أضيف في 5 غشت 2017 الساعة 20:19

قصة إبراهيم (الخياط)


المصطفى سالمي

أخيرا أصبح محل إبراهيم (الخياط) شبه فارغ من الألبسة التي كان الرجل يقوم بتفصيلها وتعليقها بنظام على الواجهة الزجاجية للمحل أو بالداخل، لقد قل الإقبال في هذه المدينة الصغيرة البئيسة على تفصيل البدلات، وأصبح شراء الجاهز الرخيص هو الرائج، فالطبقة الوسطى في بلاده أصبحت أقرب إلى الفئة المسحوقة، إنهم يفضلون شراء الملابس المستوردة وخاصة من بلاد الصين التي تكون براقة المظهر ومنخفضة التكاليف، لا يهم بعد ذلك المتانة والتحمل، إنه زمن: "استعمل واطرح"، فآلات للتصوير تستعمل مرة واحدة، وقداحة النار تستعمل مرة يتيمة بدل تلك التي تشحن مرارا بالمادة المشتعلة، ومناديل ورقية تستعمل مرة واحدة وتطرح بدل مناديل الثوب من زمن ولى وانقرض، فلِم الحرص على ملابس تدوم سنوات في زمن يغير المرء فيه جلده وأخلاقه ومواقفه ألف مرة في العام الواحد، هكذا اقتصر عمل إبراهيم (الخياط) أخيرا على ترقيع وترميم الملابس، وخاصة سراويل (الجينز) التي يراد إحداث تغييرات عليها، تساير بها (الموضة) الجديدة، من حيث تمزيق الصالح منها، وتضييق الواسع وتحويل (البنطلون) الطويل إلى قصير.. رحم الله أيام زمان التي كان الحرص فيها على ترقيع وإخفاء ما هو ممزق أو كاشف للحم البشري. هكذا أصبح (إبراهيم) يساير الجديد، ولكن الإقبال ضعف إلى حد لا يطاق، والناس شحت عواطفهم قبل جيوبهم وأياديهم، فأصبحوا يكتفون بتقديم دريهمات قليلة عن كل عملية يرونها لا تكلف إلا دقائق معدودات، وأصبحت آلات الخياطة الأربع ذوات الاختصاصات المتنوعة ـ من خياطة إلى تكفيف الجوانب إلى تشكيل العقد والحواشي .. ـ شبه مشلولة.

وحين يأتي زبون من بقايا الأزمنة الغابرة لتفصيل بدلة، فإن شعورا غامضا أصبح ينتاب (إبراهيم)، إنه يريد أن يطيل فترة تردد الزبون حتى يستمتع أطول وقت ممكن بالعودة إلى زمن جميل ما عاد له وجود إلا في الذاكرة، وحتى يطمئن الزبون إلى شروعه في العمل، فإنه يفصل الثوب الذي اختاره صاحبه من بين النماذج التي يقدمها له إبراهيم، وأحيانا يجلس على الأريكة التي هي أشبه بالمصطبة، ويشرع في تجهيز الثوب وإحداث الجيوب الداخلية والخارجية.. قبل أن يشرع في عملية التجميع ووضع الصدف وما إلى ذلك قبل أن يمرر المكواة أخيرا فتصبح البدلة جذابة براقة، حينها تشع عينا (إبراهيم) ببريق الفرحة الكبرى، لقد قضى أسبوعا كاملا أو أكثر في هذه البدلة محتميا بالصبر والأناة والإتقان والخبرة، فينتج عن كل هذا إبداع قد لا يعني عند الزبون سوى تقديم واجب مادي قد يراه ثقيلا في حق إبراهيم (الخياط)، لكن الأخير قد تشرب هذه الصنعة على مدى عقدين من الزمن، وهو حين يتأمل حاله وملابسه البالية يكتفي بأن يردد بيتا شعريا يحفظه من أيام الدراسة بالإعدادي حيث توقف مساره:

          يبني البيوت وكوخه خرب # ساءت حياة كلها تعب

فما أشبهه بالبناء الذي يقيم بناء لغيره وهو يقطن كوخا مهدما، هكذا يرى إبراهيم حاله، ولكنه سعيد لأنه لم يستسلم لتيار الزمن الهادر الذي قهر كثيرا من أمثاله وجرفهم إذ حملوا صنعتهم وهاجروا إلى البلاد الأجنبية، العربية منها والأوربية، ولكن إبراهيم اختار تأسيس حياة قائمة على الصبر والتحمل، فكما يبدع في تفصيل الملابس، سيفصل له حياة من ثوب القناعة والرضى، وسيخيطها بالأمل والحب، ويزخرفها بالسعادة، ويرتديها عافية وبهجة، يكفيه أنه يعيش مع والدته وزوجته وولدين جميلين، سعادة هؤلاء تنعكس على مرآة وجهه وتجعله يعرف أن ما أعطته الأقدار، تكتنفه كثير من الحكمة الإلهية الخفية الأسرار.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق