أضيف في 1 غشت 2017 الساعة 15:36

عبور صعب


المصطفى سالمي

اكتسى شعر (حادة) بالبياض الذي لم تعد تحرص على صبغه، لقد فقدت المرأة شهيتها لأنوثة تسربت من بين يديها كالملح وهو يذوب في الماء، فالزمن لا يرحم تنطع الإنسان وهو يغالب قوة القدر وجبروته، مات الزوج وترك لها أربع بنات حرصت على تدبر أمورهن بحنكة المرأة (الدكالية) التي تمتاز بقوة الشخصية. الحمد لله أن ترك لها الزوج الراحل بيتا من دورين، اكترت غرفتين في سطح البيت لمرتادي الشواطئ كما يفعل جيرانها، فرشتهم بفراش متوسط، كانت أول أمرها تكتري فقط للأزواج، لكن مشاكل وصراعات النسوة وكثرة تضييعهن للماء بسبب غسيل الملابس الذي لا ينقطع، وبسبب الطبخ داخل الغرف، وتحويل بياضها إلى سواد اضطرها لتخصيص الإيجار فقط للشباب الذي مأكله ومعظم وقته في الخارج، يأتي غرفته فقط للنوم، مما يريح الماء والكهرباء ويقلل الاحتكاك بأدراج السلم، وتجهيزات البيت من صنابير وأزرار وأبواب، فالترميم وتكاليف ما سبق ذكره ـ إن كانت مرتفعة ـ يجعل الكراء عديم الفائدة، والأفضل أن يأتي المكترون دون وسطاء وسماسرة، لأن الأخيرين مطالبهم المادية مرتفعة، فهم أناس شرهون، نهمون للمال، لا يقنعون بالقليل، بل يطلبون المزيد دائما..

تمر السنوات، وتتزوج البنت الكبرى من أحد مرتادي الشواطئ صيفا، أعجب الشاب بالفتاة، وقبلت به (حادة) واحدا من أفراد البيت، على الأقل سيشكل عنصر حماية وسط نسوة في ظل ظروف عيش تزداد قسوة وتعقيدا، كان الشاب مجرد حارس أمن لإحدى الشركات، وعمله غير رسمي، أما البنات الأخريات فتزوجن تباعا بحرفيين من الطبقة المتوسطة، هكذا تخففت (حادة) من عبء ثقيل كانت تحسب له ألف حساب، لكن ذلك استغرق منها سنوات من الشقاء، ومناكفة المكترين الذين تناوبوا بالعشرات وربما المئات على غرفتين حرصت المرأة على تأجيرهما مفروشتين لليوم الواحد على مدار العام، بدل إيجار الشهر الذي مداخيله قليلة ومشاكله كبيرة، وها هي (حادة) تردد في قرارة نفسها وهي تتأمل بياض شعرها من خلال مرآة قديمة متآكلة الحواشي، مثل تآكل أنوثة لم تسوفها الأقدار حقها، لكن المرأة كانت ترى العوض الإلهي في بناتها اللواتي هن كل همها:

ـ الحمد لله أن ترك المرحوم هذا البيت بهذه المدينة الساحلية، ولولا قبر الحياة هذا ما استطعت أن أعبر هذه المرحلة الصعبة مع بنات أربع.

وفعلا كانت المرأة محقة وصادقة في توصيف حالتها، فكثير ممن عاشوا مثل تجربتها جرفتهم الحياة نحو مزالق وظروف صعبة، إذ ـ في أحسن الأحوال ـ تحولن إلى بائعات للحساء أو الفطائر والحلويات ونقش الحناء، في مجتمع أكبر همه إسكات معدته، وتثبيت وجوده، وإرضاء غرائزه، في غابة بشرية لا ترحم!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق