أضيف في 9 غشت 2017 الساعة 14:10

ظاهرة العنوسة بمجهر الإجتماعي


يونس بلخام

 

إحدى عشرة مليون عانسة جزائرية هو رقم مهولٌ بمجرد قراءته فقط فما بالك لو تمعنا فيه و في تأثيره على المنظومة و النسيج الإجتماعيين للبلاد ، بإجرائنا لعملية إحصائية بسيطة و باعتبارنا عدد السكان في الجزائر هو 40 مليون نسمة فإنّ نسبة النساء اللائي بلغنّ سنّ الزواج و لم يسعفنّ الحظ في ذلك هي 5 .27٪ من العدد الإجمالي لسكان الجزائر ، هي نسبة تنذر بورم إجتماعي خطير يهدد مناعة النسيج الإجتماعي في الجزائر و يهدد ضرورة و مسعى أن ينعم هذا الأخير بتحصينات مناعية تحول بينه و بين إختلالٍ أو إرتجاج قد يفضي به إلى الضمور أو التلف و هي كارثةٌ إجتماعية بأتم ما تحمله كلمة كارثةٍ من معنى إن لم نتخد نحن كأفراد المجتمع المدني أولا ثمّ السلطة السياسية في البلاد ثانيا الإجراءات و التدابير الأولية للحدّ من إرتفاع هذا الرقم كخطوة أولية و مِن ثمّ تكون هناك دراسات معمقة وجب أن يتلاءم زمن إستغراقها مع زمن إستجابة تلك الإجراءات و التدابير الأولية تفاديا لمعطياتٍ أخرى قد ترمي بكل النتائج المحصل عليها عرض الحائط ، فمن المعروف و البديهي لدى علماء الإجتماع أن الظاهرة الإجتماعية تتمتع بخاصية التغير الإجتماعي المستمر أي أنّها لا تستقر على حالٍ واحدة لفترة زمنية معتبرة و من النافل وصفها بأنّها وفيةٌ للتّغير العشوائي المستمر .

 

إنّ تسبيقنا للمسؤولية و جعلها منوطة بأفراد المجتمع المدني ليس ضربا من الإعتباط و الإرتجال من طرفنا ، فبديهيٌ و غنيٌ عن البيان أنّ منبت الشيئ هو بمثابة مرجعٍ أساسي و قاعدي للإلمام بكل العوامل المحيطة به و هي 

كذلك من المنافذ الرئيسية لفهم دواخل الأشياء و كيفية عملها و تفاعلاتها الداخلية و الخارجية ، لنسقط هذا الكلام على الظاهرة التي بين أيدينا و هي ظاهرة العنوسة : المرأة العانس هي جزء لا يتجزء من النسيج الإجتماعي و من الخطإ تحميلها مسؤولية أي ركود إجتماعي قد يلقي بظلاله على جوانبَ معيشيةٍ أخرى كالجانب الإقتصادي خاصةً و السياسي بنسبة أقل ، فظاهرة العنوسة ليست محلا للنقد و تبريرٍ للتداعيات الإقتصادية و السياسية بقدر ما هي مدعاة لكل واحد منا دون إقصاءٍ أو إعذار لأيّ طرف نخبويّ كان أم شعبوي للمشاركة الفعلية في الحد منها مبدئيا و إيجاد توليفة إجتماعية مناسبة مبنية على القابلية القصوى للتصحيح و المراجعة و التعديل متى لزم الأمر ذلك ، و مواصلة منا لعملية إسقاط ظاهرة العنوسة على ما قلناه أول هذه الفقرة فمنبت هذه الظاهرة هو منبتٌ إجتماعي محظ قد تشوبها _العنوسة_ في مرحلة ما بعد التكون و البروز شوائبُ أخرى ليس للإجتماعي فيها من يدٍ تُذكر .

 

واقعيةٌ هي حقيقةُ أنّ العنوسة من صُلبٍ إجتماعي محظ و يساهم في تأكيد ما قلناه دراساتٌ اجتماعية و نفسية سابقة و حاضرة تؤكد جميعها على أنّ مشكلة العنوسة ناجمة عن عقليات و ذهنيات سائدة في أعراف و عادات المجتمع الجزائري و ولائها المتعنت و المفرط لهذه الأعراف الممتدة و الضاربة في القِدم لتصطدم مع واقع معين في مرحلة زمنية معينة أسقط كل سبل إقامة و تحقيق هذه الأعراف و العادات و لم يُسقِطها من ذهنيات الفرد الجزائري للأسف !

 

كأيّ عملية جراحية خطيرة لا بد لنا من تخدير المريض و تغييبه عن الواقع و عليه فعزل المرأة العانس عن معمعة اللغو و الحديث الذي لا طائل منه في ما يخص مستقبلها هو إجراء إجتماعي ضروري بل الضرورةُ القصوى غيرُ القابلة للتأخير أو التأجيل ، كما أنّ الأمر لا يقتصر على المرأة التي تقع عليها الظاهرة بل على أفراد عائلتها جميعهم و بالأخص أولياء أمورها ، بعد قيامنا بعملية التخدير هاته يمكننا ولوج المتغيرات الإجتماعية الداخلية و التصرف فيها و إجراء هذه العملية الجراحية في الذهنيات بأريحية كبيرة و جعلها متناسبة مع الواقع الإجتماعي لنُذيب بذلك جليد الممانعة و التعنت و نستأصل ورم الولاء الأعمى للعادات و الأعراف الضارة بالسير السلس و الصحيح لقطار التغير الإجتماعي الصحيح على سكة القابلية للمواجهة الإجتماعية و تهييئ الظروف المناسبة لهاته المواجهة التي لا مفر منها إلا بالإنبراء لها و الوقوف ضدها الند للند .

 

بمحاذاة المنطق و مجاورة الحقيقة يمكننا الجزم بأن بيت داء ظاهرة العنوسة هو الذهنية الجزائرية المُمْحِضَةُ للأعراف و العادات منتهية الصلاحية في التّقويم الإجتماعي الجديد و التمسك الكبريائي بها إضافة إلى نقطة أخرى قد غضضنا عنها طرف العناية و التقرير ألا وهي الإستغلال الخاطئ للوَهَباتِ المعيشية المادية الحديثة و تمَكُنها من إستعمار الطريقة و الجدوى و الغاية من التفكير الإنساني العقلاني إضافة إلى تشويهها _ الوهبات المعيشية المادية المتطورة _ الحياة الخاصة بالفرد الجزائري و جعله يحيد عن السنن البشرية الضرورية كالزواج على وجه التقرير و التعيين ، فالتشبع بالماديات يجعل الواحدَ في غنى تام عن الضروريات و المنطقيات و العقلانيات الإجتماعية ناهيك عن الإلتزامات الدينية فيصير بذلك متمردا خارجا عن قانون البشرية الذي يشهد في زمننا هذا إختلالا رهيبا في نُظُمِه و مُتُنِه ممّا يجعلنا نبدي تخوفنا الذي لا سبيل لدرئه و التستر عنه من تغير إجتماعي جذريٍ لا يتبين لنا منتهاه و مستقره و لا حتى طبيعته و الظروف التي سيفرضها علينا من غير أن تكون لنا الخيرة أو التصرف في ذلك !

 

العنوسة ظاهرة عالمية و لا تقتصر على الجزائر فقط ، و الأكيد أنّ التناقض الواضح بين الذهنيات المتقَادِمة السائدة و الترف المادي المتقَدِم الحالي هو مربط الفرس الذي وجب على كل مثقف أي يجعل منه مطيةً يركبها في سبيل إيجاد تفسير منطقي لهذا التناقض و من ثمّ صياغة حلول آنية و متوسطة و بعيدة تجعلنا على إستعداد تام لأي تغير إجتماعي روتينِيٍ كانَ أم فجائي قبل فوات الأوان .

 

#يونس_بلخام


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : يونس بلخام

طالب جامعي مالية و محاسبة   / سطيف , الجزائر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق