيلة لها أصعب و أشد وطأ من محاولة مواجهتها و إستغلالها كيفما شئنا و نشاء .

 

من ضروب العبث إعتقادنا أو جزمنا أنّ المواجهة المنشودة بين العقل العربي و متناقضاته التاريخية و حتى تلك التي يعاصرها متأرقا منها هي مواجهة سهلة يكفي مجرد الخوض فيها ارتجالا و بعفوية للظفر بها إذ لا مناص لنا من إعداد العدة الفكرية المناسبة على رأسها التخلص من تصلب الذهنيات و القناعات و تعويد العقل على نقد نفسه نقدا ذاتيا و تقبل النقد الذي يأتيه من النسق الفكري للبيئة التي المحيطة به تقبلا يكتنفه المراجعة و التصحيح و الإعتراف بالخطإ مهما بلغت جسامته ، إنّ من شأن هذه التغييرات المنشودة إن حدثت على أرض الواقع _وهو ما نتغيّاه و نأمله بحق_ أن تُنعش الحضارة العربية و تمنحها جسدا أقوى بمناعة أكثر فعالية ، هذا و لا يجب بتاتا أن نعتقد متوّهمين أنّ الجسد الحضاري العربي إن تعافى يوما أنّه سوف لن يمرض مرة أخرى ، الأمر بسيط : من الداء يُستخلص الدواء و من المتناقضات تُبنى الحضارات.

 

#يونس_بلخام


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : يونس بلخام

طالب جامعي مالية و محاسبة   / سطيف , الجزائر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق