أضيف في 10 غشت 2017 الساعة 12:55

الخطاب الملكي


رشيد اليملولي

الخطاب الملكي .

غدت الخطب الملكية تقليدا يرسم من خلالها ، فلسفة الملكية و تصوراتها ، سواء عبر استحضار المناسبات و القيم المرتبطة بها ، وحصرها في القالب الوطني الذي يتفاعل مع ما هو جهوي إقليمي ، أو دولي ، و غالبا ما يتم قياس الخبرة و المكتسب الوطني و الرقي به إلى القاعدة المنتجة للوطنية الحقة ، و لو على مستوى الخطاب و مستوياته النظرية ، و أبعادها التأطيرية .

اعتادت السياقات المرتبطة بالخطاب الملكي ، أن تقيم به صرحا مقدسا لا يسأل و لا يتساءل ، مع العلم أن أي نص مهما علا و بلغ مبلغه من العلم و القداسة ، أن يكون نصا بالمعنى التأويلي ؛ أي أنه نص يحتمل أكثر من تأويل بناء على قاعدة كونية ، تؤكدها كل التجارب الحضارية ، و لا غرو ، هنا أن يكون القرآن حمال أوجه كما قال سيدنا علي بن أبي طالب ، فما أدرانا بالخطاب أو الخطب الملكية .

جرت العادة من طرف الاحتياطي السياسي و فقهاءه خاصة في " بضاعة " القانون ، أن يقاربوا الخطب الملكية باحتفالية قل نظيرها ، ترفع نصا سياسيا حمالا لأوجه ، إلى مرتبة النص المغلق ذو الدلالة الوحيدة ـ دون كشف المخبوء و المستور و المسكوت عنه ـ ، الموحية و المنتجة ، طبعا في عرفهم لكل جديد ، و مكرسة لثورة في أنواع الألفاظ و المصطلحات التي غالبا ما يتم النفخ فيها ،و " تقويلها " ما لم تقله أو تقصده ، و كأننا في عملية تأويلية تسعى جاهدة لي عنقها ، و استخراج الجواهر و الكنوز التي لا تنقضي ، و تتغاضى جاهدة عن أي مساءلة للمسكوت عنه ، و المضمر و المضني ، و بناء القوالب الجاهزة في الفهم ، و إسقاطها قسرا على المتلقي سواء عبر الصحافة المكتوبة و المرئية ، بغرض إنتاج الطاعة الاجتماعية و الطاعة الذهنية ، و التسليم النفسي لكل ما باح به الخطاب بشكل مباشر ، أو بلغة أكثر دقة القصدية الأفقية و القراءة الموازية لها ، و التي تكتفي بظاهر النص .

إذن أزمة الخطاب الملكي ليست في منطوقه و مضمونه ما دام إنتاجا بشريا ، بل في سلطة تأويله و منطق تسويقه ، و الذي يتوسل بكل السبل و الطرق لتقوية و تكثيف حضوره ، باعتباره نصا منتجا للمعنى الحقيقي ، و إن كان من آفة في هذا المستوى × فهي قتل الإمكانات المتاحة اجتماعيا من خلال الفرقاء السياسيين و الحقوقيين و باقي الأطياف ، و قتلهم رمزيا و ماديا و تهميش وجودهم السياسي ، و فاعليتهم الاجتماعية ، و إن كان من ضعف فهو مدين من أحد جوانبه و أسبابه لسلطة المواريث التأويلية المخزنية ، و نسيجها في تقوية و إعلاء طرف على باقي الأطراف لغاية تكريس سلطة النظام و صناعة مخيال سياسي و اجتماعي مطابق لها ، و أكبر فراغ يمكن أن يطال العملية برمتها ، هو موت الاختلاف و الاحتجاج و المشاكسة ، و تهاوي السياسة بمفهومها الاجتماعي ـ أي السلطة الديمقراطية المستمدة من المجتمع ـ ، إلى مراتب دونية لا تستطيع معها أن تنتج المعنى و الفارق و الإضافة إلا في ظل نظام ب " أناه " التي لا يعلو عليها أحد .

تقتضي مناقشة خطاب العرش لسنة 2017 ، استحضار النص باعتباره نصا محكوما بسياق معين و له قصدية محددة ، و أي مسعى يحاول فعل القراءة خارج هذه النصية ، يعد تصيدا للأخطاء أو بغرض الإيقاع بصاحب القراءة ، انطلاقا من تأويل متعسف ، هو بالضرورة قراءة أمنية لفعل القراءة و ربطها بهذا المعطى قسرا .

إن التيمة الكبرى المميزة للخطاب الأخير ؛ تكمن في النقد اللاذع للساسة و السياسيين ، ارتباطا بالإنتاج الهزيل و الالتفاف على القضايا و الملفات ذات الأولوية في هذا البلد من طرف زعماء الغنيمة ؛ فإذا كان هذا النقد وجيها ، فإنه لا يسلم في تقديرنا من إخفاء هذا التراجع الذي أنتجته الدولة في هجومها المتكرر على الساسة ، و الزج بزعمائها في السجون لمجرد الاختلاف ، و من جانب آخر لم تسلم الملكية باعتبارها نظاما في إفقار السياسة من أي مضمون تعاقدي بالمعنى السياسي و الدستوري و القانوني ، و لا أدل على ذلك من مفهوم السلطة الجديد الذي لا يعني إلا نقدا واضحا لمفهوم الملكية القديم ، كما أن الحصيلة التنموية التي قادتها الملكية قد باءت بالفشل أو في أحسن الأحوال لم تستطع الوفاء بما التزمت به .

إن تحميل الأحزاب المسؤولية ؛ لا يعني في تصورنا إلا تورط الدولة في هذه المسؤولية ، حين أبدعت في خلق الأحزاب الموالية أو أحزاب الغنيمة ، بغرض الدفاع عن الوطن و الوطنية ، هذا التلغيم كان يهدف تمييع التدافع و الاختلاف بناء على نوعية المشاريع و الأفكار ، و هنا نصل إلى أمنية نرجو أن تتحقق مستقبلا ؛ ألا يحق لنا أن نسمع يوما ما خطابا عن أخطاء الملكية و نقدا لها و في أقل الأحوال تقييما لها ؟.

إن الجانب الآخر المميز للخطاب الملكي الأخير هو الاطراء على القطاع الخاص ، و إذا كان الأمر يبدو طبيعيا في سياق أن الملكية للجميع ، أو أن النقد و الاطراء حق لا محيد عنه لأي طرف كان ، فإن هذا القطاع و إن كان " منتجا " بمعنى ما ، فهو طفيلي و ريعي و عائلي ، لا يسهم بالقدر اللازم في مشاريع التنمية ، و لا ينخرط فيها إلا بمنطق " من أين تؤكل الأكتاف " ، و حصيلته في الانضباط إلى القواعد القانونية و الضريبية محط تساؤل كبير من طرف العديد من الهيآت ، كما أن تبنيه لمشاريع التشغيل ، تعد هزيلة بالمقارنة مع طبيعة الاستفادة من الدولة .

و من أهم النقط التي وقف عندها الخطاب ، التنويه و الاحتفاء بالأمن ، و إن بدا هذا الاطراء طبيعيا في ظل أن هذا الجهاز ، يسهم بشكل كبير في ضمانة و ترسيخ شرعية النظام ؛ فإن هذا الأمن لا يحتكم إلا لقراءته الخاصة في تأويل الحقوق ذات الطبيعة الكونية ، منها الاحتجاج مثالا لا حصرا ، كما أن طاقة العنف التي يستخدمها هي محط تساؤل دستوري و حقوقي دائم ، بالإضافة إلى سجله الحافل بخرق أبجديات القانون ، و عدم مثوله سواء للمحاكمة المادية أو الرمزية ( الاعتذار ) في سنوات الرصاص ، و التي أكدتها توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة .

إن قراءتنا للخطاب الملكي لم تنبع من التقريظ و الثلب و المحاكمة و الإدانة ، بل سعت إلى تسجيل ملاحظات نعدها تأويلا لنص غير مقدس بالمعنى العلمي و الفلسفي ، و كل هاجسنا كان التخفيف من غلواء تحليلات بضاعة التحليل .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق