أضيف في 9 غشت 2017 الساعة 09:03

إياك أن تعود لمثلها


نورالدين الطويليع

 

يحكى أن زعيما أوروبيا زار دولة عربية، وبينما هو ماش في الشارع العمومي بمعية رئيس ذلك البلد تسلل على حين غفلة من الحرس شحاذ ، فارتمى على رجل الزعيم تقبيلا ولعقا لحذائه اللامع طالبا قسطا من المال ، سل الرجل رجله بلباقة بعدما اعتذر له ، ووعده أن يرسل له مبلغا محترما عن طريق فخامة الرئيس ريثما يرجع ... ولدى أوبته إلى بلده أرسل من حسابه الخاص عشرة آلاف دينار إلى المتسول ، تسلمها بداية من كان مرافقا إياه ساعة وقوع الحادثة ، فقال : المتسول عندنا يرده الدرهم والدرهمان واللقمة واللقمتان ، إنه لمنكر من الفعل أن يأخذ شحاذ في بلدي كل هذا المبلغ ، وأنا الذي عودت شعبي على النزر القليل ولو بعرق الجبين ، إذا تسلم الرجل المبلغ كاملا ستقع أزمة وطنية ولاشك ، فهذا الرقم الذي برمجت شعبي على اعتباره فلكيا سيسقط في أعينهم ، وسيتحطم مخططي الذي وضعته منذ أول يوم تقلدت فيه هذا المنصب ( استمراري في الحكم كامن في جوع الشعب وفقره ) ، وعليه سأذخر لنفسي خمسة آلاف دينار، وسأمنحها كهدية مني شخصيا لجمعية زوجتي التي تهتم بالحمقى والمجانين والمغفلين ...

في اليوم الموالي استدعى صاحبنا رئيس وزرائه وسلمه مبلغ الخمسة آلاف دينار طالبا منه أن يوصله إلى المعني بالأمر، شكر السيد الوزير رئيسه المبجل على نزاهته وأمانته واهتمامه بشعبه الذي لا يوجد له نظير في العالم .

حينما انصرف تساءل قائلا : كيف لشحاذ أن يأخذ خمسة آلاف ديناردفعة واحدة ؟ ما أراه إلا اعترته رفقة ابن بني الأشقر الذي كان في زيارته بسوء ، إن هذه لبدعة منكرة لا أدري كيف جوزها سيدي الرئيس وهو من هو في الحرص على سنة التجويع والتقشف ، لقد أتته ولا شك سنة من الكرم أنسته منهجه الذي أخلص له كل الإخلاص سنينا طوالا ، لكن وكما قال الشاعر:

لا تعجبن لخير زل عن يده|||||||| إن الكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا .

كلنا نحس ، لكن وبما أن سيدي سقى على غير عادته ولم يبخل فسأقتفي أثره ، بيد أن الأمر سيكون بمقدار، أعتقد أن ألفين وخمسمئة ديناركافية لتدخل البسمة والفرح والسرور إلى قلب الرجل ، ومثيله سأتبرع به لكلبي الذي يستحق المبلغ كله وزيادة أكثر من هذا المأفون .

بعدما فكر وقدر وقع اختياره على وزير الداخلية ليتولى البحث عن الشحاذ بحكم خبرته الذائعة الصيت في إحصاء الأنفاس والتعرف على القوم مهما بعدت بهم الشقة ومهما توارواعن الأنظار،

حينما فاتح السيد الوزير في الأمر اعتذر له بداية ، وعلل ذلك بأن المهمة خارجة عن نطاق اختصاصه قائلا : لا أعرف العطاء والندى ، أعرف فقط الضرب بالعصا وسلخ الجلود وبث العيون ... لم يقبل الوزير الأول اعتذار وزيره في الداخلية وخاطبه قائلا : اعلم أن الأمر صدر من المقام العلي الجلي وعصيانك إياه سيجعل لعنة مولانا تحل عليك ، لما سمع سعادة الوزير هذا الكلام ارتعدت فرائسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت ، ثم قال في ارتباك وشفتاه ترتعشان : بما أن الأمر صادر عن مولانا فلن آلو جهدا في تنفيذه ، فطاعته واجب شرعي ووطني ، وأنا لا أرضى لنفسي أن أكون في زمرة العاقين الجاحدين الكافرين بنعمته ، وعليه أعطني المبلغ إياه ونم قريرالعين مرتاحا ، سيصل في أيام معدودات إلى صاحبه ، عندها شكر الوزير الأول وزيره وسلم له المبلغ محييا إياه بحرارة ، لما رجع الأخير إلى مقر وزارته استدعى عامل الإقليم الذي يتسكع الرجل في دائرته الترابية ، فاتحه في الموضوع, ففغر فاه وأصيب بصدمة كادت توقعه أرضا مغمى عليه ، فهو لقن (بضم اللام) من قبل بأن من سابع المستحيلات السماح بالإعانات والصدقات ، بل كانت تلقى إليه التعليمات الصارمة لمنع هذا السلوك ومحاربته والزج بكل من سولت له نفسه القيام به في غياهب السجون ، ما ذا حصل ياترى ؟ هل من عهد إلي الأمر نسي أم لم يجد لنفسه عزما ؟

... استجمع السيد العامل قواه وقال بخشوع: سيدي الوزيرأنا لا أجيد توزيع الإعانات ، أجيد فقط توزيع الركلات والصفعات كما عودتني وعودني رئيسنا المعظم ، لكن وبما أن الأمر أمر سيدنا فلن أبرح الأرض حتى أنفذه رغم أن وسائلي بهذا الصدد ضعيفة ، ابتسم السيد الوزير ضاحكا وسلمه مبلغ ألف ومئتين وخمسين دينارا ، واحتفظ لنفسه بمثله دون أن يكشف له عن الحقيقة ، وخاطبه قائلا : اسمع جيدا ، لقد تبرع بهذا المبلغ عظيمنا من ماله الخاص وسلمنيه عن طريق الوزير الأول الذي حافظ عليه ولم يأخذ منه ولو فلسا ، والفعل الحسن نفسه قمت به ، فلا تكن بدعا من الرجال وإلا لحقك سخطه وسرت في عداد المغضوب عليهم ، تسلم العامل المبلغ بعدما أقسم بالأيمان الغليظة بألا يكون استثناء ، وبألا يخالف سيرة من سبقه ، وعلى التو اتصل بقائد المنطقة التي تحتضن الشحاذ ، وكرر على مسمعه ما قيل له, حاثا إياه على وجوب تنفيذ الأمر بالسرعة الفائقة ، تلقى القائد التعليمات بالقبول الحسن ، وتسلم من العامل مبلغ ثلاثمئة دينار, على اعتبار أنه المبلغ الذي تبرع به سيادة الرئيس ، وأن كل الأيادي التي مر منها كانت متوضئة لم تأخذ منه شيئا ، استدعى القائد بدوره شيخ القبيلة وسلمه مبلغ مئة دينار, طا لبا منه أن يوصله إلى الشحاذ ، وضع الشيخ المبلغ في جيبه وتوجه تلقاء الشحاذ قائلا : يقول لك الزعيم الأوروبي ربنا يسهل عليك ، نحن نعيش أزمة خانقة ، ولاأستطيع أن أفي بوعدي تجاهك ، ويقول لك سيدي الرئيس : إن عدت لمثلها سأعتقلك وأعذبك عذابا شديدا .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق